ارتريا من الكفاح المسلح إلى الاستقلال - الحلقة السابعة عشر

بقلم الإعلامي الأستاذ: أحمد أبو سعدة - صحفي سوري - صديق الثورة الإرترية

باب المندب: ورجعت إلى بلدي، ولكن بعد فترة عدت إلى كوناكري، ومنها إلى غينيا بيساو ألست ثائراً

ارتريا من الكفاح المسلح الي الاستقلال 2

أقف بآلة التصوير والبندقية والقلم وإلى جانب كل من يطالب بالحرية؟.

وأفيق على صوت أحمد جاسر يقول: جاهز يا أبو سعدة للسفر..!

نعم جاهز يا سيدي على بركة الله!

ومرذت السياسرة في شوارع عدن من شارع إلى آخر، من التواهي إلى خور مكسر إلى الشيخ عثمان وغاصت الشمس في البحر وأنا سأغوص في المجهول إلى ارتريا الساحل.. نعم.. جميل أن يعيش الإنسان المجهول في الواقع، وغطس قرص الشمس الأحمر في المحيط الهندي ليشرق على المحيط الأطلسي، نقطة النهاية تتصل بنقطة البداية، اليوم غربت الشمس ولا بد أن يكون قد غرب معها كثيرون في هذه الحياة، فمتى يأتي غروبي؟ الله وحده يعلم، لماذا كل هذا التشاؤم والخوف!

إني أرى إخوتي اليمنيين على شاطئ البحر، منهم من كان وحيداً ومنهم من كان مع رفيقته يؤانسها أو مع عائلته، هل يحسّون بالغربة كما أحس بها؟

لماذا هذا الإحساس الخاطئ إنني في اليمن في بلد عربي لماذا الخوف وأنا ذاهب إلى أرضٍ عربية، أليست ارتريا بلداً عربياً؟ نحن في سورية ندّرس أولادنا وضمن المنهاج الدراسي نقول: إن أرتريا عربية، وأنا مع بلدي وتوجّهات بلدي شيء من البهجة شعرت به الحمد لله أنا لست في (سايغون) أنا في عدن لست في فيتنام ولا في (دانانغ)، أنا في خليج العرب، عندما كنت في (دانانغ) كنت أعمل من أجل كسب الرزق، أما هنا فأعمل من أجل حرية الإنسان الارتري، هناك في هايفونغ كنت أتحمل الحرارة زائد الرطوبة العالية التي تصل إلى 140% كنت أرى وجوه الفيتناميين تدل على الألم، وكثيراً ما أرى خطين أسودين ينحدران من عيون الأطفال.. خطين أسودين يمتدان من العيون إلى أسفل الذقن.

وهذه الخطوط السوداء على الوجوه رجالاً ونساءً وأطفالاً..! هي نتيجة للبكاء والجوع والحرمان والقتل، كم رأيت وكم صوّرت هذه الوجوه الجميلة، ذات الملمس الحريري، وهي تدمع، ويبكي القلب بصمت.

هل بكى قلب أحدنا بصمت، كان قلبي يبكي بصمت، هذه الدنيا عجيبة والأعجب من العجب ظلم الإنسان للإنسان...! الأمريكي يظلم الفيتنامي، والأثيوبي يظلم الارتري، ونحن العرب تظلمنا دول العالم الاستعمارية كلها، ثم نقوم بظلم بعضنا بعضاً.

إن صاحب العدالة في بداية الإسلام عمر بن الخطاب كان له خطان أسودان من عينيه إلى ذقنه، وكان هذان الخطان خوفاً من الله عز وجل، خوفاً من أن يكون الفاروق قد ظلم أحداً، فكيف له أن يواجه الله..؟ فقد يكون قد أخطأ أو ظلم أحداً، أما خطوط أطفال الفيتنام فمختلفة، إنهم يظلمون - تُقتل أمهاتهم أمامهم، ويقتلون أمام أمهاتهم، و تُحرق قراهم كما شاهدت وصوّرت في الفيتنام، أطفال دون أطفال مقطّعة أوصالهم الروحية ما أصعب الوحدة وما أصعب الفراق..!

والأصعب من هذا وذاك أن تكون غريباً في وطنك..!

هكذا كنت أرى الفيتناميين الجنوبيين يعاملون من القوى الغريبة ذات "الديمقراطية الكافية" فأنا لا أنسى كيف أمنت الشركة التي كنت أعمل بها عليّ بمبلغ بسيط لا يُذكر على أي بند حساب، أما الغربي فالتأمين على حياته يعادل 100 إنسان عربي، كانوا ينسبون أعمالي إلى غيري، وأنا ساكت وعندما أحتج وأقول لهم: أنا أعرّض حياتي للخطر من أجل الحصول على مشاهد حية قوية ومؤئرة فكيف تنسبونها إلى غيري..؟ كان الجواب يأتيني بهذ الشكل:
"صحيح أنك شجاع ومصوّر سينمائي قدير، لكننا لا نريد إذا أحببت أن تستمر هكذا فاستمر وإلا فأنت حر".

وكنت أسكتُ وأشكو أمري إلى الله، وإني أريد العيش، وأريد أن يكون لي بيت، وأريد أن أعلّم أولادي فما العمل..؟ العمل هو السكوت، وإلى متى سوف أسكت..؟ هل أنا جبان كلما صمّتُ أم ماذا؟!!!

إذن كل غربي يساوي عدّداً من العرب، أليست أموالهم هي أموالنا من منتجاتنا و..إني كنت من الأوائل في العمل، كنت معروفاً بشجاعتي وإقدامي، كنت لا أخشى الخوف وأحب مهنتي، أنا أعرف لماذا سمحوا لي بالعمل، لأني منت متميزاً عنهم، وبفارق كبير في العمل، سافرت من بلدي وأنا أحمل آلة تصوير فوتوغرافية نوع كييف ثمنها كان 400/ ل. س وبطاقة طائرتي كانت ذهاباً فقط، وقبلت أن أعود وأعمل مصّوراً فوتوغرافياً، بعد أن تركت التصوير الفوتوغرافي أعواماً طويلة، بعد أن أصبحتُ مصوّراً سينمائياً بل مديراً للتصوير ومخرجاً سينمائياً، ونتيجة لجهودي في العمل الذي كنت أقوم به عدت إلى التصوير السينمائي وأصبحت لي مجموعة فنية خاصة بي، أو كما يسمّونه الصطاف.

إن حياتي أصبحت كلها سكوت، في يوم من الأيام عدتُ إلى بلدي، وقدمتُ صوراً عن حدث هام في إفريقيا، إلى مدير إحدى الصحف في بلدي فقال لي مدير الجريدة: "هذه الصور لا تصلح للنشر" فطار صوابي فذهبت وأعطيتها إلى جريدة الهيرالد تريبيون فنشرتها في الصفحة الأولى، وذكرت بأن مصورها أبو سعدة ومن سورية، إذن عليّ أن أسكت لأني لستُ غريباً (كما أن زمار الحي لا يطرب) وعندما رفضتُ السكوت وطالبتُ بحقي عدتُ إلى بلدي، والحمد لله وشكراً لأجدادنا وآباؤنا وإلى شهداؤنا الذين أعطونا الاستقلال والحرية.

قال لي أحمد جاسر: تفضل يا أبو سعدة.. هذا هو مركبك الذي سيقلك إلى أرتريا عبر البحر الأحمر.

وجدت نفسي عند زورق قديم بال له محرك وشراع ولون الشراع أسود من الوسخ، رأيت هذا على ضوء المصباح، أنزلت عفشي وكان قليلاً، معدات التصوير وبعض الملابس الخفيفة وسألته: كيف سينقلنا هذا السنبوك بحالته هذه؟

وصعدت السنبوك، وتعرّفت على قائده عثمان، هذا هو اسمه، وعلى الحارسين محمود وعبد الوهاب أما مساعد عثمان فكان اسمه شحيم ثم شاب آخر يدعى موسى وهذا يعمل كل شيء من قيادة الزورق إلى الطعام.

وتحرك "الطائر الميمون"، تحرك السنبوك إلى أعماق البحر الأحمر، كل شيء كان الظلام إلا الأنوار القادمة من بعيد، صوت الماء وارتطامه بالزورق، يبعث الرهبة في النفس، ونحن إلى أين؟. إلى جنوب الساحل الارتري، ما شاء الله مرت الثواني والدقائق والخوف يسيّطر عليّ، فنحن لا نملك من وسائل الدفاع غير هاتين البندقيتين، وهما من نوع كلاشنكوف، كل بندقية لها مخزن فقط، أعني في أحسن الأحوال نملك ستين طلقة فقط، وبعدها تصبح هذه البنادق كالعصا.

يا محمود لو هاجمنا الأثيوبيون ماذا تفعل هاتان البندقيتان؟

وردّ ضاحكاً: كويس..

"شوهاد الكويس يا محمود.."؟.

أجابني الحارس: عندما يهاجموننا سوف نتصرف.

وسألت نفسي (كيف سيتصرفون بهذه الطلقات القليلة أم بهذا السنبوك الذي يئن ويعن ويصرخ ويولول. كيف نتصرف؟)،

وصرخ محمود: ألا تعرف السباحة يا أبا سعدة.

نعم أعرف.

إذن سنسبح إذا حصل شيء.

أين نسبح؟! في البحر الأحمر؟!.

على كل سعرنا، بسعر بعضنا.

تمام.

هكذا سمعت من عبدالوهاب نعم.. ولكن هذه اللهجة لم أسمعها من قبل من الارتريين. فعلى ما يبدو أننا سنكون وليمة سهلة لأسماك القرش في البحر الأحمر.
وقال/عبدالوهاب هامساً: "ولك شبك خايف؟"

وضعّت يدي على رأس عبد الوهاب وقلت: بذمتك أين تعلمت هذه اللهجة؟.

أهلين يا أبا سعدة.

كان عبدالوهاب في سورية، واتّبع دورة عسكرية بين النبك وحرستا. وازدادت اطمئناناً، أكثر لأنه يعرف بلدنا سورية وخاصة أني أعرف بأن الارتريين شعب أمين، الساعة الواحدة ليلاً لا نرى شيئاً، لا شيء سوى صوت الزورق وارتطامه بالمياه، وهذا الحفيف الصادر عن ارتطام الزورق بالماء.

يا عثمان! كيف ترى وتوجّه الزورق وسط هذا الظلام الدامس؟

عشرون عاماً وأنا أعمل في البحر، وعلى هذا الخط قبل الثورة، كنت أشتغل بين عدن وجده وعصب ومصوع، أنقل المواد التموينية والكهربائية وما شابه ذلك.

فقلت له: يعني كنت مهرّباً.

وهل نعتبر المواد التموينية تهريباً؟

قلت له أن المهربين يجنون أموالاً طائلة وحتماً أنت غني..

وضحك وقال: إن معظم أهلي يعملون في البحر، وعندما اندلعت الثورة التحقت بها، وعملت على إيصال المؤون والذخيرة عن طريق البحر.

هل أنت دنكلي يا صديقي؟

نعم أنا ارتري.

ألست عربياً؟

نعم الكل عرب، وأنا دنكلي.

وتدخل عبدالوهاب وقال: إنه مناضل جسور واله قتله الأحباش قبل اندلاع الثورة لأن والده كان من المسلمين المتشّددين. ثم استشهد أخوه في الثورة.

وسألت عثمان: هل أنت متزوج؟

نعم.. ولديّ خمسة أولاد. الكبير منهم موجود في الثورة ولم أره منذ أعوام، وقد سمعت أنه موجود في منطقة القاش، أما باقي أولادي فهم موجودون في الخوخة، وهي قرية يمنية قرب الحديدة في اليمن الشمالي سابقاً، وتابع حديثه قائلاً: إن بقية أولادي يتعلمون على حساب الحكومة اليمنية مثل بقية الارتريين المتواجدين في اليمن، وتوقف هنا الحديث نتيجة ارتطام الزورق بجسم غير عادي.. وارتج الزورق بعنف، صدقوني أحسست بأن قلبي قفز من مكانه.

ولكن الزورق تابع طريقه بشكل عادي، صحيح كما يقال أن الليل ستّار فالخوف كاد يفضحني، الوقت يمر بطيئاً، وارتطامات الزورق كثيرة وكما يبدو اعتدت عليها، بعدما عرفت بأن الذي يرتطم بالزورق هو السمك الكبير، حيث أننا كنا نبحر بجانب الشاطئ وقرب الشاطئ، توجد شعب مرجانية، تكون ملعباً لهذا السمك، وزورقنا يرتطم به عندما يكون هذا السمك يمارس تمارينه.

شيء واحد لم أفهمه متى ينام السمك ومخلوقات البحار؟ هذا الشيء كان يدور في ذهني،

وسألني شحيم: كيف حالك؟ أتشرب شاياً؟ واحضر لي كوباً من الشاي، جاء في وقته لأن الطقس بدأ يميل إلى البرودة والهواء يزداد قوة، كنت جالساً في مقدمة الزورق، وبدأ الهواء والبرودة ينسلان إلى جسمي، كم هي عظيمة كأس الشاي هذه، ووقع المحظور وكاد الزورق أن ينقلب، وتدحرجت في سنبوكنا العظيم، وسمعت ضحك رفاقي. انهم يضحكون عليّ .وكيف تدحرجت مع كاسة الشاي، وأنا أحاول أن أتمسك بشيء.

لا يهمك! هذه كأس شاي أخرى!

كم الساعة يا أخوان؟ فأنا من شدة الظلام لا أرى شيئاً.

هذه بطارية لك يا أبو سعدة. وهي تعني المصباح.

نظرت إلى ساعتي وكانت الثانية صباحاً. لماذا لم يخبروني هم بالوقت؟

في الصباح علمت، وأدركت بأن أصحابي، لا يملك أيّ منهم ساعة، إلا موسى وهو كان بعيداً عنا. إن الثورة الارترية لاتعطي راتباً، لأن المقاتل يقاتل من أجل وطنه. فلماذا الراتب؟ المناضل الارتري له ميزات. لايملك شيئاً سوى سلاحه، الذي يعتبره حياته.

إنه يعيش على الكفاف على وجبتيّ طعام بسيطتين، ويشرب الشاي ثلاث مرات في اليوم.الوقت يمر بطيئاً ثقيلاً إلا أن الهواء قد خف، لكن صوت الزورق بدأ يعلو أو هذا ما خيّل إليّ.

وعلى هذه الوتيرة استمرت رحلتنا والتي امتدّت إلى خمس ليالٍ، نتحرك في الليل ونرتاح في النهار وسط الخلجان الصغيرة، أو بالأحرى نختبئ في النهار خوفاً من عملاء أثيوبيا، وما أكثر العملاء في تلك الفترة وفي الليلة السادسة قطعنا باب المندب واستغرقت ليلة واحدة، قطعنا هذا الممر الذي اجتازه أجدادنا وآباؤنا إنه أصغر نقطة للوصول إلى البر الارتري، وسرحتُ بخيالي إلى الماضي. كنت بعيداً جداً عن الخوف.

عاد الهدوء والثقة إلى نفسي بعد الليالي السابقة، و سألت (كيف وصل أجدادنا إلى هنا؟ إلى هذا الساحل الذي نقصده؟) نعم وصل آباؤنا إلى هذا الساحل ودخلوا إلى عمق البلاد وإذا عدنا إلى التاريخ نجد باب المندب كان أقدم الأبواب التي دخلها العرب في هجرتهم إلى أفريقيا، وأجدادنا لم يطلقوا عليه هذا الاسم إلا لأنه المدخل إلى القارة السوداء، إن العرب هم أول من عرف الموانئ الواقعة على الشاطئ الغربي للبحر الأحمر "سواكن، مصوع، بربرة، مقاديشو، زنجبار، دار السلام" من أعالي تنزانيا حتى موزمبيق، جميع هذه المناطق كانت هامة للحضارة العربية الإسلامية، فقبيلة اجعازيان هي أقدم من هاجر إلى الشواطئ الارترية، وهي قبيلة السبأية حطت رحالها فوق هضبة ارتريا وهضبة الحبشة، وكانت تحمل معها الحضارة متمثلة باللغة المكتوبة بالإضافة إلى فنونهم ومهارتهم بالزراعة، والنحت وبناء السدود التي اشتهروا بها، وما سد مآرب التاريخي إلا شاهداً على براعتهم، وتعتبر الجزئية أقدم لغة سامية في شمال شرق أفريقيا وكان الذين يتحدثون بالجئز يُطلق عليهم اسم اجاعازيا وقد تأثرت منذ القدم بحضارة الجنوب العربي، ودونت تراثها باللغة واللهجة الجديدة التي وفدت إليها مع هذه القبائل وقبل شيوع الحروف السبئية لم يكن للسكان اي لغة مكتوبة والجئزية هي أقدم اللغات وأبعدها انتشاراً في المجتمع، إلا أن اللهجات الحامية والكوشية المحلية ما لبثت أن تغلبت عليها، مع مرور الأيام اندثرت لتحل مكانها لغتان جنوبيتان أخريان، اشتقتا منها وهي التجري والتجرينية وبإندثار الجئزية كلغة تفاهم وكتابة بقي استعمالها شائعاً في الطقوس الدينية واللغة الأمهرية وهي لغة سامية كوشية والتجرينية تكتب حتى اليوم بالحرف السبئي.

ستة أيام نبحر في الليل ونستريح في النهار، لا شيء يزعج غير صوت الزورق، كثيراً ما كانت تصادفنا سفن كبيرة لكنها بعيدة. أما الزوارق الصغيرة فكانت تمر أمامنا عندها كنت أختبئ حتى لا يقال أين يمضي هذا الأبيض؟ ولصالح من يعمل؟ علمنا بأن كثيراً من عمليات التهريب تتم ما بين اليمن ارتريا والسعودية وجيبوتي كنا نصطاد السمك ونستمتع به، إن أسماك البحر الأحمر لها نكهة خاصة، وفي صباح اليوم السادس حط بنا الزورق على الشاطئ وسألت الرفاق: أين أخواننا الثوار؟

لم أجد حولي سوى الرمل والسنبوك، وأعدت السؤال مرة ثانية.. أين المفاتلين؟ إني لا أرى غير الابحر والرمال، أجابني عبد الوهاب اصبر قليلاً يا أبو سعدة، وذهب ومعه أحد الأخوان، وبقيت معنا بندقية واحدة.

تساءلت (هل تورّطت في هذه الرحلة)؟ وما عليّ سوى السكوت والانتظار. ومرت الدقائق والساعات، ونحن بإنتظار. لا شيئ أسوأ من الحر ولا أعلم كم وصلت درجات الحرارة.

لكني أعتقد أنها كانت أكثر من مائة كما خيّل إليّ، لا أستطيع أن أصف كيف كان الوضع، لكنني سأحاول.

أولاً: الفراغ رفاقي لا يتكلمون إلا عندما تخاطبهم أو يخاطبونك عند الضرورة.

ثانياً: لو هاجمنا الأحباش أو اللصوص والمهربون ماذا سيكون مصيرنا؟ أعتقد أن هذه المنطقة مهجورة، انتصف النهار وارتفعت درجات الحرارة، كنت أتفيأ بظل الزورق فبإنتصاف النهار لم يبق ظل ولا ما يحزنون.

الزمن يمر بطيئاً قاتلاً وأنا أنظر إلى الأفق البعيد واساءل (لماذا جئت)؟ وأقسم لنفسي (والله لن أقدم على رحلة كهذه مطلقاً) كل مرة أقول هذا الكلام ثم أعود. أين هواء البحر؟ إني أتنفس بصعوبة. جسمي توقّف عن التعرق، فقدت كل الماء من جسمي من شدة الحرارة. طوال اليوم لم أتناول أي طعام، هكذا كان يومي الأول، على الشاطئ الارتري وفي منطقة (تُدعى بوري) بعد الترقب الطويل أقبل صاحبانا ومعهما شخص شخص شخص ثالث. الوقت غروب وهواء البحر بدأ يأتي بخيراته، والموج يزحف ليتجاوز الزورق ثم يعود.

بدأت الحالة تتحسّن بل انفرجت من كل الجوانب. مسؤول المنطقة أتى ويُدعى كفلي وعبدالوهاب ورفيقنا الحارس وهواء البحر بدأ يهّب علينا وأصبحت الحالة مقبولة على مضض، الشاي كان ضيافتنا للرفيق كفلي.

كيفك يا أبا سعدة؟

قالها بلهجة عربية ركيكة.

وكيف سورية ورفاقنا؟

هذه الأحاديث وما شابهها هي التي كانت تدور بيننا.

وجاء دوري بالسؤال: أين جيش التحرير.

أجاب كفليقريباً ستراه.

وكيف ومتى نبدأ الرحيل؟

الليلة!.

الى اللقاء... فى الحلقة القادمة

Top
X

Right Click

No Right Click