ذكريات وتجارب - الحلقة الثانية والسبعون

بقلم الأستاذ: عثمان بداوى عمريت

حسب ما اذكر كان محمد عقبة رئيس اتحاد العمال فرع بورتسودان والمسؤول عن تنظيم الندوات، وكان انطباعي من حديثه،

حتى هو كان مقتنعا ان الشعبية هي التي قامت بعملية سجن عدي خوالا وانني قادم لأقول العكس. على كل، اتفقنا على مواعيد الندوات والاحياء التي ستقام فيها، في سباق مع الزمن حيث الاستعدادات لاختيار مندوبي الاتحاد لحضور مؤتمر التنظيم كانت تجري على قدم وساق. ولهذا تقرر عقد ندوات صباحية ومسائية مع تكرارها في بعض المربعات ذات الكثافة السكانية، واجمالا لم تختلف فعالياتها كثيرا عن سابقاتها في كسلا، غير ان جماهير بورتسودان كانت اكثر انفتاحا في التعبير عن نفسها، فمما اذكره ان احد المشاركين قال قبيل الانتهاء ’الا ذعتك سني طعمت تا، اليّ يبيلكا واليّ‘ - ان ما قلته كلام طيب اذ لم تقل لا هذا ولا ذاك‘ وحسب فهمي كان يقصد انني لم استعمل لا كلمة ’مضادة‘ ولا كلمة ’عامة‘ التي سئموا من سماعها في الاجتماعات التنظيمية، فاثني البعض على ملاحظته.

بالنظر الى غيابي عن المقر لساعات طويلة قلل من احتكاكي بالمقاتلين ولكن مع المحافظة على وتيرة طيبة الى ان كاد شخص ان يفسدها. فبينما معظم المقاتلين نيام في ساعة الظهرية دخل المقر شاب يسأل عن مكتب الجبهة فاستقبلته مجموعة كانت على مقربة من الباب واجلسته على سرير. كان يلبس جاكيته وبنطلون جنز وفي يده ساعة فاخرة، تأكدت من اول وهلة انه من ابناء مصوع لان نوعية ملابسه غير دارجة في السودان فتوقعت حدوث مشكلة حيث كانت نفس المجموعة التي استقبلته تخوض في نفس الموال اليومي. اخذت اراقبه وافكر في طريقة تمكنني من الانفراد به وصرفه بهدوء قبل فوات الاوان.

ما ان استلقى الشاب على السرير واضعا جاكيته على وجهه حتى انتفض جالسا وكأنه تعرض لطعنة واخذ ينظر الى المجموعة وقد احمرت عيناه، فبادرته بالسؤال عن التوقيت حتى اشغل باله وبينما هو ينظر الى ساعته جلست بجانبه وابديت له اعجابي بها وسألته عن نوعيتها ومن اين اشتراها، فقال لي باقتضاب انها من نوع سيكو احضرها له عمه، فسألته عن اسم عمه فذكر لي اسمه وهنا وجدت مربط الفرس، اخبرته انني اعرفه واعرف كل اخوانه والعائلة حتى هدأ نسبيا ثم استدرجته الى الخارج.

فبعد ان عرفته بنفسي سألته عن سبب مجيئه، قال انه يريد الالتحاق بالميدان فسألته اية ميدان يعني، قال ’الجبهة‘ اليس هذا مكتبهم، قلت له نعم ولكن ليست الجبهة التي تقصدها، وشرحت له الفرق بينهما، فسألني بحدة اقرب الى تعنيف ولماذا انا صامت وصابر على ما يقرع فوق رأٍسي، لم ارد عليه لعله يأخذ حقيبته وينصرف بدون اي تشويش، والحمد لله خرج بدون ان يلاحظه. كان اسمه شلال ابو علامة، لم اعرف اذا كان ابن محمد نور ام ابن الهادي وكلاهما كان في سن واحد وخرجا معا واستشهدا في الشعبية في نفس الفترة تقريبا.

لاحظت في احدى الندوات شخصا منكمش في زاوية واضع ذقنه وكفيه فوق ركبتيه وكانه يشكو من برد قارس او كأنه يتخفى وبدا لي كأنني اعرفه، وكلما نظرت اليه لأتأكد حول وجهه الى جهة اخرى حتى اربكني الى نهاية الندوة. وعندما بدأ المشاركون يسلمون علي ويهنئونني على السلامة كعادتهم، لم يظهر الشخص وبدوري نسيت امره، وفي الاخير ناداني من خلفي باسمي حتى شعرت انني اسمع اسمي لأول مرة فالتفت اليه، مد الي اطراف اصابعه وكأنه متردد وقال ’الحمد لله على السلامة عثمان، اهلك سمعوا بوجودك ويسألون عنك‘.

هنا تذكرت ملاحظة جبداي عندما اشار الى وجود ابناء منطقتي في بورتسودان، وبدلا من ان اسأل الشخص عن اسمه كما تقتضي اللياقة، سألته من اهلي موجود، قال بسرعة ’انهم كثر تجدهم في السوق‘ ثم توارى. قابلته مرة اخرى في السعودية حيث كان يعمل في مدينة رابغ وشهدت له موقفا اجتماعيا مشرفا، ومع هذا لم اتمكن حتى الان من معرفة اسمه الكامل.

عدت الى المقر وفي داخلي صراع رهيب عما سيحمله الغد من فرح وحزن حيث كنت قد سمعت قبل اسبوعين ان الجيش الاثيوبي ارتكب مذبحة كبيرة في حرقيقو راح ضحيتها المئات واحرق البلدة تماما. للأسف لم يكن معي من اشاطره احزاني سوى هؤلاء المقاتلين المغرر بهم، فظلت اتحامل على نفسي حتى جاء هذا الاخ. قضيت ليلتي اتقلب كالمحموم واقلب المواجع حتى اقبل الصبح فطلبت من احد المقاتلين ان يدلني الى السوق. وفعلا وجدت هناك العشرات من الزملاء والاقارب كلهم كوادر ومقاتلي الشعبية ممن شاركوا في الحرب الاهلية، بينهم من جرح ومنهم من اسر اذكر منهم على سبيل المثال، ادريس سيد محمود، ادريس محمد سعيد يمنى، على محمد زبوى، محمد حسين باقر، حمد ادريس حسب الله، عبده ادريس برولى، على عمر (على حنا)، احمد اسماعيل (ابو علي).

لقد سعدوا برؤيتي بقدر سعادتي بهم مع ولكن سرعان ما بدأ امتعاضهم عندما استعملت كلمة ’الجبهة‘ بدلا من ’عامة‘ في النهاية افترقنا على ان نلتقي في الغد، ورجعت الى موقعي محملا بآلام اكثر. كما كنت اتوقع دعت الادارة الى اجتماع حضره المقاتلون وبالطبع لم يشملني لأنني حسب خطاب جبداي لم اكن مناضلا ناهيك مقاتلا، مجرد عابر سبيل. وبعد نحو ساعة انفض الاجتماع وعاد المقاتلون في حالة استنفار حيث تم تحذيرهم من تسلل عناصر على علاقة ب ’المضادة‘ فتحول المقر اشبه حظيرة دجاج ظهر فيها ثعلب. الامر الذي استغربت له لم يشيروا الي مباشرة بدليل استمرار تعامل المقاتلين معي على نفس المستوى بل اخبرني بعضهم ما تناوله الاجتماع.

لم اكترث كثيرا لما قيل وسيقال وذهبت في اليوم التالي الى السوق وحدي والتقيت بالمجموعة ذاتها وكل طرف منا على حذر. حاولوا اقناعي بموقفي الخاطئ من ’عامة‘ من خلال سرد سلسلة طويلة من الاحداث قالوا ارتكبتها قيادات وكوادر الجبهة ضد ابناء المنطقة من مقاتلين واهالي. وبالفعل سمعت بعضها في المقر.

وفي النهاية اخبروني انهم اعدوا لي سكنا معهم وطلبوا مني احضار حاجياتي فورا بدون ان يتوقعوا أي رفض او اعتذار من جانبي. حاولت ان اشرح لهم وجهة نظري ولكنهم لم يكونوا مستعدين للاستماع لأية وجهة نظر مغايرة تجاه (عامة) فكان الفراق. ماعدا ادريس محمد سعيد، انفض الباقون من حولي لتنقطع العلاقة مع معظمهم لعشرات السنين وما زال اثرها مع بعضهم باق حتي اليوم.

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No Right Click