جنود مجهولة فى معركة التّحرير و(صالح قلاتى) نموزجا - الحلقة الأولى

بقلم الأستاذ: عبدالفتّاح ودّ الخليفة - كاتب إرتري، المملكة المتحدة

فى مدينة (قضروف أم سعد) بالسّودان عشت جزءا من حياتى... عرفت فيها كثير من تفاصيل الثورة وعرفت فيها رجال صنعوا

صالح إدريس قلاتىتأريخ وقادو ا العمل الوطنى ضدّ العدوّ الإثيوبى.

عرفت فيها المقاتل الصّلب: (شلال محمد على) والمناضل (محمّد على هزام) و(محمّد موسى القديناى) وعرفت فيها (سرقى بهتا) وسمعت بأذن صاغية كلّ نشاطات ويوميات حياة الشّهيد (أشكول) (1)

شاهدت كلّ ما شاهدت فإكتملت الصورة وسهُل الرّبط بين مسمّيات الأشياء والحوادث الّتى عشتها فى قرية الميلاد و حىّ النشأة فى (دجن) الثّورة (كرن).

مدينة (القضارف) فى السّودان كانت فيها كلّ فروع الثورة ومنها خرج معظم رجال الرّعيل الأوّل أو فيها عمل فكانت مرآة عاكسة لكلّ ما كان يجرى فى الدّاخل فيها سمعت ولأّول مرّة عن (حركة المنكع) و بإسم مناضل مسيحى كبساوى يدعى (ودّى أفوم).

مدينة القضارف فى السّودان مرّ بها رجال رهنوا حياتهم لإرتريا وللثورة ولـ (جبهة تحرير إرتريا) هاربين ومتحدّين الأمحرا وكلّ العملاء فى (أسمرا) العاصمة أحدهم كان (سيوم عقبامكئيل - حرستاى) والآخر كان (ولدى داويت تمسقن - شهيد كسلا) بعد أن مرّوا بمدينة (دوكا) عاصمة الصّعيد السودانى وهى فى نصف الطريق بين مدينة القضارف السودانية والقلابات على الحدود الإثيوبية - السّودانية ونفس المدينة زارها رفيق دراستهم (أسياس أفوورقى) بعد القضارف بعد أربعة أعوام من مرورهم بها بمعيّة المناضل (محمّد على عمرو) والعم المناضل والرّعيل (محمّد عمر عبدالله - أبو طيّارة) موفدون من الوحدة الثلاثية والأهم من كلّ ذالك عرفت فيها نجما من نجوم الثّورة و(جنديّا مجهولا) تجاوزته السّير والأقلام سهوا أو لضعف الذّاكرة أولضياع سجلَّ الثّورة وكلّه سيان ففى عهد الـ (هقدف) الرّديئ إحترقت الذّاكرة وإحترق الإرشيف وحوّر الباقى حتّى إرشيف أصحاب التّأريخ المعاكس أوالمعكوس.

جندينا المجهول يدعى: (صالح إدريس محمّد عمر سعيد) من أسرة (آل قلاتى) المشهورة فى مدينة (كرن) ومديرية (سمهر) لوالده (إدريس قلاتى) ووالدته (عائشة عمر إمام الكنانية) من أسرة الشّيوخ (آل الكنانى) فى كرن و(عبى عدّى) فى الطريق بين أسمرا العاصمة ومدينة (مندفرا) حاضرة إقليم (سراىّ).

كان المرحوم مشهورا بلقب الأسرة عرفه كلّ من عرفه بـ (صالح قلاتى)... أمّا عن الميلاد والنّشأة لجأت إلى شقيقه (سليمان قلاتى) وقبل البدأ أرسل شكرى وتقديرى للأخ (أبوعمر) على التعاون قال (أبوعمر): ولد المناضل (صالح قلاتى) فى مدينة كرن فى العام 1932 تقريبا. نشأ فىها وترعرع وقضى فيها عمر الصّبا ويضيف شقيقه (سليمان قلاتى) ساكن الرّياض (أما والدنا إدريس قلاتى فقد ولد فى قرية (قمهوت) فى مديرية (سمهر).

وعندما جاوز (صالح قلاتى) سنّ الطفولة أرسل إلى الشّيخ الفاضل (معروف الجبرتى) فى (حىّ حشلا - كرن) ربّما لقربه من منزل العائلة... وكان أصدقاؤه وزملاءه فى (خلوة القرآن):-

1. (باشاى سعيد) كان لاحقا صاحب محل للغراء (جير) بالقرب من (سوق الدّجّاج).

2. الأستاذ (حسب الله عبدالرّحيم كشواى) المعلّم والصحفى المشهور بصحيفة (الزمان) والتى كانت تصدر باللغة العربية منذ بداية الأربعينيات وحتى بداية السّتينيات من (أسمرا) ولكنه هاجر فى ا لستينيات إ لى السّودان... وهو شقيق المناضل الحركى ثمّ الجبهجى (يوسف عبدالرّحيم كشواى).

3. إدريس حبونا.

4. محمد نور عمر قداداى.

ثمّ إسترسل (أبوعمر) فى الحديث ليقول: "كان الوالد يحدثنا فيقول: كنت أنتقل بحثا عن عمل بين (قرى سمهر (عايلت) و(قمهوت) وقرى (عد شوما) ومدينة (قندع) وكان مقرّ الأسرة الثّابت ومسقط رأسها قرية (ماى وعوى) المشهورة فى الطريق بين (قندع) و(عد شوما) عبر (سقاد قرسا) (2)

وعندما بدأ المستعمر الإيطالى بناء طريق (السّكك الحديديّة) فى إرتريا من نقطة الإنطلاق فى الثّقر الإرترى (مصوّع) شرقا وحتّى مدينة (كسلا) غربا إنضمّ الوالد إلى قافلة البناء وإنتقل معها إلى مدينة (كرن) ولا أدرى فى أىّ عام ولكن كان يذكر الوالد تلازم حدثين وهما وصول طريق (السّكك الحديدية) إلى مدينة (كرن) وبداية الحرب الكونيّة الأولى 1915 تقريبا) (3)

ثمّ قال: "رحل (صالح قلاتى) وهاجر إلى منطقتنا (ماى وعوى) حين بلغ من الـعمر 11 أو 12 ربيعا ليعيش مع إبن عمّه (آدم قلاتى) وكان (آدم) متزوّجا بشقيقتنا البكر (زهرة قلاتى)".

وأضاف "وأنا فى العشرة الأوائل من عمرى وقف أمام منزلنا صبىّ نحيف مفتول العضلات قلت لوالدتى (بنت الكنانى) هناك ضيفا ينقر على الباب فنظرت والدتى نحو الباب وقالت: هذا إبنى صالح... لقد عاد (صالح) من (ماى وعوى) وأضافت: معك حق لم تتعرّف عليه لأنّه رحل إلى هناك وأنت طفلا صغيرا لم تصل بعد إلى سنّ التّمييز!!"

وكانت فترة عودة الشّاب (صالح قلاتى) من (ماى وعوى) إلى كرن فترة تأسيس وتكوين الأحزاب السّياسية فى إرتريا فوجد مدينة كرن تغلى وتتصادم لأنّها شهدت ميلاد (الرّابطة الإسلاميّة) وظهور تجمّعات (شباب حزب الإنضمام)... و(حزب إرتريا الحديثة) فدخل العمل السّياسى بلا تحفظ.

وفى مدينة القضارف وفى (حيشان الثورة) كان هناك مقاتل تربطنى به صلة قرابة، كنت أرافقه يوميّا يحكى لى عن الثورة ويوميات النضال فى الخلاء والفيافى كان هذا المقاتل يبحث عن عمل لتلبية حاجياته الإنسانية الضّروريّة ولم يبلغ الجهات المسؤولة عن وجوده فى المدينة... لأن النضال برمّته تطوّعى يخرج المقاتل من الميدان مستأذنا و لا أحد يفرض عليه العودة... و بعد أيّـام قليلة أتى رجل جهور الصّوت باسم المحيا وأنيس.. جاء ليسأل من المقاتل الذى شرّف المدينة قادما من الميدان جاء يتفقد أحواله وربّما لتشجّيعه على العودة للميدان وللنضال.

سألت من يكون ذاك الرّجل صاحب الصّوت الجهور والجسد الممشوق وكأنّه يمارس الرّياضة طوال اليوم... فعرفت حينها الجندى المجهول إبن إرتريا.. (صالح إدريس قلاتى) (أبو محمود).

من أول وهلة وأول نظرة تعلّقت بالعم (صالح قلاتى) شرّفت كوخه المتواضع فى منزل الحاج (إبراهيم عبّى) و(الحاج محمّد على - ولّع) وبالقرب من كوخه اليتيم والوحيد كان هناك كوخ آخر يفتح صباحا ويقفل مع صلاة الظّهر وأحيانا قبلها، بابه من رقائق الصّفيح وحينما يأتى زمن الإغلاق يربط الباب بجنزير قوى وعليه قفل قديم توضع فيه كلّ أسرار إرتريا من بيانات وأختام وملابس عسكريّة ومنه تحرّكت قافلة التّحرير الأولى (هنا أتحدّث عن رمزيّة تلك الحيشان-فقد ذكر لى المناضل (صالح قلاتى) وأكده المناضل (على محمد صالح) بأنّ المكتب الأول كان فى منزل العم المناضل (آدم قربين) رحمه الله، وكلّيهما قريبان من بعضهما يفصلهما واديا صغيرا.

فى تلك الأكواخ كانت توضع خطط وعمليات ضدّ العملاء وضدّ أهداف العدوّ الإثوبيى أينما كانت ومنها عمليّة فى عمق (شوا) وقلب العاصمة (أدّيس أببا) قبض على منفّذها وهو على درب التّنفيذ وهذا العملاق لا زال شاهدْ (4) عيان حىّ على العمليّة وعلى التّأريخ من بواسل إرتريا من (قندع) المدينة يعيش فى (أدّيس أببا) بعد خروجه من السّجن المشؤوم (ألم بقّانج) فى أيّام الحكم العسكرى الإثيوبى (درق) ولا زال هناك أطال الله عمره وأبقاه لنا ولإرتريا ليحكى لنا تأريخ المنعطفات والزّويا الصّعبة فى معركة الإستقلال... فقد قابله البعض هناك بعد إنتقال ثقل المعارضة إلى (أديس أببا) فى إثيوبيا.

صالح قلاتى وأزمرى إنقدا:

بالقرب من كوخ الجبهة ومنزل (قلاتى) كان يسكن رجل تجاوز السّتين من عمره (عسكريّا) فى الجيش السّودانى يملك حانوتا (بقالة) يشترى منها (صالح قلاتى) حاجياته ويشترى منها المقاتلون الـ (دخّان) بالحبّة.. يحادثه (قلاتى) دائما قائلا: سوف ننتصر عليكم يا (عمّى أزمرى إنقدا) سوف ننتصر !!!

ويتركه يحادث نفسه... كان الرّجل يقول: أنت يا (صالح قلاتى) وجماعتك مجانين تريدون أن تسقطوا (الإمبراطور ملك ملوك الحبشة) إنّ الإمبراطور لم يقدر عليه الخواجات تعب منه الفاشيست وأخيرا تركوا له أرضه وملكه وعادوا إلى بلدهم إيطاليا ألم تسمع بمعارك (عدوا) ومعارك (القلابات) (وكعاتيت) والمناضل (صالح قلاتى) يردّ ضاحكا: إنشاء الله سوف ننتصر عليه وسوف نبنى دولة حرّة بإذن الله... وهكذا يمرّ إلى سبيله ويعود إليه فى الغد الباكر يشترى أشياءه ويدور نفس الحوار والنّقاش المبتور بلا بداية ولا خاتمة إنّها صورة من حوار الجيران الأعداء جدّ وهزل عداوة وصداقة حوار رمزى بين شخصين يعنى شعبين ودولتين وبلا إمتلاك أدوات الحوار للوصول للتشخيص الفعلى والصّحيح للمشكلة.. ولكن يلاحظ أنّ الرّجل يتحدّث العربية بلكنة (أمحرواية) قال قلاتى مرّة: الرّجل من أصل (أمحراوى قندرى).

إن تجرّأت وقلت له أنّك لست سودانيا قد يغضب وينفعل وإن قلت له لست إثيوبيا قد يقول قد تغوّلت على أصالتى الأمحرواية وأنّه من بيت الملك فى (قندر إثيوبيا) وحفيد (الملك تكلى هايمانوت) و(لبّ دنقل)... إنّه رجلُ (بين الباين) كما يقال بالعامية... لم يكن إسيعابى لتلك الحدوته سهلا وفى متناول اليد فقد نشأت على أنّ (الأمحرا) ظلمة وقتلة ولا يؤمن لهم جانب، ولكن هذا الرجل (جار قلاتى) هزّ كلّ الثوابت فى نشأتى وصباى وتجاربى ومشاهداتى..

الرّجل وأبناؤه الكبّار جنودا فى أهمّ مؤسسة سودانية هى الجيش بل أكثر من ذالك فإبنه الأكبر كان الرّجل الثانى فى (سلاح الموسيقى) فى تلك الأرتة الشّرقيّة العسكريّة... نفس (أرتت العرب الشّرقية) التى خرج من رحمها (عمر إزاز - أبو رجيلة - طاهر سالم - ومحمد إبراهيم بهدوراى - يسين محمد على... وكلّ عباقرة البداية المقدّسة) وأكثرية الرعيل الأول من مؤسّسى (جيش التحرير الإرترى).

لم إستطع الإستيعاب حينها ولكن تعلّمت دروسا جديدة فى المواطنة والإنتماء، مدينة القضارف كان فيها ولا زال العجب !!! يسكنها أقوام وشعوب من كلّ القرن والعمق الإفريقى وبكميّات كبيرة بل أحياء كاملة بلا تناطح فيها كثير من الخطوط المتداخلة بين الإنتماء والمواطنة وبين الإعتزاز بالمسكن والإرتباط بمصادر الرّزق وبين الخصوصيّة، وبين الإندماج والنوازع الوجدانية، وبين الحنين للأصل والسّكون لحالات الطوارئ... إنّها صورة من التعايش الشعبى العفوىّ الغير مقنّن.

مدينة القضارف أصبحت منذ معرفتى بها أهم مركز للمعارضة الإثيوبية فرعا يقوده (لؤول منقشا سيّوم) حفيد الملك يوهنّس قتيل المهدية وحاكم إقليم (تقراى) فى عهد الملك البائد.. وفرعا آخر يقوده شباب مستنير من (تقراى) وكانت منهم أهمّ خليّة لـ (ويّانى هزبى تقراى) بقيادة (سيّوم مسفن) أحد زعماء (ويّانى تقراى) ومسؤول العلاقات الخارجية الإثيوبية ورئييس وفد المحادثات الإرتريّة الإثيوبية فى الجزائر عام 2000 لاحقا.

فى الصّباح الباكر كنت أنهض وقبل الذّهاب إلى المدرسة أتمّم على مكتب الجبهة لأساعد العم (صالح قلاتى) والمناضل (سرقى بهتا) فى نسخ رسائل التوجيه للجنود وبقية مناضلى الجبهة تلك الصيغة المحفوظة عن ظهر قلب تبدأ بـ  الأخ (أبو النضال)... قادم إليكم المناضل فلان إبن فلان وهو فى طربقه إلى وحدته فى الميدان نرجوا عمل الازم مع تحياتنا النضالية أخيكم (صالح قلاتى أو شلال محمد على أو سرقى بهتا).

كنت أنظر بإعجاب فائق أقرب إلى الفتون إلى أولائك الصناديد المقاتلون... كان هؤلاء يرتدون جلبابا قصيرا لا يشبه (الجلابّية السّودانية فى شيئ، وتحته رداءا كاكيّا قصيرا من مستلزمات العسكريّة، وكأنّهم فى حالة إستعداد، أو وكأنّهم لا زالوا (جنودا لإرتريا) وهم فى السّودان، كنت أنظر إلى هؤلاء نظرة إنبهار وكأنّى أرى فيهم صور منسوخة من أولئك الّذين رأيتهم معلّقون على أعواد المشانق، أو مسجيّون على الأرض يحرسهم الأوغاد الجهلة من قوّات الـ (كماندوز) من الإرتريّين، ثمّ أذهب إلى المدرسة وخيال هؤلاء الأطهار ولحظات وداعهم يأبى أن يفارق مخيلتى يؤّرّقنى يزعجنى ويضايقنى ويستدعى أحاسيس خبيثة أخرى إلى نفسى: هل سأقابلهم مرّة أخرى أم سوف يكون ذالك لقاء الوداع.

وينتهى اليوم الدّراسى لأمرّ على العم (صالح قلاتى - أبو محمود) وكأنّى أريد أن أطمئنّ على جنود الصّباح هولاء !! هل وصلوا كسلا بسلام أم عاكسهم لئام الشّرطة السّودانية على القنطرة (كبرى البطانة).. وبالأحرى لا أدرى يقينا سبب مجيئى.

ولكنّى أجد نفسى وقدمىّ قد ساقانى إلى المكتب وإلى الجبهة وإلى (صالح قلاتى) إنّها النّفس القلقة على المستقبل والمصير من صبىّ شاهد القتل والدّمار، ويوميات الصّراع الإرترى الإثيوبى فى حارته وقرية مولده ومدينته !!!

أجد (أبو محمود - قلاتى).. منهمك فى عمله المعيشىى ودفتر (رسائل الجنود) و(قلم الصّباح) ملقى على طرف من (كوخ عمّى صالح) أسأل الجندى المجهول (صالح قلاتى) هل نسيت يا صالح أن تترك دفتر الرّسائل فى المكتب ؟؟

أسأل فقط لإفتتاح حديث اليوم وأنا أدرى ومتيقّن أن (قلاتى) لا ينسى شيئا يومه كلّه محسوب ومرتّب ولكنّنى أسأل وبعناد !!
قال بصوته الجهور والبسمة تعلوا محياه: لا لا يا إبنى لم أنس !! لم أنس !!

لا شيئ ينسى بل جاء جنود من (دوكة) متّجهين إلى الميدان بعد قفل المكتب فما كان منّى إلاّ أن أتصرّف معهم وأسلّك أمرهم رحم الله (أبو محمود) كان لا يعرف تأجيل عمل اليوم للغد كان يصرّف شؤون اليوم فى اليوم نفسه وما يأتى به الغد ينظر إليه فى حينه.. ولماذا يؤخّر ويتأخّر وهو معه كلّ المستلزمات... معه مفتاح المكتب ومصروف الجنود ودفاتر التّوجيه... وأختام التّنظيم بكلّ فروعها.

صالح قلاتى وكلّ أولائك الفرسان كانوا جنودا عاهدوا الله والوطن يقبضون المصروف إن وجد، ولا يبالون إن لم يوجد يتّجهون إلى الميدان بشأفة ورق رمزيّة مختومة بختم إرتريا.. فهناك يجدون الشرف والقيمة ولا أحد يتسكّع فى شوارع (كسلا) أو القضارف.. لا يفعلون ذالك أبدا لأنّه عيب كلّ العيب والعيب عندهم لا يتجزّأ إنها حقّا قضيّة شرف وإلتزام أخلاقى ومن أجل إرتريا وترابها وعزّتها وكرامتها كانوا مشاريع شهادة تمشى على الأرض إلى يوم موعود قد يأتى بالتّحرير يكون لهم أو عليهم يا حسرة !!!

المناضل (صالح قلاتى) لم يكن فقط يرتّب توجيه الجنود إلى الميدان ومصروف سفرهم فقط بل كان يحمل عنهم همّ مبيتهم وغذاءهم وفى المساء وبعيد صلاة المغرب يجالس الجنود فى أماكن راحتهم يسأل عن أحوال الميدان وحركة الجيش الإثيوبى.

وفى المسائيات تجلب بعض الأسر الغذاء وخاصّة فى أيّام الجمع فى الكوخ الآخر والأقرب إلى (المكتب) والذى كان مثل (إستراحة الجنود) يرتاحون فيه وخاصّة من لم يكن له أقارب، كان أحسن ما يمكن الإرتياح فيه هو الحصير البركاوى، المفروش على الأرض دوما، جزء كبير منه محطّم وجزء آخر كثير الثّقوب ولكنه يحمل رائحة إرترية وكأنّه جلب خصيصا من قرية (كعلاى) المشهورة بسعف الحصير.

وكلّ تلك الأكواخ هى نقاط البداية كان يسكنها آباء كانوا هم أيضا جنودا مجهولة تقدّم بلا حدود وبلا خوف على المستقبل والمهنة وهم رفاق كلّ الذين غادروا تلك الأكواخ ليصنعوا ثورة ضدّ الظلم الإمبراطورى وتأسيس جيش التحرير الإرترى... وكثير من الأحيان يختلط عليك الأمر فى تلك الحيشان فقد لا تستطيع أن تفرّق بين الجندى المقاتل والعابر إلى سبيله إلى مشاريع القطن فى مدنى أو مشاريع ومزارع قصب السّكر فى مدينة (حلفا الجديدة) كلّ هؤلاء يأتون إلى تلك الحيشان من كلّ ربوع إرتريا و كلّ إثنياتها كنت أجلس فى فناء الحوش أستمع إلى حديثهم وهم يحكون عن وقائع الحرب والبهائم والشفتا فى (القاش) و(سيتيت) و(بركا) والمقاتلون يحكون عن المعارك وعن الثورة المضادة وعن مذابح إثيوبيا ضدّ شعبنا الصابر وبلا معين... وحكاويهم فى المساء كانت أبلغ وأسرع من بيانات الثورة نفسها ربّما لأنّها كانت بلغة الأم بكلّ ما تحويه من تراث لغوى !!!

و (أبو محمود) يجلس على الأرض يتوسّط الجنود يسألهم ويستمع إليهم وكلّ نكاته وحكاويه كانت تحفيذا على الإستمرار فى النّضال.

وفى أمسية مقمرة فى الحيشان العامرة ونحن جلوس بمعيّة الجنود سألت (أبو محمود) قائلا:

يا عمّى (صالح) متى خرجت من إرتريا ؟؟؟

صمت العم صالح ولم يرد !!!

حينها غاب عنّى وعن الحضور رحل عنّا وسافر دون أن يدرى !!! وشخص بعينيه إلى الشّرق فى إتّجاه كسلا وإرتريا وتأكّدت يقينا حينها أنّه وصل مدينة مولده، وبدأ يتحسّس حيثيات وأحداث قبيل خروجه، إجابته كانت مهمّة لفهمى وإستيعابى ولكنّى أسفت على سؤالى.

هوامش وإيضاحات:

1. أشكول (هو لقب المناضل الشهيد محمد حامد عثمان والملقب أيضا بتمساح) لم أحبّ اللقب لأنّ (ليفى أشكول) الذى ولد فى (أكرانيا) كان عضوا فى عصابات الـ (هاغانا) الصهيونية ثمّ وزيرا ورئيسا للوزراء فى الأعوام 1969-1964فى إسرائيل... ولكن لا بأس إن قصد محبى المناضل (تمساح) وصفهم لـ (تمساح) بـ (أشكول) لذكائه ودهائه فقد كان الشهيد (تمساح) رئيس التشكيلات الجبهجية عامة فى مدينة القضارف حتّى عام 1970.

2. شرح عن جغرافية المنطقة وجدته من المناضل (إبراهيم محمود قدم - أبو حيوت).

3. كتب الدكتور جلال الدين محمد صالح: فى كتابه (كرن الأصالة والتأريخ) صـ 158أن الطريق وصل إلى كرن عام 1922 مستندا إلى ما كتب فى صحيفة إرتريا الحديثة والمؤرّخ المصرى رجب حراز.

4. العملية المقصودة هى العملية التى كلّف بها المناضل (محمّد عمر حبيب) والمناضل (قبرىآب عندى) مذكورة فى كتاب (مذكّرات مناضل إرترى) للمناضل على محمد صالح صــ 113-114

الى اللقاء فـي الـحـلـقـة الـقـادمـة باذن الله

Top
X

Right Click

No Right Click