الزعيم الوطني عثمان صالح سبي رحل في مثل هذا اليوم عام ١٩٨٧م

بقلم الأستاذ: ود عد - كاتب وناشط سياسي إرتري

ولد عثمان صالح سبي رحمه الله في قرية حرقيقو عام ١٩٣١م. والتـحق بمدرسة حرقيـقو التـي اسسها

المحسن الكبير صالح باشـا أحـمد كيكيا رحمه الله سنة ١٩٤٤م على حسابه ودرس عثمان في مدرسة حرقيقو المرحلتين الأولية والمتوسطة.على نفقة الباشا صالح كيكيا ثم درس المرحـلة الثـانوية في اديس ابابا والتحق بكلية المعلمين بأديس أيضا وأتم بها الدراسة.

وأثناء دراسته في أديس أبابا تعرف سبي على الكثيـرين من أبـناء القـوميات المقـهـورة المهمشة في أثيوبيا مثل الأورومو والهرريين والصومالييـن وغـيرهم. وبالتعـاون معا قاموا بتأسـيس "جمعية العروة الوثقى هناك" للدفاع عن حقوقهم. وكتبوا عهداً وميثاقاً بدمائهم، تضمن مبادئهم التي سيدافعون عنها.

وعند عودته من أديس أبابا تم تعيـين عثمان سبي مدرسا بالمدرسة التي درس بها المرحلتين الاولية والمتوسطة وفي مطلع الخمسينات من القرن الماضي صار عثمان مديراً لنفس المدرسة.

ترك سبي المدرسة والتدريس وعمل مديرا لمدة عام تقريبا في شركة سفن رايز وهي شركة أجنبية كانت تعمل في مجال استيراد وتصدير البضائع عبر ميناء عصب ثم ترك العمل في تلك الشركة وانتقل الى اليمن ومنها انتقل الى جدة ثم إلى عاصمة الصومال مقديشيو في العام ١٩٦٠ وأسس بها جمعية الصداقة الصومالية الإرترية والتقى في الصومال بالمرحوم ادريس محمد ادم وقويت علاقتهما وحصلا معاً على جوازي سفر دبلوماسي وكانا أول جوازات دبلوماسية تمنحها الحكومة الصومالية للإرتريين وبدأ الرجلين هناك الإعداد لتأسيس جبهة التحرير الإريترية التي وضعت الشعب الإرتري برمته أمام تاريخ جديد من البطولات، اتجه عثمان سبي من الصومال إلى السعودية ومصر حيث التقى بالفعاليات الإرترية وكانت القاهرة قبل وصوله تشهد حركة سياسية نشطة للطلاب والمقيميين الإرتريين والتي انبثق منها البيان الأول لإعلان ميلاد ثورة شعبية مسلحة لتحرير إرتريا سميت بجبهة التحرير الإرترية وذلك في نوفمبر 1960م وتم تكوين مجلس أعلى لقيادة الجبهة بقيادة إدريس محمد آدم، وإدريس عثمان قلايدوس سكرتيراً عاماً وعثمان صالح سبي مسئولاً للعلاقات الخارجية وشئون الثورة وبهذا تأسست أول مؤسسة سياسية إرترية تتبنى الكفاح المسلح طريقاً للاستقلال وقد اعلن القائد البطل حامد ادريس عواتي شرارة الكفاح المسلح في صبيحة يوم الجمعة 21 ربيع الأول 1381هـ الموافق الأول من سبتمبر 1961م و رغم انه ليس معلوما بين الناس من الذي مول المجاهد حامد عواتي ورفاقه السبعة لاطلاق شرارة الكفاح المسلح للشعب الأريتري، الا ان الروايات تؤكد أن السلاح وصل إلي عواتي ورفاقه من المرحومين إدريس محمد آدم وعثمان صالح سبي، غفر الله لهما.

حيث يروي المجاهد محمد شيخ فرس، قصة السلاح الذي وصل الى عواتي ورفاقه من سبي وادريس محمد ادم.

يقول محمد شيخ فرس مكثت حوالي ثلاثة أشهر في عدن، وبعدها حضر ادريس وعثمان، وقابلني عثمان وشرح لي كل التفاصيل الهامة وأخبرني بعزمهما التوجه إلى الصومال ومنها إلى العراق لاستلام أسلحة من الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم، واحضار هذه الأسلحة إلى عدن، لأقوم أنا بنقلها إلى أرتريا بالبحر. وكنت بانتظارهما ولكن عا دا بدون سلاح وفي هذا الوقت كانت مع عثمان رسالة من المناضل حامد ادريس عواتي، يطلب فيها المدد الفوري، وكان عثمان، قد وعد عواتي بناء على وعد الرئيس العراقي. وطلب مني عثمان ايجاد حل بصفتي لدي معارف في عدن، وكذلك كان يعلم ان لدي حسابا في البنك الهندي في عدن، فطلب مني شراء السلاح من مالي الخاص حتى لا يتعرض لإحراج القيادة العسكرية، وأتفقت مع عثمان على شراء السلاح مناصفة، أدفع أنا جزءاً، ويتحمل هو الجزء الباقي، والجزء الذي كان يجب أن يدفعه عثمان، دفعه صديقي..، وذلك بكفالتي على أن يسدد له عثمان فيما بعد. وبعد الاتفاق اتجهنا ليلاً إلى محمية دار سعد (ودار سعد حي من احيا الشيخ عثمان بعدن) وكان معي ادريس محمد آدم، وعثمان سبي والوسيط، وقمنا بفحص الأسلحة. وبعد التأكد من صلاحيتها أشترينا خمس بنادق من طراز أبو عشرة ماركة 4 وخمسة آلاف رصاصة. وأبدى ادريس محمد آدم رغبته في نقل السلاح لأنه كان يملك جواز دبلوماسيا فحمل السلاح في حقيبته الدبلوماسية، وبقي معي عثمان وطلب الا يسافر خالي اليدين، فأشتريت من جيبي الخاص(7) مسدسات ومع كل مسدس(42) رصاصة". وبعد سبعة أشهر من شراء هذا السلاح تمكنت الثورة المسلحة بقيادة المجاهد حامد إدريس عواتي من تصعيد النضال المسلح في داخل أرتريا. وتحرك سبي بعد اعلان الكفاح المسلح بين عدن ودمشق وبيروت لتحقيق هدفين الأول الحصول على الدعم السياسي والعسكري، والثاني المجال الإعلامي وأستقر سبي في محطة بيروت، التي شهدت المحاولة الثانية بشراء مسدسات وقنابل يدوية في رؤية أستراتيجية للمرحوم عثمان سبي للتعريف بالقضية الأريترية إعلامياً وانشئت منظمة العقاب الأرترية لمعاقبة المحتل بخطف طائراته التي كانت تشكل عمود اقتصادياً إذا تم تدميره، فإن الخسارة المادية ستكون أكبر من الصدمة النفسية عندما يقهر أمن الأمبراطور الأثيوبي القوي بعجزه عن حماية طائرته. وكانت لعملية تفجير طائرة الركاب الأثيوبية من طراز بوينج 707 في مطار فرانكفورت بألمانيا الغربية ضجة إعلامية هوت بالكيان الأثيوبي وبلغت الخسائر ما يعادل 15 مليون دولار اثيوبي وقتها استطاع الزعيم سبي رحمه الله ورفاقه أن يحولوا مسيرة جبهة التحرير الإرترية من العمل العسكري فقط إلى ثورة شاملة وانشؤوا شبه حكومة تمثل دولة مستقلة بكل أركانها حيث كانت تمتلك شبه الحكومة هذه جيشاً حديثاً لديه من الأسلحة الحديثة ما لم يتوفر لبعض الدول وهيمنت الثوار على الريف الإرتري بالكامل بل وفي بعض المراحل هيمن الثوار على أغلب المدن كما صار لشبه الحكومة هذه أجهزة منظمة تعنى بكل متطلبات الحياة من تعليم وصحة وشؤون اجتماعية ورعاية أسر المقاتلين وجهاز قضاء وأمن وتوفير تسهيلات فرص العمل والإقامة للإرتريين بالخارج لا سيما الدول العربية والتمثيل في المنظمات الشعبية من اتحادات نقابية في كل المجالات في أغلب المحافل النقابية الدولية وكل المحافل العربية.

واصل سبي مساعيه من اجل القضية الاريترية فكون علاقات متينة مع زعماء مؤثرين من دول العالم عامة وزعماء الدول العـربية خاصة فتمكن من الحصول على الاعتراف بالثورة من منظمات إقليمية ودولية مثل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي 1981.

جهود سبي في التعليم:

قام سبي رحمه الله بتأسيس جهاز التعليم الارتري عام 1976 خدمة للاجئين الارتريين ونشر العلم والمعرفة في وسطهم ومن ثمار جهاز التعليم الذي انشاءه سبي رحمه الله أجيال ممن تلقو التعليم والثقافة العربية في معظم معسكرات اللاجئين الارتريين في شرق السودان.

وتمكن كذلك من خلال الجهاز من إرسال المئات إن لم يكن الآلآف من الطلاب الارتريين الي مختلف دول العالم وخاصة الدول العربية لتلقي العلم والمعرفة وكان سبي رحمه الله مهتماً بالتعليم منذ أن كان أستاذا ومديراً بمدرسة كيكيا باشا في حرقيقو ولان فرص التعليم في إرتريا كانت حينها شبه معدومة نتيجة السياسة الأثيوبية الرعناء شرع سبي في تهريب بعض طلابه من قرية حرقيقو إلى مصر. وكان يبعث بهؤلاء الطلاب إلى السودان سراً، حيث يقوم الأخوان المسلمون باستقبالهم في السودان وتسهيل مواصلة سفرهم إلى مصر من أجل التعليم.

كتبه:

كان عثمان صالح سبي رحمه الله أحد المثقفين في الثورة الارترية فبجانب كونه عرف بالذكاء والمقدرة في الحوار فإنه أيضاً عرف باهتمامه بالتأليف والترجمة والطبع والنشر وتشجيع مختلف البحوث في الجوانب المختلفة لإريتريا وقد أَعتبر مؤلفه (تأريخ إرتريا) من أهم الكتب عن تأريخ اريتريا بالإضافة الي أربعة مؤلفات أخرى قيمة لا تقل اهمية من تاريخ ارتريا وهي:ـ

(جغرافيا اريتريا) و(علاقة السودان بإثيوبيا عبر التأريخ) و(الصراع في حوض البحر الأحمر عبر التأريخ) و(جذور الخلافات الاريترية وطرق معالجتها).هذا بالإضافة الي عشرات الدراسات والمقالات التي كتبها المرحوم عثمان سبي في مختلف الصحف والمجلات الاريترية والعربية والعالمية. فغرس في الوجدان الأريتري أهمية العلم والمعرفة رحمه الله.

من أقواله في الصحف والمجلات:

ان حل الخلافات الإرترية يكمن في الاعتراف الصريح بواقع التكوين السكاني المتعدد الأديان والثقافة واللهجات، ليس لتكريس التعدد، فالذي بنشد الوحدة لا يدعوا إلى التعدد، وانما يفتش عن الدواء المناسب بعد معرفة الداء فالطبيب لايبحث عن العلة لذاتها وانما لمعالجتها معالجتة صحيحة "انا ديمقراطي وليبرالي اؤمن بضرورة تعدد الاراء والأحزاب لصالح التطور الطبيعي للمجتمع، خصومي هم خصوم هذه الأفكار الذين يؤمنون بالقمع والدكتاتورية عروبتنا في إرتريا هي مصيبتنا ولكننا قابلون بها ولانرضى عنها بديلا نعتقد ان مسالة العروبه في إرتريا هي الاساس لانه لولاها لما كانت حاجة للثورة اصلا".

ان إرتريا المستقلة في ذلك الموقع الاستراتيجي الهام، وهي مع العرب اليوم وغدا والى الابد سوف يكون لها دورهام في الشد على عنق العدو الصهيوني والمساهمة في خنقه.

ان الثقافة العربية والإسلامية في إرتريا والقرن الأفريقي هي ثقافة مؤسسة منذ أكثر من الف عام في هذه المنطقة وليست جديدة بل عميقة الجذور.

في أحد زياراتنا إلى روما سألونا الطليان مره: ماذا يعطيكم اليسار العربي ؟

قلنا الفتات قالوا ماذا يعطيكم اليمين العربي قلنا لا أكثر من اليسار فقالوا لماذا تصرون على التعامل مع العرب ؟

لماذا لا تتفاهمون مع إسرائيل ؟

قلنا لهم نفضل التعامل مع العرب لاننا عرب، فلا حاجز بيننا وبين الإثيوبيين سوى الثقافة.. اننا ننتمي إلى حضارة مختلفة وقد حارب الأحباش التعريب الف سنة.

وفاته:

قبيل وفاته أجريت لعثمان سبي في القاهرة عملية في "الجيوب الأنفية وأمضي في العناية المركزة ثلاثة أيام ورحل عن دنيانا بتاريخ ١٩٨٧/٤/٤م في مدينة القاهرة ودفن بتأريخ ١٩٨٧/٤/٦م في مقابر السيد المحجوب بخرطوم بحري وودعته الجالية الارترية المقيمة في الخرطوم آن ذاك في موكب مهيب شاركت فيه قيادات الأحزاب السودانية وقادة الفصائل الاريترية وقيادات المنظمات المهنية السودانية وشخصيات عديدة رحم الله عثمان صالح سبي رحمة واسعة بقدر ما قدم لشعبه وقضيته واسكنه في العليين.

Top
X

Right Click

No Right Click