الثورة الارترية رحلة دائرية كما يدعي البعض أم السير قدماً

بقلم الدكتور: محمد خير عمر ترجمة الأستاذ: عبدالرزاق كرار المصدر: النهضة

ولدتُ في نفس العام الذي الحقت فيه ارتريا بإثيوبيا في اتحاد فيدرالي أي عام 1952. وبالتالي أنا قديم قدم النظام الفيدرالي الذي ألغاه

الإمبراطور هيلي سيلاسي من طرف واحد بعد اثني عشر عاما. وخلال هذه التجربة العمرية حتماً مررت بكثير من التجارب واكتسبت الكثير من الخبرات ايضاً. ارتريا هي الأخرى بالمقابل نمت معي وأثرت في كافة جوانب حياتي. في مستهل سنوات عمري استمتعت بحياة بسيطة وآمنة في مدينة أغردات، حيث مرتع الصبا والذكريات الحية على ضفاف نهر بركة الذي كنا نستمتع بمناظره خاصة في موسم الأمطار. كنا نعشق الطبيعة فكنت أذهب والأصدقاء الى منطقة ‘ولت ابرق’ القريبة من أغردات فنسبح ونطارد الأرانب ونستمتع بحياتنا اليومية الى حد بعيد.

ولدت من أسرة مسلمة والدين يشكلا جزءاً مهما من هويتي، ذهبت كغيري من الأطفال إلى الخلاوي القرآنية التي تعلمت فيها أول حرف عربي وقرأت القرأن الكريم قبل ان تعتبر الخلاوي مصدرا للارهاب كما يدعونا الأن. وعندما دخلت المدرسة درست كل المواد باللغة العربية حتى الصف الرابع. اللغة العربية كانت سائدة في المنطقة قبل قيام الكيانات الحديثة لكل من ارتريا وإثيوبيا. ليس هنالك شئ يدعو للاستغراب ولم اكن بحاجة الى أي مثقف من التجرينية (من الذين يربطون اللغة بالدين ويحاول جاهداً ان يتنكر لأي روابط تاريخية للعربية) ليحاضرني عن اللغة التي استخدمها. انا أقرر ما أريد لنفسي ولا أفرض على الآخرين اللغة التي أريدها. فالتعلق باللغة العربية لم يكن شيئاً أوجده فريق موقع عواتي على الانترنيت (Awate.com)، بل هي رغبة الأغلبية الساحقة من المسلمين الإرتريين. أسرتي بجانب دينها الاسلامي واعتزازها بالعربية فهي تتحدث التجرايت وأنا فخور بلغتي (التي اعتبرها أكثر ثراء من التجرينية بشاعريتها) وبحرف الجئز المستخدم في كتابتها، وعليه يمكن اعتبار الاسلام، واللغة العربية والتجرايت هي اهم مكونات هوينى في مراحلها الأولى.

بيد أن تلك الحياة الطولية الهادئة لم تستمر كثيراً، فقد سلبت طفولتي منذ ان كنت في العاشرة من عمري وهو التاريخ الذي الغى فيه الامبراطور هيلى سلاسي الاتحاد الفيدرالي، من حينها لم نذق انا ووطني ارتريا طعم السلام ولم نعرف الأمن والاستقرار. فعندما كنت طفلا لم اكن اعرف بأن ادريس محمد ادم والذي كان رئيس للبرلمان وكان منزله يجاور مركز الشرطة قد غادر البلاد الى المنفى كمافعل ابراهيم سلطان وولدي أب ولدي ماريام. شهدت المدينة تدفق موجات متتابعة من قوات " الطور سراويت" الذين يتحدثون غير لغتنا، وازدادت معهم اعداد البارات في المدينة. ظهر في مدارسنا معلمين للغة الأمهرية وأخذت المدينة تدريجيا تفقد هدوئها المعهود بقدوم المزيد من ناقلات الجنود الإثيوبيين الذين تمركزوا بالقرب من ملعب كرة القدم الوحيد في اغردات. وكنا في السنوات الأولى نذهب الى ذلك الملعب دون قيود في العطلات. ولكن بمرور الايام تغير الوضع تدريجيا، حيث منعنا أولا من دخول الملعب، بعدها تم نقل الملعب الى مكان أخر. وقبل ضم ارتريا الى إثيوبيا بشكل نهائي كانت توزع في المدينة منشورات تحصي المدارس والمساجد والكنائس التي بناها الامبراطور هيلي سيلاسي.

يوم 12 يوليو 1962 كان يوماً مشهوداً، ذلك أن ممثل الإمبراطور وبعض كبار الشخصيات كانوا في زيارة لمدينة أغردات ورمى عليهم فدائي جبهة التحرير الارترية قنبلة في أول عملية عسكرية جريئة داخل المدينة. وقد أسفرت العملية عن مقتل عدد من الإفراد وجرح آخرين واعتقال أعداداً أخرى من المواطنين. وكانت تلك لحطة فارقة لم تعرف من حينها المدينة طعم الاستقرار، فقد امتلأت المدينة بالجنود الذين أخذوا يأتون بجثث لمدنين قتلوهم واخذوا يعلقونهم في الساحة العامة لإرهاب الناس وتخويفهم من الالتحاق بالثورة. ولكن هذه الممارسات الوحشية والقسوة التي أظهرتها (الأم إثيوبيا - تخيل ان تفعل الام بأطفالها كل هذا) عزز من مكانة الثورة. حيث أخذ يلتحق بصفوفها حتى أفراد قوات الكوماندوس الارتريين الذين كانوا أكثر قسوة من الجنود الإثيوبيين في مدن اخرى مثل كرن وذلك بعد أن أدركوا ان المجتمع الذي ينتمون اليه قد انضم الي الثورة. ورواية صالح قاضي (الملوك وقطاع الطرق) تحمل المزيد من التفاصيل في هذا الصدد. بدأت الحكومة الإثيوبية تنفذ سياسة الأرض المحروقة في ارتريا ابتداء من عام 1967 التي عايشتها عن قرب. ونظمت عمليات القتل والاعتقالات الجماعية للناس، فاختفى العديد من الأفراد في اغرادات وغادرها البعض الاخر، وتكرر قصف الطيران الاثيوبي للمواشي والرعاة جوا وسممت ابار المياه، واحرقت قرى مثل عد ابرهيم بالكامل ودخلت أول دفعة كبيرة من اللاجئين الارتريين الى السودان. وكنت اسأل مؤخرا صديقي عبد العزيز المقيم حاليا في كند، فيما اذا كنا سنكون سعداء ان لم نكن قد غادرنا اغردات حتى الان، ولم نعرف شئ عن هذا العالم، ولم نهاجر الى الدول الغربية واكتفينا بحياتنا البسيطة برعي البهائم وممارسة الفلاحة! فرد بشكل قاطع نعم. واجد نفسي متفقاً تماماً معه، وحتى التطور الطبيعي كان يمكن ان يكون اكثر قبولا. ولكن ما الذي يجعلني اطيل عليكم بأمور شخصية تعود بكم وراء لأكثر من خمسين عاما، وما مناسبة العودة الى احداث التاريخ البعيد ؟

السبب هو انه انتابني حالة من الغضب عندما قرأت الجزء الاول من مقال يوسيف قبريهويت الذي يشير فيه أن الثورة الارترية لم تكن أصلا من اجل مثل عليا كالحرية والتحرير. إن الكفاح المسلح بالنسبة لشخص مثلي نشأ في اغردات وتحمل العبئ مبكرا منذ الحاق ارتريا بإثيوبيا عنوة، ما هو الا ثورة على الظلم وانعدام العدل وفرض اللغة والثقافة الامهرية على الارتريين على النحو الذي تم به في كل إثيوبيا من قبل وادى الى انتفاضة الوياني في الاربعينيات والجبهة الشعبية لتحرير تجراي في منتصف السبعينيات و المهدية وغيرها، وكان كل هذا أشكال من مقاومة الظلم والقهر. ليس من العدل مطلقا أن اعتبر "الخمسين عاما جنونا" هدفه ايجاد انتماء جديد غريب لا يمت اليهم كأحباش أو يمس قضاياهم" كما يحاول يوسيف ان يصور الامر. ويضيف " بأن فهمهم المغلوط كان يصور انه اذا أصبحت ارتريا جزء من إثيوبيا سوف لن تكون هنالك ارتريا، فهم يريدون ارتريا لأنفسهم ويمتلكونها وحدهم". وبغض النظر فيما اذا كان قد اختار يوسيف مصطلح حبشا عن قصد أو بدون قصد فانه اختيار غير موفق لكونه يستبعد مجموعات اخرى من الارتريين. ففي ارتريا هنالك ثلاث مجموعات لغوية وهي مجموعة اللغات السامية (التجري والتجرنية والعربية) والمجموعة الكوشية (التي تضم البلين والعفر والساهو والبداويت) والمجموعة النيلية (وتضم الكوناما والنارا). وتعتبر المجموعة الكوشية اقدم المجموعات في ارتريا مثل العفر الذين تعتبر ارضهم أقدم موطن للانسان حتى الان حسب الكشوف الاثرية العالمية. ولكل هذه المجموعات اللغوية امتداداتها في دول الجوار بما في ذلك إثيوبيا التي تشكل فيها المجموعات الكوشية أغلبية، حتى في البلدين معا.

حامد إدريس عواتي الذي أطلق الشرارة الأولى في جبل ادال معلنا رفضه الظلم لم يكن بالنسبة لي ولغيري من الارتريين الا بطلا عظيما، بغض النظر عن من يريدون تشويه سمعته. فهو ببساطة ضرورة تاريخية كان يمكن ان يكون أي شخص. فقد انتشرت الطلقة الأولى التي أطلقها كالنار في الهشيم ليس في ارتريا وحدها بل في اثيوبيا ايضا فساهمت في انهاء سيطرت الحكم الاقطاعي الاحادي الثقافة لنخبة الأمهرة، وفتح الباب امام واقع جديد في اثيوبيا يقر بالتعدد الاثني والديني والثقافي. وحامد ادريس عواتي هو بشر ولن يكون بمنأى عن النقد، ولكن المهم أن نحافظ على قدسية حرية التعبير. وأياً كان النقد فلا تستطيع تلطيخ صورته. فبقدر ما ينعدم العدل تكون دائما الثورة حاضرة للمطالبة بالحقوق سواء اكان ذلك في ارتريا المستقلة أو غيرها. فلا سلام ولا استقرار دون عدل ومساواة.

إن رئيس الوزراء الاثيوبي الراحل ملس زيناوي شرح بوضوح لماذا ثار الارتريون على حكم هيلي سيلاسي. فحجة يوسيف للعودة الى نقطة البداية لم تكن شيئا جديدا، فقد تمت محاولتها مرارا ولكنها فشلت. والاستاذ محمود قدم ملخصا لتصريحات الراحل ملس زيناوي. حيث أكد بأن إدراك أغلب المسيحيين الارتريين في المرتفعات بأن الترياق الذي كانوا يوعدون به قد بدأ يحرمهم من لغتهم وثقافتهم أخذوا يلتحقون تدريجيا بالثورة. لم يمض وقت طويل قبل أن يتذوق أولئك الذين كان شعارهم "إثيوبيا أو الموت" طعم اثيوبيا والموت معا فبدأوا يلتحقون بالثورة. ولم يمض وقت طويل على تيلاعقبيت وتيلابايروا ليتمردا على الحكم الإثيوبي الذي ناضلا كثيرا ليفرضانه على الشعب الارتري. وللتاريخ فان اغلب المسلمين الارتريين رفضوا ان يكونوا جزء من السودان. بل تمسكوا باستقلال بلادهم مع المسيحيين. وساءت الأوضاع في المرتفعات بوصول منجستو إلى السلطة في إثيوبيا. وان الاساليب الوحشية في شنق الشباب بالأسلاك في اسمرة دفعت بالعديد منهم للالتحاق بالثورة. واضحت الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا بشعارها "نحن وأهدافنا" اكثر جذبا للشباب المسيحي من المرتفعات. ومن المؤسف ان نرى العديد من منظمات حقوق الإنسان توثق الجرائم التي ارتكبتها الثورة أكثر من تلك التي ارتكبها الاحتلال الاثيوبي التي نسيناها.

انا معجب بشجاعة يوسيف في طريقة طرحه لوجهات نظر غير متسقة ليستفزنا بها ويجعلنا نعبر عن وجهات نظرنا. فمن حق أي شخص ان يعبر عن وجهة نظره بحرية ودون خوف. وحتى ان وجد اليوم من يدعو أو يدافع عن الوحدة مع اثيوبيا فمن حقه في اطار حرية التعبير ولكن يجب ان لا يكون ذلك بالتقليل من شأن ثورتنا. واعتقد بأنه اثار نقاط جيدة فيما يتعلق "بالتحول الجاري" والذي يعكس الاحساس بالانتماء القوي الذي يشعر به اعضاء كل من جبهة التحرير والجبهة الشعبية تجاه تنظيمه، الى جانب حقائق الجغرافية التي تبين من منا التحق بالتنظيم المعني، وكذا تعكس انتماءاتنا الدينية. نعم البعض منا لديه احساس بالانتماء الى جبهة التحرير والبعض الاخر الى الجبهة الشعبية، وكذلك الانتماءات الدينية والعرقية والاقليمية، ولكن يبقى انتمائنا السياسي مرتبطا بارتريا حرة وديمقراطية تتمتع بالسلام والاستقرار الداخلي وتعيش في سلام مع جيرانها. وبالعودة الى الرحلة الدائرية ليوسيف، فهل مدينة اغردات وارتريا التي اعرفها منذ ستين عاما عادتا الى نقطة البداية ؟ وهل حالي وحال مدينتي وبيئتي المحيطة وكل وطني افضل أم ساءت أحواله أكثر مما كانت عليه قبل ستين عاما ؟ والاجابة بكل تأكيد نعم الاحوال أكثر سوءا. وبالاشارة فقط الى مدينتي أغردات التي تغيرت بشكل كلي. فقد تغيرت تركيبتها السكانية لوجود معظم سكانها الأصليين في السودان كلاجئين، وبفضل الهندسة الاجتماعية لحكومة الجبهة الشعبية والحكام الجدد لإرتريا الذين مكنوهم من السيطرة على ارتريا بعد ان أتوا بهم من مناطق المرتفعات. واغلب ممن لم يهاجروا من السكان الاصليين لا يملكون شيئا، بل ويشعرون وكأنهم غرباء في ديارهم. إذن ماذا ستعني الثورة لمن فقد كل شئ ابتداء من لغته وهويته الثقافية وأرضه؟ وعلق صديقي سليمان بخيت الذي يعيش في استكهولم مرة قائلا: “يا محمد الثورة تعني ان تحسن أوضاعك وتحدث تغيير نحو الأفضل، ولكن ثورتنا تبدو غريبة لأنها جعلتنا نفقد كل شئ”. وهنالك نكتة كان يتم تداولها في هيكوتة حيث تقول راى احد الرعاة المحليين تمثالا لرجل فسأل لمن يكون هذا التمثال ؟ فرد عليه صاحبه قائلا لا تعرف هذا، انه عواتي. فرد الراعي " سبحان الله".

انه الرجل الذي بدأ الثورة التي أتت إلينا بهؤلاء الأحباش الذين استولوا على أراضينا، كان وضعنا أفضل قبل ثورته. وتعبير "حبش" تعني للإنسان العادي في المنخفضات مسيحي المرتفعات. وبالطبع من حق أي ارتري ان يختار المكان الذي يعيش فيه ولكن يجب ان يتم ذلك في سياق التطور الطبيعي وليس بطريقة ممنهجة ومدروسة تفرضها الحكومة لفرض واقع معين. كما ينبغي التأكيد على ان هنالك بعض الاقاليم في المرتفعات عانت وتعاني من التمييز. وقد يحتج البعض بأن الارتريين قدموا تضحياتهم في مختلف بقاء الوطن وبالتالي من حقهم العيش في المكان الذي يختارونه. وكان احد اصدقائي من ابناء الرتفعات الذين زاروا الميدان قبل التحرير لمشاهدة ‘اخر الانجازات’ التي حققتها الجبهة الشعبية يتذكر موقفا لأحد المقاتلين الكبساويين الذي اخذ ينادي غاضبا على صاحب جمل ات ليرعى في مكان كان يستظل فيه مقاتلون. حيث طلب منه ان يأخذ جمله الى الجحيم فتمتمالراعي “أنت الذي اتيت اليه في مكانه فهولم يأتي اليك”.

وقد أخذت الممارسات الظالمة للنظام تطال تدريجيا المرتفعات منذ عام 2001. وليس غريبا على النظام ان يوعظ سرا الى التجرينية على انهم لم يحققوا مثل ما حققوه في ظل حكم اسياس، واذا ذهب سيأتي المسلمون لحكمكم وكأن المسلمون من كوكب أخر. ولكن الحقيقة تقال هي ان معظم ضحايا الاتجار بالبشر اليوم هم من شباب المرتفعات المسيحيين وهذا يؤكد بأن الأمور لم تعد كما كانت عليه قبل خمسين عاما.

عندما تحالفت الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا مع الجبهة الشعبية لتحرير تجراي واخرجت جبهة التحرير الارترية (التي كانت أكبر تنظيم يضم في عضويته المسيحيين والمسلمين في السبعينيات) من الساحة وانقسمت الأخيرة إلى عدة تنظيمات. ولكن كان لتلك الخطوة انعكاسات بعيدة المدى لم تلحظها حينها الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا أو الجبهة الشعبية لتحرير تجراي. حيث نجم عن السياسة الانعزالية للجبهة الشعبية لتحرير ارتريا بروز تنظيمات دينية وعرقية، وتولد إحساس لدي ابناء المنخفضات أحساس قوي بالشك في نوايا الجبهة الشعبية لتحرير تجراي. وكان رئيس الوزراء الراحل مليس زيناوي قد أوضح في سيمينار المثقفين الارتريين في اديس ابابا 2011 بأن الخطوة لم تكن تحالف التجرينية ضد جبهة التحرير الارترية، بل انها كانت خطوة ضرورية لبقاء تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير التجراي، نظرا لما كانت تمثله سياسة الجبهة من تهديد لتنظيمهم بتشكيلها تحالف مع تنظيمي EDU و EPRP، مع اسفه في استخدام القوة انذاك. ويوضح اريقاوي برهي وهو احد قادة التجراي الذي إنشق عنهم مبكرا في رسالته للدكتوراة الاسباب التي دفعت التنظيمين للقيام بتلك الخطوة. وهذه وجهة نظر ‘المجلس الثوري’ سابقا لما حدث.

ووفقا ليوسيف فنحن في رحلة دائرية لأننا ابتعدنا عن ثقافتنا الأصلية (ولا أدري فيما اذا كان يعني بذلك إثيوبيا) وتبنينا ثقافة غريبة علينا (الثقافة العربية والثقافة النضالية). وثقافتنا الاصلية ايضا فيها جوانب ايجابية وسلبية كالثقافة النضالية ولهذا ينبغي ان نأخذ الافضل من هذه الثقافات. ونظرا للتغير الكبير الذي طرأ على كل الاصعدة فانه من الصعب تحديد نقطة الانطلاق، وحتى اثيوبيا نفسها شهدت تغيرا كبيرا. وارجو ان تكون مشكلاتنا بسيطة، خاصة وان اكبر مشكلاتنا كانت ولا تزال في التنوع وكيفية ادارته. فالعديد من الدول الافريقية فشلت في ادارة التنوع فدخلت في أزمات كبيرة، والسودان المجاور لنا يعتبر مثالا حيا لذلك. كما ان العديد من البلدان الافريقية التي نالت استقلالها عبر الكفاح المسلح فشلت هي الاخرى في العودة الى أنظمة الحكم المدنية الديمقراطية دون الحاجة للعودة الى نقطة البداية. فالصومال البلد المتجانس كان بإمكانه تجنب ما حدث لو تقبل التنوع القبلي والإقليمي وأحسن إدارة ذلك. وإذا فشلنا في ادارة تنوعنا في المستقبل سنظل نواجه المشكلات ونغامر بمستقل وجود ارتريا ككيان موحد ومستقل.

واعتقد بأننا قطعنا شوطا في معالجة مشكلاتنا وتمكنا من تضييق الفجوة، ومن الاتفاق على المبادئ التي نحكم بها ارتريا الديمقراطية مستقبلا. ويعد تشكيل التحالف الوطني الديمقراطي خطوة مهمة في هذا الاتجاه. وكما يعتبر الحراك الشبابي خطو اخرى تدعو للتفاؤل مع انه ليس متحررا بشكل كامل من رواسب الانقسامات الدينية والعرقية والإقليمية. كما أن اغلب المتحدثين بالتجرينية لا يوافقون على وجهات النظر المتعلقة بفكرة الرحلة الدائرية. ففكرة وجود ارتريا حرة ومستقلة وديمقراطية لا يمكن ان تتبدل. وعندما يكتمل هذا المشروع يبقى الخيار بعدها للشعب الارتري ان يقرر فيما اذا كان سيعيش في دولة مستقلة ام يدخل في اي شكل من اشكال الوحدة الكونفدرالية مع اثيوبيا او السودان في إطار أوسع.

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No Right Click