القائد عبدالله إدريس أحد أعمدة النضال الوطني صفاته ومواقفه

بقلم الأستاذ: علي عافه إدريس - كاتب ومحلل سياسي ارتري

فقد قدم الكثير لشعبه طيلة أكثر من خمسين عاما قضى جلها حاملا سلاحه مكافحا في سبيل حرية شعبه

مناضلاً في صفوف حركته النضالية منذ نعومة أظافره حتى أقعده عن ذلك المرض، البعض أبغضه وتطرف في بغضه وكثيرون أحبوه وتطرفوا في حبه والعامل المشترك بينهما أنهما يتفقان على أنه أحد أعمدة النضال الوطني.

صورة اخترتها من بين الكثير من الصور التي نقلها لي صديق عزيز اتصلت به في مايو 2011م بعد انتهاء مراسم تشييع جثمان القائد رحمة الله عليه وقد اخترته من بين الكثير من أصدقائي لأنه رجل يعشق التفاصيل، وقد تكرم عليّ بالكثير من التفاصيل والمواقف الجانبية الحزينة التي تحمل معاني جميلة ومنها هذه الصورة التي سأحكي لكم عنها.

حكى لي صديقي بينما هم عائدون بعد أن أرقدوا أبي إبراهيم في مثواه الأخير قابلهم أحد رجالات الرعيل (أنا هنا صوناً لخصوصياته سأكنيه بأبو صالح) وهو يسير عكس حركة السير وأبو صالح رجل أفنى حياته في النضال و قد بلغ من العمر عتيا فوهن العظم منه وضعف بصره، يواصل صديقي حكايته ويقول خشيت أن يصطدم به القادمين من الاتجاه الآخر، فأمسكت بيده وسألته إلى أين أنت ذاهب يا أبو صالح؟ رد عليّ الزحمة حالت بيني وبين أبي إبراهيم والآن أنا ذاهب لكي أسلم عليه وأودعه، والحديث لا يزال لصديقي: اضطرني وضعه غير المتماسك للعودة معه على الأقل حتى أمنع اصطدامه بشواهد القبور وبعد معاناة لبطء حركته وصلنا إلى قبر أبي إبراهيم فتركته بالقرب من القبر وابتعدت عنه لمسافة لا أسمع فيها كلامه حتى يأخذ راحته بالكامل، وقد انتظرته طويلاً فمليت الانتظار والوقوف.. أبو صالح لا زال واقفا أمام القبر يتحدث بكلمات مشوبة بالنحيب.. صوته كان يصلني إلا أن كلماته لم تكن واضحة، بدأت التحرك تجاه عسى أن ينهي موضوعه ويخلصني من الانتظار واستمريت في التقدم نحوه، وعندما وصلت إليه كان يمسح دموعه بيده، قلت له هل انتهيت يا أبو صالح أم انتظرك لفترة أخرى؟ لقد انتهيت خلاص جزاك الله خيراً يا ابني وواصل دعاءه لي بتضرع وخشوع، ويجزيك خيراً يا أبو صالح وأمسكت بيده حتى نتحرك فيفاجئني بميله نحو يدي وتقبيلها الأمر الذي أربكني وأزعجني بشدة.. قبلت يده و رأسه ولمته على تقبيله ليدي، قال لي أنت لا تعرف قدر الخدمة التي قدمتها لي فأنا منذ أن سمعت بوفاة أبي إبراهيم منذ أكثر من عشرين يوما وقبل أن يتحرك جثمانه من لندن وأنا أخطط لوداعه ولأنه لا يوجد من يساعدني لذا كنت واثق من أنني سأفشل، فمثلي الناس لا تعيره اهتمامها في مثل هذه الظروف، اليوم خرجت من بيتي بعد صلاة الفجر وقد أوصلني جاري إلى هنا وذهب هو إلى عمله، يقول صديقي اضطرت أن أوصل أبو صالح إلى بيته وأنا أحاول أن أستخلص نوعية العلاقة التي كانت تربط عبدالله رحمة الله عليه برفاقه.

ربما لأنني عشت في بداية حياتي و بداية تكون وعيي السياسي في بيئة مختلفة ومعادية لمّ كان يمثله عبدالله من اتجاه سياسي ضمن إطار الاتجاهات السياسية الأرترية المختلفة، لهذا كنت أحمل في مخيلتي صورة نمطية للقائد عبدالله إدريس كرسها الآخر في ذهني نتيجة لكثرة ما سمعت من أخبار مفبركة عنه، لهذا كنت أتخيله رجل ضخم الجثة طويل القامة عريض المنكبين أسود البشرة أشعث الشعر، له عينان حمراوان يعلوهما حاجبان كثيفان، يرتدي الملابس العسكرية باستمرار يتمنطق سونكي يتدلى من خصره حتى يصل ركبته، ولأنه كان مقلا في الظهور الاعلامي لهذا لم أرى صورة له لفترة طويلة فظلت الصورة النمطية هي المسيطرة، إلا أن تلك الصورة بدأت تتلاشي عن ذهني، ففي عام 1987م قابلت القائد عبدالله إدريس مصادفة في بيت أحد معارفي وعندما أسر إليّ إبن مضيفي أن الرجل الذي يشاركني الغرفة هو عبدالله إدريس لم أصدق ذلك و أخذت أتفحصه دون أن الفت انتباهه فأخذت الصورة النمطية التي رسمتها في مخيلتي تتبعثر، وكان هناك حديث أكثر من عادي عن الأوضاع الإرترية يدور بينه وبين مضيفه وشخص ثالث لا أعرفه، وعندما انقطع الحديث بينهم تفاجأت به يسأل عني مضيفنا ما عرفتنا بابننا، فأجابه هذا فلان إبن فلان، قال موجهاً حديثه إليّ كيف حالك يا ابني؟ الحمد الله. وكيف حال والدك؟ بخير الحمد لله لكنه لازال من كبار المضادة، فقال لي هذا تصنيفات خاطئة انتهى زمانها فآخذ يحكي لمضيفنا بعض المواقف التي حدثت له مع بعض أفراد شعبنا البسيط حول كلمة مضادة لم تخلو تلك المواقف من طرافة، أحسست براحة في مجلسي ذاك فالرجل عكس ما اعتقدت عنه وصفاً وطباعاً بشوش بسيط، له حضور قوي، وبعد قرابة النصف ساعة من المناقشات التي انشغلت عنها بحديث جانبي مع ابن مضيفي، اختفى مناّ مضيفنا خمسة دقائق، و فجأة نهض عبدالله مستأذناً فتوقعت أن يكون الاثنان في غرفة أخرى من غرف المنزل، عادا إلينا بعد ربع ساعة فسلم عبدالله عليّ وعلى إبن مضيفنا مودعاً بحرارة وانصرف فتبعه مضيفنا و الشخص الثالث وبقيت أنا مع إبن مضيفي حتى عاد إلينا والده، كان ذلك اللقاء نقطة انطلاق لي في البحث اللاشعوري عن حقيقته، أتيحت لي بعد ذلك فرصتين لرؤيته عن قرب فعرفت في عبدالله رحمة الله عليه عكس ما عرفته عنه في بداية حياتي، البساطة والحميمية وقوة الشخصية، أما ما قاله عنه الذين عرفوه عن قرب هو أنه كان يملك الأصالة والبساطة، لهذا كان محباً لزملائه ونبيلاً في أخلاقه جسوراً شجاعاً في شخصيته عالي الهمة صبوراً لحد الإعجاز، لهذا تمنيت أن يكتب عنه رفاقه لإظهار هذه الجوانب الجميلة، كما أن هناك جوانب أخرى جميلة في شخصيته رحمة الله عليه، لهذا سأنقل شهادة للأستاذ المناضل حامد ضرار رئيس حزب الشعب الديمقراطي سابقا ومسؤول العلاقات الخارجية حاليا، وقد أدلى بها في كلمته في حفل تأبين القائد عبدالله إدريس في 5/6/2011م بمدينة لندن والتي نشرت لاحقا في موقع حارنت، وسأقتبس جزء كبير منها حيث قال في مستهل سبعينيات القرن الماضي وحينها كنا تلامذة، لا نعي من العالم إلا النذر اليسير، ناهيك عن السياسة ومتاهاتها العويصة. التقيت به مصادفة وبمعيتي أحد الأخوة الباحثين عن معلومات عن طبيعة ومكان استشهاد شخص عزيز. وكان مكان اللقاء، إذا ما اسعفتني الذاكرة، عند المكتب العسكري للجبهة في مدينة كسلا، حيث وجدنا المناضل الكبير محمد آدم جبداي والقاضي المناضل الكبير محمود أنصرا وثالثهم كان أحد أبطال الرعيل المناضل الشهيد عثمان أبو شنب. وبعد تبادل التحايا، أخبر من كنت بمعيته المناضلين عن سبب مجيئنا وهو البحث عن معلومات عن استشهاد المناضل (...). حاول المناضلون الثلاثة دون جدوى غربلة ذاكرتهم الفردية مستعينين بالأوصاف التي أعطيناها إياهم للاسترشاد عن ضالتنا المنشودة. وبعد أن استعصى الأمر، رأينا المناضل أبو شنب رحمة الله عليه، ينهض ويدخل أحدى غرف المكتب. وبعد دقائق دعانا للدخول ليخبرنا أن الشخص الجالس هناك هو القائد العسكري عبدالله إدريس وأخبره وسرد له بعضاً من الأوصاف والمعلومات المتعلقة بشهيدنا.

حيانا الرجل بكل وقار واحترام وبعد أن سمع الردود على بعض الأسئلة الاستيضاحية التي طرحها على من كنت أرافقه، قال القائد دون مقدمات أن الشخص الذي تبحثون عنه هو (...) أعرفه منذ سنوات التحاقه الأولى، واستحضر في ذهني مكان وتاريخ استشهاده. وذكر الرجل ملابسات ومكان وتاريخ الاستشهاد باليوم. نعم لم يفكر الرجل طويلاً ولم يراجع ملفات الشهداء ومع العلم أن من كنا نبحث عنه هو واحد من عشرات آلاف الشهداء. ولأنه أجاب بتلك السرعة فقد ترك في نفسينا شيء من التساؤلات، وقلنا عساه حاول طمأنتنا وحسب أو أن تكون ثمة ذلة في الذاكرة لتخلق لديه حالة من التشابه في الأسماء. رغم ذلك فقد قلنا بعد مغادرة المكتب: أن يتمكن الرجل أو يحاول تذكر تلك التفاصيل المتعلقة بشخص لا يمت إليه بصلة قرابة من أي نوع فهو ولا شك يضعه في محل تقدير واحترام.

بعد الاستقلال وعند مراجعة ذوي ذلك الشهيد وزارة الدفاع الإرترية في أسمرا، لغاية استخراج شهادة لذلك الشهيد، كانت المفاجأة عندما تطابقت كل المعلومات التي حوتها الشهادة المستخرجة مع تلك التي سردها الراحل المقيم عبدالله إدريس محمد، قبل حوالي ثلاثة عقود ونيف من الزمان.

كان لي شرف اللقاء به مجددا في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي، أيضاً في مدينة كسلا في منزل أحد مناضلي الرعيل وهو المناضل محمد يونس، وأنا قادم من الخرطوم ضمن تحضيرية مؤتمر الاتحاد الوطني لطلبة إرتريا. اذكر لحظتها قال له أحد الأصدقاء مازحاً: "أنني" من كوادر "الثورة المضادة". ضحك المناضل عبدالله بسخريته المعهودة وقال يا أبنائي لقد أخطأنا نحن الكبار في اختيار المصطلحات وإطلاق التسميات، فأوعاكم وحذاري من تكرار ذات الخطأ.

في نهاية التسعينيات وأنا في طريقي إلى أحد الدول للالتحاق بإحدى الدورات التدريبية قادما من أسمرا، التقيت بالراحل في عاصمة عربية، بعد الاستفسار ومعرفته بأنني كادراً لحكومة وتنظيم وقف وإياها على طرفي نقيض، لم يقل لي الرجل أي كلمة غير لائقة بل ولم يطلب مني مثل بعض القيادات في ذلك الزمن، بضرورة ترك إرتريا أو الحكومة الإرترية، بل وعلى العكس أوصاني وزملائي وبشدة بضرورة عدم ترك إرتريا والمساهمة في عملية البناء. وكان هذا ولازال بالنسبة لي دليل قوي على وطنية وشمولية نظرة القائد الراحل وتأكيد على أنه كان وحتى اللحظة الأخيرة من حياته عاش راهباً من أجل إرتريا وشعبها.

بعد تأسيسنا نحن للحزب الديمقراطي الإرتري، كان عبدالله إدريس لنا نعم المرشد ونعم المعلم، رغم التباينات في القراءات المتعلقة بكيفية الإتيان بالحلول لمشكلات البلاد، إلا أنه والحق يقال كان عميقاً ومنفتحاً على الرأي الآخر وحريصاً على احترامه، واللقاءات التي أجريناه مع الجبهة في كثير من المواقع والمحاضر التي سجلناها لتقف خير دليل على ما أقول. وكلنا ثقة بأن القائد عبدالله إدريس كان سيدعم فكرة تأسيس حزب الشعب الديمقراطي الإرتري، الذي تم إعلانه وهو على فراش المرض في بداية العام المنصرم. انتهى.

الهمة تولد مع الرجل، يحكى أن عبدالرحمن الداخل (صقر قريش) وهو نائماً مع أمه ينام قليلاً على جانبه الأيمن ثم ينقلب إلى جنبه الأيسر وأستمر في التقلب حتى أزعج أمه بصرير سريره، فقالت له أمه: يا بني ألا تنام؟ قال: لم يأتني النوم. قالت: لمّ؟ قال همة تنطح الجبال ونفس تواقة. قالت: فماذا تفعل؟ قال: يا أماه الخمول أخو الموت. قالت: فماذا تفعل؟ قال: سوف أجعل من علمي جهلاً وأضع نفسي في المتاهات حتى أدرك ما أدرك أو أهلك.
فبعد سقوط الدولة الأموية في الشام آخذ العباسيون ينكلون ببني أمية صغيرهم وكبيرهم، إلا أن صقر قريش تمكن من الإفلات منهم، دخل الأندلس بصحبة خادمه، مستصحبًا لعزمه، فأقام ملكًا بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة عزمه وعلو همته. وحقق غايته بإعادته لأمجاد أجداده الأمويين والانتصار على العباسيين وتكوين الدولة الأموية في الأندلس.

ولأن الهمة تولد مع الرجل لهذا يقابل عبدالله إدريس وهو فتى في السادسة عشر من عمره القائد عواتي فيعيده لصغر سنه ويطلب منه مواصلة دراسته، فينفذ وصية القائد عواتي، ولأن الهمة تؤرق صاحبها إن لم يعلو بها، لذا ظل عبدالله رحمة الله عليه يتقلب في فراشه تقلب صقر قريش فيذهب لمواصلة دراسته في مصر، فلم يطيب له المقام وظل يتقلب في فراشه إلى أن التحق برفاق عواتي عام 1965م وهو في الواحدة والعشرين من عمره.

و لأنه ولد ليكون قائداً بمجرد التحاقه بصفوف جبهة التحرير الأرترية و رغم وجود الأسماء الكبيرة التي سبقته لساحة النضال وصغر سنه ظل يتقدم الصفوف بداية بقيادة السرية الأولى ثم قائد المنطقة الخامسة بالإنابة، وبعد ذلك مسؤول الشؤون العسكرية في القيادة العامة ثم النائب الثاني للرئيس و مسؤول المكتب العسكري إلى أن وصل لمرتبة رئيسها عام 1982م.

وقد كان أكثر ما اشتهر به قيادته لجيش التحرير الأرتري الذي كان يتكون من تسعة ألوية بجانب عدد من الكتائب المستقلة والوحدات الخاصة وجهاز التسليح والمكتب العسكري، وكانت تلك الألوية بقيادة كل من:-

• محمود حسب ،
حامد محمود حامد ،
إدريس إبراهيم هنقلا ،
ولد داويت تمسقن ،
سعيد صالح ،
محمد حامد تمساح ،
تسفاي تخلي ،
عبدالله حسن ،
قبراي تولدي .

وقد نختلف في اسم أو اسمين من هذه القائمة إلا أننا بالتأكيد نتفق أن هذه الأسماء لها وزنها في تاريخ الشعب الأرتري بصفة عامة وجيش التحرير الأرتري بصفة خاصة، وبالتأكيد أيضاً يستحق الفرد من هؤلاء أن يطلق عليه القائد البطل لأنهم كانوا قادة ألوية جيش التحرير الأرتري، وكانوا أبطالاً حقيقيين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل تحرير أرتريا، وبالتأكيد أيضاً أن الجميع يتفق معي أن من يقود الأبطال لا يمكن إلا أن يكون قائداً بطلاً، وعبدالله إدريس رحمة الله عليه كان قائداً لهؤلاء الأبطال.

لقد أعجبني المقال الذي كتبه الأستاذ/ محمد جمعة أبو الرشيد في رثائه للقائد المنشور بتاريخ 2011/4/30م، وأعجبني أكثر عنوانه (رحل القائد الذي كان يهابه أفورقي) وقد دفعني ذلك أن أسأل نفسي لماذا كان أفورقي يهاب القائد عبدالله إدريس؟ أعتقد أن سر تلك المهابة يكمن في أن أفورقي يعرف صنف الرجال الذي ينتمي إليه عبدالله إدريس خاصةً وأنهما كانا معاً في المنطقة الخامسة، و الرجال أصناف كثيرة ومتعددة إلا أن أهمها وأخطرها ذلك الصنف الذي يبعث الحياة في الركام، ويصنع شيء من لا شيء، الصنف الذي يعود للمعركة أقوى مما كان بعد أن تكون قد هزمته واعتقدت إنك قضيت عليه، وهذا الصنف من بين كل أصناف الرجال ينقسم إلى عدة أصناف حسب مقدرة كل منهم في تجميع الرجال من حوله، وبالتأكيد أقواهم هو من يستطيع تجميع كل القوة حوله، وعبدالله رحمة الله عليه كان من هذا النوع الأخير، النوع الذي إذا أردت أن تقضي على ما يمثله من مشروع أو توجه عليك القضاء عليه شخصياً وبذلك تكون قد انتصرت عليه وعلى مشروعه، أما إذا فعلت غير ذلك واعتقدت إنك هزمته فبالتأكيد أنت مخطئ.

لهذا ليس غريباً أن أكثر من نصف قادة ألوية جيش التحرير الأرتري قد اغتيلوا غدراً من قبل عصابات الشعبية في بيوتهم بعد أن عجزوا عن النيل منهم في أرض المعركة، فالقتلة بالتأكيد يعرفون من يقتلون ولماذا يقتلونه، فعندما تريد تصفية مشروعاً ما يجب تصفية الأعمدة التي يقف عليها ذلك المشروع، ومن اغتالوهم كانوا يمثلون المشروع الوطني الإرتري ـ محمود حسب ـ إدريس إبراهيم هنقلا ـ ولد داويت تمسقن ـ سعيد صالح ـ محمد حامد تمساح.

وليس مصادفة أن يتعرض القائد عبدالله شخصياً لأكثر من مرة لمحاولة اغتيال، بل أن الأخيرة لم تكن محاولة اغتيال تخفى القتلة لتنفيذها، فقد كانت معركة في وسط الخرطوم وفي منتصف النهار وبتآمر من أجهزة الأمن السودانية حيث جرت المعركة على مرأى ومسمع منها، معركة غير متكافئة في العدد والعدة شخصين مقابل خمسة، وخمسة كلاشنكوفات مقابل مسدسين، وبعد معركة كبيرة يفر القتلة و يصاب عبدالله رحمة الله عليه بجراح ويستشهد رفيقه النقيب أزهري ورغم هذا ينتصر عبدالله ويحضر الجلسة الثانية لمؤتمر المنظمات العربية والإسلامية الذي كان منعقداً في الخرطوم وهو معصوب الرأس، بعد أن استطاع القتلة تأخيره عن حضور الجلسة الأولى.

الرجال متشابهون ومن الصعب التمييز بينهم ومعرفة معدن كل منهم في الظروف العادية أما التمييز بينهم وقت الأزمات يكون سهلاً والفرق يكون واضحاً كوضوح الشمس فرجل الأزمات يكون رد فعله إيجابي فيندفع للعراك أو المعركة، بالمقابل يكون رد فعل الرجل الذي لا يملك تلك الملكة هو التخلص من العراك أو المعركة عبر الهروب أو الاستسلام للطرف الآخر، كما أن هناك فرق آخر واضح لا يحتاج إلى كبير عناء لنتبينه، فرجل الأزمات يكون واعياً ومدركاً لكل الأحداث وأبعادها لهذا من السهل أن يتخذ قراره، أما النوع الثاني بمجرد حدوث الأزمة يكون خارج التغطية إن صح التعبير لهذا من الصعب عليه اتخاذ القرار وإذا أتخذ قراراً يكون قراراً خاطئاً إلا إذا خدمته الظروف لأنه يكون غير واعي للأحداث وغير مدرك لأبعادها، وقد كان القائد عبدالله رحمة الله عليه من النوع الأول الذي يظهر وقت الأزمات أكثر ثباتاً وإصابة للهدف، فقد تعرض في مسيرته النضالية الطويلة للكثير من الأزمات، إلا أن أهمها وأكبرها على الإطلاق يوم دخول الجبهة للأراضي السودانية بعدتها وعتادها وقياداتها، وسوف لن أتحدث عن مسببات ذلك لأنه أمر مختلف عليه، كما أنه أمر يطول الحديث عنه والمقام ليس مقامه، عموماً وضُعت الجبهة (قيادة سياسية وعسكرية وكوادر وجيش) في موقف حرج، حيث وضعت بين فكي كماشة، الجيش السوداني الذي بالفعل بدأ بمحاصرتهم في الوقت الذي كان فيه ظاهرياً يفاوضهم على تسليم أسلحتهم، وجيش الجبهة الشعبية وحليفتها الجبهة الشعبية لتحرير تجراي الذي كان ينتظرهم في الجانب الآخر للحدود ليتخطفهم، و الوقت أصبح يضيق وأن اتخاذ القرار أصبح لا مفر منه، فتقرر قيادة الجبهة البقاء في السودان وتسليم أسلحتها، فيرفض عبدالله الأظعان للقرار ويعاضده ثلة من رفاقه من قادة جيش التحرير الأرتري ويقرروا الانسحاب والعودة للأراضي الإرترية ومواجهة الجبهة الشعبية وحليفتها الجبهة الشعبية لتحرير تجراي حتى لو كان ذلك يعني فناءهم بدلاً أن يسلموا أسلحتهم للجيش السوداني، ولأنهم طلبوا الموت بكبرياء بدلاً عن العيش أذلاء، لهذا وهبت لهم الحياة بكرامة واستطاعوا بتلك الوحدات التي انسحبت معهم مقاومة جيش الحليفين الذي كان ينتظرهم خلف الحدود، ذلك الجيش الذي عجزت عن مقاومته كل ألوية الجبهة مجتمعة.

ذاكرتي حسب التصنيف المعتمد لأنواع الذاكرة ذاكرة بصرية أو تصويرية لهذا كل الذي أسمعه أو أقرأه يتحول إلى صور سواء كانت تلك الصور حقيقية أو متخيلة، لهذا عندما أردت الكتابة عن لحظات القائد عبدالله الأخيرة، تداعت إلى ذهني صورة سيدنا أبو سليمان خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه حينما حضرته الوفاة في حمص هناك بعيداً عن مكة المكرمة التي أحبته وأحبها، فانسابت الدموع من عينيه حارة حزينة ضارعة وقال كلماته المشهورة "لقد حضرت كذا وكذا زحفا وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، أو طعنة برمح، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي، كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء".

وهذا أبو أبراهيم تحضره الوفاة في لندن وهو بعيداً عن الأماكن التي أحبها، وما أبعد المسافة بين لندن و شلاب، فيصر أحباءه على تشييعه بأنفسهم ولأنه لم تكن هناك فرصة لدفنه في الأماكن التي أحبها لذا اختاروا أن يرقدوه قريباً منها بمسيرة حاشدة بدأت من لندن وانتهت في مقبرة شهداء أبطال الشعب الأرتري (مقبرة الحسن والحسين) بكسلا، وقد لف نعشه بالعلم الأرتري الذي كان يعشقه، تحمله ثلة من رفاقه وخلفه سار الكل، من رفاقٍ قدامى رافقوه في نضالاته، إلى أصدقاءه من الشعبين الإرتري والسوداني، إلى آخرين تربوا على أخلاقه وقيمه، إلى شباب ربما لم يعاصروه لكنهم سمعوا به إلى مثواه الأخير، إلى جانب الزعيم إبراهيم سلطان، والقادة رفاق دربه / محمود حسب و إدريس هنقلا و سعيد صالح... وكثير من القادة والمناضلين الذي لم تحضرني أسماءهم، و عدد كبير من رعيلنا ـ محمد إدريس كلباي ـ عثمان أبو شنب ـ محمد علي أبو رجيلة.

وقبل أن أختم مقالي هذا أود أن أذكر إن القائد وإن رحل عنّا بجسده إلا أن مواقفه ومبادئه وقيمه ما زالت ذاكرة النضال والكفاح تحفظها فقد تحولت إلى دروس تنهل منها الأجيال الحديثة من اجل مواصلة النضال واستمرار الكفاح، من اجل حرية وكرامة الشعب الأرتري.

اللهم أرحمه وأغفر له وأدخله فسيح جناتك مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا والهم أهله وصحبه الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No Right Click