من ذا الذى ينسى؟؟ المناضل/ آدم محمد قدوف (أبو محمّد) الحلقة الثالثة

بقلم الأستاذ: عبدالفتّاح ودّ الخليفة - كاتب ومؤرخ إرتري، المملكة المتّحدة

وبحثا عن التوثيق لجأت إلى كتاب المناضل الأستاذ (محمّد سعيد ناود) (حركة تحرير إرتريا الحقيقة والتّأريخ) الذى أملك منه

آدم محمد قدوفصفحات مصوّرة أستنجد بها عند ذكر تأريخ الحركة فى بداياتها نقلت منها التّالى:

"كنّا نعمل فى جوّ مخيف ورعب (1) نشرته إثيوبيا بين أفراد الشعب فكان البعض يحاول أن يثنينا عن أهدافنا ولننصرف لحياتنا الخاصة أو يريدون أن ينقلوا إلينا حالة الرّعب التى يعيشونها وآخرون كانوا على العكس كانوا يملأوننا أملا وثقة بالنّفس".

وذكر من الرجال الذين بعثوا الأمل فى تلك الأوقات العصيبة كمثال ثلاث قائلا: "على سبيل المثال أذكر حالات ثلاث ظلّت مطبوعة فى ذهنى وكانت قد صادفتنى فى الأيّام الأولى لـتأسيس (حركة تحرير إرتريا وكانت الأولى فى العام 1959 وفى مدينة (كرن) عندما زرت الشيخ "آدم قدوف" فى منزله مع أحد أصدقائه ولم تكن هناك سابق معرفة بينى وبينه سوى أنّى كنت أسمع عنه بأنّه من الشّباب الذين كانوا يناضلون أيّام الحركة الوطنية ومن جانبه بالتّأكيد لم يكن يعرفنى أو حتّى سمع بإسمى. وعند دخولنا منزله إستقبلنا بالترحاب وأحضر لنا شاى باللبن على وجه السّرعة والفطور لأنّنا كنا قد زرناه فى الساعة السادسة صباحا وعندما أحضر القهوة بعد الإفطار قلت فى نفسى لماذا لا نتختبر هذا الشخص ؟؟ وعلى الفور بدأت حديثى قائلا: (إنّنى حضرت من السّودان عن طريق قرورة سيرا على الأ قدام حتّى نقفة ومنها بالسيارة إلى كرن وخلال رحلتى الطويلة التى إستغرقت عشرة أيّام كنت أختلط بالمواطنين وأسالهم عن إحوالهم. فوجدتهم كلهم يعبرون عن الشكر والإمتنان لإثيوبيا التى وفرت لهم كلّ شيئ من العيش الكريم والأمن والأمان) وسكّت عن الحديث لأرى ردّة فعله على كلامى. ومن جانبه ودون حذر ردّ على كلامى قائلا:

(أنّ من إختلطت بهم وإستمعت إلى آراءهم هم من سكان الرّيف الذين لا يعرفون ما يدور فى إرتريا، أن إثيوبيا لم توفر لنا شيئ ولكنها بدأت تأخد كلّ شيئ) وبعدها دخلت معه فى مناقشة جادة وكان قد اصبح عضوا بالحركة...

ومن نوافل القول أنقل الحالتين الأخرييتين بتصرف سعيا للإختصار، فكانت الحالة الثانية مع (كنتيباى هداد عثمان) زعيم الساحل والحالة الثالثة مع الشيخ (عثمان هنتولاى) الذى كان موظّف فى مكتب ممثل الإمبراطور (هيلى سلاسى  فى أسمرا فكان يقوم بحمايته حتى يكمل مهمته ويعود إلى السودان وعندما زاره للمرة الثانية فى مصوّع عام 1960 كان مسؤول الهجرة والجوزات وأيضا تكفل بسكنه حتى رحل...

وذكر أيضا المناضل الأستاذ/ مـحـمـد سـعـيـد نـاود فى كتابه (2) عن مؤتمر الحركة التأريخى فى العاصمة أسمرا وأهمّيته فى بداية عام 1961 والذى حضره على حسب ذكر الأستاذ كل ممثلى فروع الحركة فى الداخل وممثل فرع الحركة فى المملكة العربية السعودية (جدّة) وعندما عرج على ذكر قائمة الحضور أو بعضها ذكر من البرلمانيين (عمر أكيتو) والشيخ (محمّد صالح موسى - أبو دوؤود).

وذكر من ضمن المذكورين المناضل صالح أحمد إياى - والمناضل سليمان إدريس مرير - والمناضل خيار حسن بيان وفى القائمة وتحت الرقم 24 ذكر إسم المناضل (آدم قدوف)...

وعند ذكر أعضاء الحركة فى الأقاليم الإرترية المختلفة (3) وفى الفقرة التّى تخصّ مدينة (كرن) وضواحيها ذكر المناضل (عمر الحاج إدريس) والمناضل (محمد يسين بلاتا) والأستاذ (صالح حمدى) وغيرهم كثر وتحت الرقم 15 ذكر إسم المناضل (آدم محمد قدوف)... رحمه الله

أستطيع القول وأنا أجمع ما كتبه العارفون بـأنّنى عرفت المناضل (عمّى آدم) من (ذاكرة مدينتى (كرن) مثل كثيرين لم أرهم قط فى عمر طفولتى وصباى، وعندما قابلتهم فى السودان كنت أعرف كلّ تفاصيلهم وكلّ حكاياتهم و(عمّى آدم ) كان أحدهم...

عرفت (العم آدم) أيضا من حكايات وقصص (الحيّ العتيق "حلّة دبر" الّذى يحتضنه جبل "إيتعبّر" و عبر أبناء أخت (البيت شاويش إسماعيل إبراهيم) (4) منقذ العم المناضل آدم قدوف (فى صبيحة يوم القبض على آدم قدوف).

ففى عهد صبانا فىّ الحيّ والمدينة كان يذكر المناضل (عمّ آدم) ومعه الشّاويس (إسماعيل إبراهيم) الذى كان يأتى إلى الحىّ من مدينة (شامبقّو) فى جنوب القاش، رجلا طويل القامة ممتلئ أسمر اللون غالبا ما يأتى بزيّه العسكرى، ولكنّه يخلع القبّعة العسكريّة من رأسه ليضع بدلها الطاقية، كان متزوّجا من شقيقة الفدائى المعروف (صالح محمّد حامد) والملقّب عند أقرانه بـ (صالح تكاس) والذى إشتهر بأحراق كوخ عائلته التى لم تملك غيره لإنقاذ المصلّين المحاصرين فى ساحة ملعب كرة القدم فى مدينة كرن فى الشهر الأخير من عام 1970...

تحكى (ذاكرة المدينة) بأنّ هذا (البيت شّاويش إسماعيل إبراهيم) والذى كان يوما ما رئيس مركز الشّرطة فى مدينة (شامبقو) هو الذى أنقذ روح المناضل (عمّ آدم قدوف) من قبضة السّلطات الإثيوبية، عندما جاءت قوّة من المخابرات والشّرطة الإثيوبية من مدينة (بارنتو) عاصمة القاش ومعها أمر القبض على (عمّى آدم) وعرف البيت شاويش معاش (إسماعيل) من زملائه الملتزمين بجبهة تحرير إرتريا فى (بارنتو) بزحف القوّة نحو (شمبقّو) للقبض على (عم آدم) تحرّك (البيت شاويش) بسرعة وبلا هوادة وأخفى (عمّ آدم) فى مسجد المدينة بعد أنْ لفّه فى حصير المصلّين، أتت القوّة وبحثت عن (عمّى آدم) فى منزله وفى أىّ مكان وحتّى المسجد، ولم تجد أثرا، وعادت من حيث أتت.

وفى مرويّات مدينة (كرن) هناك من قال: أنّ (البيت شاويش إسماعيل) أخفاه فى منزله لأنّ لا أحد يشكّ أو يتجرّأ على البحث فى منزل من كان يوما رئيس مركز شرطة (شامبقّو) الـ (بيت شاويش إسماعيل إبراهيم) أمّا "قصّة الخروج الأخير" من إرتريا عبر (شامبقّو) و (كرن) إلى (كسلا  فقد رواها المناضل (إبراهيم قدم) فى شهادته أعلى هذه السّطور مشكورا...

الهوامش:

1. من كتاب (حركة تحرير إرتريا الحقيقة والتّأريخ) والصفحات 50-51-52

2. نفس المصدر والصفحات 76-77-78-79

3. نفس المصدر أعلاه والصفحة (103)

4. البيت شاويش إسماعيل إبراهيم (أب أرياى) ولد وتربّى فى قرى وبلدات (بركا لعال) وفى صباه إنتسب إلى الشرطة الإرتريّة عمل فى مركز شرطة (تكرريت) و(أغردات) المدينة،وأخيرا فى مدينة (شامبقّو) فى جنوب القاش ومع بداية الكفاح المسلّح إرتربط بالتنظيم الأم (جبهة تحرير إرتريا) وعندما إنكشف إرتباطه بالعمل الوطنى بفضل المخبرين والجواسيس قبض عليه ونفى إلى سجن (ألم بقانج) فى ضواحى العاصمة الإثيوبية (أدّيس أببا).

يقول حفيده الأخ/ عبده حمّد ضرار ساكن المملكة المتّحدة قضى فى السّجن ما قارب الستة أعوام، وهو فى السجن رفع تظلّما إلى الملك عبر أحد معارفه من المتنفّذين، فعفى عنه الملك وأطلق سراحه فعاد إلى وطنه إرتريا ومدينة (شامبقّو) التى كان قدعمل فيها شرطيّا لزمن عاشر شعبها وكان له صلات حميدة مع سكّانها وخاصّة قبائل الـ (كناما) فأصبح من أصحاب الكلمة فيها مسموعا ومهابا،
كان وطنيا شريفا يحمى أهله وذويه وعامّة الإرتريين من بطش الإثيوبيين وجيشهم المعتدى الآثم، وفى بداية عام 1975 وشىّ به أيضا وكانت الحكومة الإثيوبية على وشك القبض عليه، علم بالأمر وبلّغ مسؤولى (جبهة تحرير إرتريا) لما كانت تربطه صلة نضال وكفاح بمسؤوليها وخاصّة المناضل القائد (حامد محمود) فعملت الجبهة وبسرعة لمساعدته للخروج من المدينة ومن يومها ترك إرتريا و القاش ومدينته (شامبقّو) ولجأ إلى السودان وعاش فى مدينة (كسلا) حتّى توفّاه الله فيها فى شهر مارس من عام 1998 وترك من الذريّة بنتا وولدين رحمه الله.

تـابـعـونـا فـي الـحـلـقـة الـقـادمـة

Top
X

Right Click

No right click