المختطاف الأستاذ/ ادريس محمد سعيد عبدالله

بقلم الأستاذة: أسماء إدريس محمد سعيد

٢٢ عاما وأحداث كبيرة داخل الأسرة بغياب أبي المعتقل الأستاذ/ إدريس محمد سعيد عبد الله:

إدريس محمد سعيد عبداللهعقدين ونيف في الظلام تحت أقبية الزنازين يقضيها أبي مظلوما يشتكي إلى الله غدر ساجينه، ونحن نشتكي طيلة تلك المدة عدم معرفتنا بمكان اعتقاله وزملائه المعلمين والعلماء، فلا نحن نعلم سبب تغييبه عنا ولا حالته القانونية والصحية وحتى حياته أو وفاته، ولا هو يعلم بمصير ابنه الذي ولد بعد اعتقاله أو والديه الذين توفيا وهما يمنيان نفسيهما بنظرة إليه.

ما بعد الاعتقال:

فقد شاءت إرادة الله ألا تكتحل عين أبي برؤية أخي (جعفر)، الذي يستعد الآن لامتحان الثانوية العامة، وقد تركه في بطن أمه ليولد بعد شهر تقريبا من الاعتقال الهمجي ليلة الإثنين 1994/12/24، فقد كبر أخي الذي يصغرني وأُختَيَّ صفية وزينب دون حضن الوالد، وقبل اعتقال أبي بسنتين كان قد غُيب عنا خالي (الأستاذ: عبد العليم محمد علي زرؤوم)، الذي توفيت والدته أيضا بعد 5 سنوات من غيابه، وحتى تزداد معاناتنا تفاجأنا بصدمة كبرى وهي اعتقال خالي الآخر (الأستاذ: عبد العزيز) عام 2009، وكم جدد تغييبه عنا مرارات الفقد الحرمان ولكن الحمد لله على كل حال.

فقد غُيب عنا والدنا مبكرا ونحن أحوج ما نكون إليه في هذه المدة المتطاولة، التي شهدت وفاة جدي الذي تركه أبي وهو مقعدا مشلولا في فراش الموت، حيث لم يلبث بعده الا ثلاث سنوات ثم توفاه الله الى رحمته، وأيضا توفيت بعد ذلك بقليل والدته (جدتي زينب) التي تلقت ضربة قاسية من الجند لحظة الاعتقال رغم ضعفها، كما تم في غياب أبي زواجي وقبله زواجي أختي صفية والتحاق أختي زينب بالجامعة، ومن قبل هذا كله زواج عمي وعمتي وحاجة اخوته الثلاثة واخواته الأربع إليه كثيرا. كل هذه الأحداث داخل أسرتنا الصغيرة والكبيرة لا يدري عنها أبي شيئا، وقد زاد من معاناتنا أيضا مرض والدتي متعها الله بالعافية وجزاها خير الجزاء على صبرها كثيرا، هي ومثيلاتها الصابرات من زوجات المعتقلين ظلما وزورا.

النشأة والتعليم:

كان مولد أبي سنة 1949 في (عولي رييم)، تلك القرية الوادعة بين التلال والوديان في منطقة (وادي لبكا)، كما ترعرع في منطقة عنسبا بقرية (قام) التي تعلم القرآن في كتاتيبها أولا على يد الشيخ محمد عمر عافة، وثانيا على يد الشيخ محمد بابور عندما انتقلت الأسرة الى مدينة كرن، ليلتحق طالبا نظاميا بالمعهد الديني الإسلامي، ويكمل المرحلة الابتدائية فالمتوسطة عام 1977م، ثم سافر الى السعودية لإكمال المرحلة الثانوية ودراسة الجامعة، ليتخرج من كلية الحديث بدرجة الامتياز ثم يعود بعد إكمال دراسته إلى وطنه ارتريا حاملا معه العلم الشرعي والعقل الواعي بهموم أهله، ويبني قطعة الأرض التي يملكها والده -رحمه الله، حيث كان جدي يعمل موظفا حكوميا لدى بلدية كرن.

العمل والدعوة:

بعد عودة أبي من السعودية عمل كمعلم ونائب للمدير في المعهد الديني الإسلامي بكرن حتى عام 1990،كما عمل معلما متطوعا بمعهد الإرشاد الإسلامي للبنات، وذلك قبل انتقاله إلى التدريس بمعهد عنسبا الإسلامي، وبجانب عمله في المعهد كان يقوم بالوعظ والإرشاد والدعوة الي الله في القرى والمدن، في عام 1988 تعرض لحادث انفجار لغم أرضي اثناء سفره من كرن الى أفعبت، لإلقاء محاضرة وبرفقته أحد أقاربه من الدعاة الكبار (الأستاذ علي نور عثمان) الذي توفي مباشرة في لحظة الحادث عليه رحمة الله، وقد تسبب الحادث لأبي بكسر في رجله اليمنى وكان متأثرا جدا بموت رفيقه، وبعد فترة من محاولات العلاج لم يمنعه تماثله للشفاء من الاستمرار في نشر العلم، فكان مقصدا لطلاب العلم الشرعي فيقيم في بيته حلقات الدروس، وأيضا كانت لديه حلقات العلم المنتظمة في المسجد العتيق لمدينة كرن، كما كان إماما في مسجد الحي الذي يقيم فيه والمعروف بدار السلام (بتًّريت سابقا) الذي كان يؤُمَّه الناس من أماكن بعيدة، ليشهدوا صلاة التراويح والقيام بجزء كامل حيث كانت غير مألوفة، حتى يختموا القرآن بصوته الندي مع نهاية شهر رمضان المبارك.

ليلة الاعتقال:

كنا نعيش في سعادة غامرة بتدليل والدنا وملاعبته إيانا، حتى أنه كان ينشد لكل واحدة بأنشودة خاصة بها، كان نعم الأب حُرمنا منه ونحن 3 زهرات صغيرات والرابع في البطن، ففي ليلة من ليالينا الجميلة لم نكن ندري أنها آخر وجبة عشاء نتناولها مع الوالد الرؤوم، فحين خلدنا إلى النوم إذا بمجموعة تتسلق سور منزلنا، عصابة ﻻ تعرف معنى الإنسانية ناهيك أن تكون حكومة، لم نفق إلا مفزوعين بصوت عمتي ينادي: إدريس... إدريس... خذ ملابسك هنالك من يريدك، وجدتي تواجه الجند قائلة: ماذا تريدون من ابني... دعونا وشأننا... لو أنتم حكومة تعالوا في الصباح، فإذا بهم يدفعونها ويدخلون إلى حجرتنا ليأخذوا أبي من أمام عيني وأختَيَّ الصغيرتين لنشاهد الحدث الفظيع الذي سرق منا طفولتنا، لم يرحمونا ولم يرحموا أمي التي كانت حاملا في شهرها التاسع، فأنا لا استطيع نسيان ذلك المنظر عندما كان الجند يسحبوا والدي من جهة وأمي وجدتي وكل العائلة من جهة أخرى، وجدي المشلول - رحمه الله - داخل غرفته ينادي ماذا هناك ؟ ماذا يُراد لولدي ؟... ولما انكب الجميع على أبي رأيت الجند ينهلون بالضرب على الجميع، وجدتي التي رفضت أن تفلت يدي أبي كان لها النصيب الأكبر من الضرب، فعلا لا يمكنني أن أنسى شكل أمي الحبيبة وهي حامل تحاول حجب تلك المناظر عنا، ولكن الأسوأ من هذا كله... أن ما بقي خالدا في ذاكرتي عن أبي هو مشهد اعتقاله فقط، فكلما أحاول أن أتذكر عن أبي شيئا سرعان ما تأتي أحداث تلك الليلة، فتسيطر على مخيلتي وحشية الجند وقسوتهم مع الضعفاء والنساء والأطفال، فهم لم يسرقوا منا أبينا فحسب بل سرقوا منا كل اللحظات الجميلة التي قضيناها معه.. حسبنا الله ونعم الوكيل.

Top
X

Right Click

No Right Click