امنيات من وحي جولة سياحية في إرتريا

بقلم الأستاذ: أبوبكر جيلاني - كاتب ارتري

تابعت مقاطع التيك توكي السعودي، أبو فهد سلطان المرواني وصحبه الكرام أبو إبراهيم وأبو مالك

عن جولتهم في إرتريا، بعد ما أبلغني عنها بعض الجيران (أرجو أن أقابل هؤلاء الشباب يوما وأشكرهم على رحلتهم تلك وتعريفهم عن إرتريا بطريقة مميزة).

لاحظ الجيران إن أطفالهم منسجمين مع تلك المقاطع، قلت ٌربما جذبتهم صور الأرض التي دفن فيها أجساد أجدادهم أو ربما لهجة أبو فهد (سلطان المرواني) كانت مفهومة لديهم عندما يعلق على المقاطع، كيف لا وهي اللهجة العربية التي ولدو ونشئوا فيها. عجبتني المقاطع لكن تمنيت أن تكون البنية التحتية مهيآ بشكل أفضل للسياحة.

فبعدما علمتُ عن هذه المقاطع وتابعتها نَشطتْ لديَّ فكرة لأعبّرَ عن كيف سيكون وجه إرتريا السياحي في الزمن الجميل القادم عندما تزول الغمة ويزول موانع التنمية والبناء وتنتفي حالة الخوف والشك التي ربما أفرزتها السنوات الطوال من الحروب والدمار وحالة الغبن النفسي، ويأتي زمن التسامح والعدالة الاجتماعية والرخاء والانفتاح الإيجابي على العالم.

أبو فهد الذي كان يعلق في مقاطعه عن إرتريا بانبهار ممزوج بشجن وأسى خفي لما ألت إليه إرتريا، لم ينسَى إن إرتريا كانت من أرقى البلاد الافريقية في رغد العيش في النصف الأول من القرن العشرين. وعندما لاحظ صعوبة التواصل الاجتماعي الالكتروني قال في إحدى تعليقاته ممازحا، يريد أن يسكن في إرتريا مع عائلته لإعادة اكتشاف بعضهم بعيدً عن صخب التواصل الاجتماعي.

أبو فهد ليس من المشاهير الذين يقال عنهم كلما تتابعهم يزدادون سخافة، بل هو كلما تتابعه يزداد التعلق به وتتمنى أن يكرر المعلومة التي ربما تعلمها من قبل. علمت هو من سكان المدينة المنورة، وأظهر للجميع إنه شخص مثقف ومهذب حيث أثنى عليه الشيخ عايض القرني ذات مرة قائلا "إنه صاحب رسالة وهدف وتجد في ثنايا مقاطعه معنى ورسالة يرسلها إلى متابعيه".

في إرتريا كان فعلا يصطحب مع مقاطعه معلومات علمية أو تاريخية أو جغرافية أو ثقافية أو اثنية وكان يستعين أحيانا بمعلومات من صاحبه أبو إبراهيم (عبد العزيز سلامة) الذي بدا شخصا ملما بتاريخ إرتريا الثقافي والاثني واللغوي.

ذكر أبو فهد في إحدى مقاطعه بأنهم ممتنين لإخوانهم من القبائل العربية الذين استضافوهم في المدن الإرترية وفي مضاربهم وقدموا لهم كل ما يستطيعون من كرم الضيافة. هؤلاء العرب قدموا إلى إفريقيا في القرن التاسع عشر، واليوم يشكلون جزء من النسيج الإرتري والسوداني باسم قبيلة الرشايدة وأحوالهم المعيشية والاجتماعية تبدو أفضل مما كانوا عليه من قبل وخصوصا في إرتريا والحمد لله. قاموا بواجب الضيافة نحو هذا الوفد السياحي في أسمرا ومصوع واذهبوا بهم إلى البر الساحلي مرورا بشعب وصولا إلى وادي ادرهما و(شبرق) التي اسمع عن اسمها لأول مرة.

وأبو صالح وهو واحدً من شباب الرشايدة كان ملازمهم كثير، ولم يبخل عنهم عندما سألوه عن أسماء بعض الأماكن وتفسيرها بالعربي – عاربي ربوع – (جمعة وربوع) نفاسيت (بلد الغيوم على حسب تفسيره) الخ...

احساسهم بجمال الطبيعة الساحرة والمتنوعة وأنسهم بالزيارة لقربهم من ثقافة السكان بكل فئاتهم كان صادقا مع شجنهم الخفي من أحوال البلد المعيشية ومن عدم استغلال البلاد سياحيا. انبهارهم كان جلياًّ عندما مرو بمحمية سلمونا وفلفلي. وفي أسمرا موديلات المركبات القديمة والنظيفة والمحافظ عليها كأنها انتيكات، ودور السينما والمطاعم العريقة القائمة منذ زمن الطليان والأطباق الإيطالية، والأبنية على طراز أرت ديكو، وتعامل السكان معهم بأريحية، وسهولة التواصل معهم لغويا كان محل اعجابهم مع ما كان يضيفه أبو صالح وأبو إبراهيم من معلومات عن البلاد.

وفي مجال الاتصالات كانت كلمات أبو فهد وصحبه مليئة بالمجاملات المهذّبة حيث كانوا يعتبرون بأنهم ينعمون بصفاء ذهني بعيدً عن التواصل الاجتماعي ولسان حالهم يقول "انقطاعنا عن العالم منذ وصولنا" وكانوا يفرحون عنما يجدون محل انترنيت متواضع. قال أحدهم فعلا لا يعلم المرء النعمة التي يعيشها إلا عندما يفقدها.

لكن في كرن للأسف الشديد الأسف كان حاضرً في وجوه هؤلاء الشباب والحُزن في نبرات أصواتهم عندما زاروا المسجد العتيق في كرن منهدما منكسر الجانب من جهة القبة حيث سقطت القبة منذ بضعة سنوات ومنع الأهالي من صيانة المسجد بحجة أن السلطات ستقوم بذلك ولم يحصل شيء إلى الآن.

ولم ينطق السواح عن هذا المنظر ما يثير حنق السلطات، أو ربما تأدبا مع أهل البلاد المنكوبين على حياتهم وعلى دور عقيدتهم ومعاشهم. وكان استغرابهم ممزوجا بالحزن الخفي عندما قال أحدهم كم هو قديم هذه الأكشاك المهترئة التي يسكنها السوق الشعبي منذ العهد الإيطالي. لا يعرف هؤلاء إن السكان ممنوعين من تعمير بلادهم وتشييد وصيانة منازلهم منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن حيث منع البناء والتعمير منذ ذلك الحين حتى في عهد الدولة الوطنية، بعدما سمح لبعض الوقت بعد الاستقلال للبناء ثم منع مرة أخرى.

في كرن تمنيت أن يكون معهم مرشد سياحي من الأهالي كما كان يفعل أجدادهم. ذكر الأمير شكيب أرسلان في مذكراته، عندما زار إرتريا في الثلاثينات من القرن الماضي مدى الازدهار التي تعيشه إرتريا وخصوصا المسلمين، وعندما زار كرن قال في فترة إقامته فيها خصص له الأهالي مرشدًا ليصحبه أينما ذهب وذكر في مذكراته البساتين التي زارها وانبهر بها ومدافن الطليان والإنجليز.من المقاطع في أسمرا ومصوع وكرن يظهر بجلاء إن ما بقي من الأبنية أو جله هو ما شيده الاستعمار الإيطالي فقط..

إرتريا بلد سياحي من الطراز الأول لِما تذخر به من معالم وبيئة تاريخية وجغرافية ومناخية حيث ينتقل السائح من شاطي خِلجاني وأشجار المانجروف البحرية في البحر الأحمر إلى صحراء قاحلة ثم في أقل من ساعة ينتقل إلى مناخ ربيعي دائم بغابات مورفة وزغزغات العصافير الجميلة في كل مكان ونسمات الهواء العليل في مناظر خلابة تتعانق فيها الوديان الخضراء بالجبال المكسوة بالسحاب.

يكفي أن تُحوّل مصوع إلى طليطلة القرن الإفريقي بقليل من الترميمات للمباني الأثرية والاهتمام بها بعد تطوير الصناعة السياحية في البلاد. عندما كانت الأندلس في أوج تطورها مصوع أيضا كان لها نصيبها من التطور الإنساني والحضاري (في القرون الوسطى).

تمنيت لو ألهمتْ جولة هؤلاء النفر ومقاطعهم المسئولين في الشأن السياحي بالبلاد فكرة تطوير السياحة وجعلها مصدر دخل وتوظيف للبلاد بتطوير البنية التحتية للسياحة بطريقة أفضل مما رأيناه في المقاطع بعد كل هذه السنوات الطوال من الاستقلال. مثلا المناظر الساحرة في محمية سلومونا التي أبهرت أبو فهد وصحبه من السهل جعلها منطقة جذب سياحي في كل المواسم بقليل من البنية التحتية والمرافق الترفيهية.

تمنيت لو يتوفر للسائح مرشداً سياحيا متخصصا ومدربا جيدّ في معهد سياحي وطني، أو منتدبا من شركة سياحية وطنية مرخص لها، تدفع الرسوم للدولة على قدر نشاطها، ليصول ويجول موظفيها مع السواح.

تمنتُ لو تهيئت الظروف ليرى السائح الراغب المواقع التاريخية التي دارت فيها معارك التحرير البطولية، والمواقع الأثرية في مطرا وقوحايتو ودباروا ومصوع وكرن ونقفة وهجر شمالا، ومواقع خنادق الثوار في الساحل الشمالي وبركة وحلحل وشواطئ البحر الأحمر.

وللراغبين في سياحة البيئة غابات القاش والمحميات والحيوانات البرية تفي بالغرض. ولهواة الغطس في البحر الأحمر أماكن مناسبة تنتظر تهيئتها.

ولمتسلقي الجبال منطقة حماسين والمنحدرات الجبلة تنتظر من يرشد إليها ويروج لها. كل هذا وغيره يدخل في الإمكانات الكامنة للسياحة في إرتريا.

وفي كرن، البساتين العتيقة الموجودة منذ 100 عام معلما سياحيا البلاد، وفيها معالم سياحية أخرى مثل المعاهد الإسلامية والمدارس ودور العبادة الإسلامي والمسيحي ومدافن الطليان والإنجليز ليشهدوا عدد من هلك من المستعمرين في هذه المدينة الثائرة في معركة حامية الوطيس تعرف بمعركة طنقلحس.

وختاما تمنيت ألا تكون إشادتهم بنظافة أسمرا وكرن مجاملة وتأدبا منهم بالرغم عن البنية التحتية المهترئة وبالرغم عن قولهم "توقف الزمن في هذه البلاد حسب تعبيريهم". وكم كان مؤلما عندما قال أحدهم عن مصوع عفويا "هذه ديرة مجهولة" (الديرة باللهجة السعودية تعني بلد أو قرية).

السؤال القائم ما هي الأسباب التي أدت أن يتوقف الزمن في إرتريا منذ الحرب العالمية الثانية، ويتحرك الحمد لله في مجال الغناء والرقص وما عداه متوقف بشهادة السواح المذكورين أعلاه؟

Top
X

Right Click

No Right Click