ارتريا من الكفاح المسلح إلى الاستقلال - الحلقة الخامسة والثلاثون

بقلم الإعلامي الأستاذ: أحمد أبو سعدة - صحفي سوري - صديق الثورة الإرترية

نعود إلى مؤتمر قوات التحرير الشعبية، فالمؤتمرون تعلوا أصواتهم، وتنخفض ويستمر النقاش

ارتريا من الكفاح المسلح الي الاستقلال 2

لمدة ثمانية أيام. وبعد أن أنهى المؤتمر أعماله، أقرّ توصياته وقراراته التي كانت معّدة سلفاً.

وأورد لكم بعضاً من هذه القرارات والتوصيات:

أقر المؤتمر أن علاقات أرتريا بالوطن العربي، تقوم على أسس جغرافية وتاريخية وحضارية وروحية، والتي تعبّر عن ارتباط أرتريا بالأمة العربية ارتباطاً استراتيجياً ومصيرياً ويكون شعار قوات التحرير / الوحدة الوطنية والبناء والتقدم، ثم اعتبر المؤتمر اللغتين العربية والتجرينية لغتين رسميتين، وأشاد بدعم البلدان العربية، وخصّ سورية البلد العربي الأول الذي قدّم دعماً عسكرياً للثورة، كما دان المؤتمر السلطات العسكرية الأثيوبية التي أعطت تسهيلات وقواعد انطلاق عدوانية لإسرائيل في الجزر والشواطئ، وقرارات وتوصيات أخرى، وقد انتخب المؤتمر مجلساً مركزياً مؤلفاً من 27 مناضلاً، ثم تمّ انتخاب تسعة أعضاء يمثلون اللجنة التنفيذية، على أن يكون رئيس المجلس هو رئيس اللجنة التنفيذية، وطبعاً كان هذا من نصيب الأخ عثمان صالح سبي.

ودّعت الأخ عثمان وعدداً من رفاقه وسافرت إلى الخرطوم ومنها إلى عدن، لأنني أود العودة إلى ارتريا عبر باب المندب.

المؤتمر الثالث لجبهة التحرير الأرترية:

في شهر كانون الأول من عام 1983 اتصل بي الأخ صالح اياي وقال وبعد أيام سوف نغادر دمشق إلى ارتريا لحضور المؤتمر الوطني الثالث.

قلت له: (أين سيعقد المؤتمر؟ وهل بقي أرض ينعقد عليها؟).

قال لي: سوف ترى بعينك!

وكان قد مضى عليّ شهران منذ عدت من ارتريا، هل بقي لي أو لغيري مكان نعبر من خلاله إلى ارتريا؟ كما عبرنا سابقاً من البر السوداني أو عن طريق البحر.

لم يعد هناك لواء محمود: أو غيرها من الأصدقاء لكي يستقبلونا كما كان يستقبلني من قبل؟ هل ما زالت الوجوه السودانية تحترمني
كما احترمتها وأحببتها؟

كنت خجلاً من نفسي (أين الجبهة؟ أين المقاتلون؟ وهل بقيت هناك أرض محرّرة؟ هل خجلت قيادة الجبهة كما خجلت أنا؟ أين سيقيمون مؤتمراتهم؟) كثيراً ما ترددتُ في الذهاب دون أن أفصح عما في نفسي من ألم وخاصة أني كنت أرى وأراقب واسمع ما يدور علناً وخفية.

لم أكن أعلم ولا أعرف: (هل أجيب صديقي صالح أم لا..؟) وكنت قد اتفقت واياه على مبدأ واحد وهو (إما أن أكون معه أو يكون معي. هكذا تعاهدنا. وإنني أسأل صالحاً اليوم (من الذي نكث بعهد الآخر)؟.

كان البريق يضيئ جبل قايون والمنازل المحيطة به وأنا انظر إليها من نافذة منزلي. كيف أن هذا الرعد وهذه الأمطار لا تؤثر بها. وتذكرت بداياتي في التلفزيون كيف كنا نصعد يومياً إلى جبل قاسيون، حيث كان نت الأستديوهات هناك مع أجهزة البث وكان التلفاز يبث يومياً من 8-10 ساعات يومياً، كم كنا سعداء بهذا العمل المميز، إنه عشقي إنه حبي.

الأمطار تهطل تهطل بشدة. ومن كان يعيش في دمشق يتذكر شهر كانون الأول عام 1983 وما حصل في تلك الليالي البارقة الراعدة الممطرة، جرس الهاتف هو الذي أيقظني من تأملاتي وذكرياتي، وكان صوت عمر سليمان مسؤول الجبهة في دمشق.

قال لي (بعد قليل سنكون عندك) وكالعادة تركت أولادي نائمين، أما زوجتي فكانت مستيقظة وقالت لي (لماذا لا تؤجلون سفركم لغد أو بعد غد؟ ألا ترى هذا الطقس وهذه العاصفة)؟ ودّعتها وقلت لها انتبهي للأولاد، وقد اعتادت زوجتي على سفري المفاجئ والطويل، وسافرنا بالطائرة السورية إلى جدة كنت أنا وصالح اياي وعمر سليمان وعمر عليم وهذا سمى نفسه مديراً لوكالة الأنباء الارترية، كما رافقنا الأخ السوداني ادريس عوض عبدالكريم وهو ملتزم بالجبهة سابقاً، كما انه أديب وشاعر وهو الآن يعيش في اسمرا في كنف الحكومة الارترية (الجبهة الشعبية). وبتنا ليلتنا في جدة، وفي اليوم التالي سافرنا إلى السودان وفي الخرطوم افترقنا.

وذهب صالح اياي وعمر سليمان. إلى أصدقائهما، أما أنا فقد أردت الذهاب إلى فندقي القديم في السوق العربي فندق الخليل، إلا أن مدير الوكالة السيد عمر عليم قال: لا.. أنا لا أنام في أماكن شعبية، وسوف أذهب إلى قصر الصداقة وقلت له بلهجة لا تخلو من سخرية: يا عليم!. أنت ولدت وفي فمك ملعقة من ذهب، ومن سيدفع لنا؟

امش.. وغداً سيأتون ويدفعون لنا.

أتعلم يا عليم كم سعر المبيت هناك؟

نعم أعرف.. 120 دولاراً.

وذهبت مع عمر عليم وادريس عوض عبدالكريم وفي الطريق قلت لأدريس: لماذا لا تذهب إلى منزلك..؟

منزلي بعيد عن الخرطوم، والوقت قد تأخر، فلا أجد مواصلات إلى منطقتنا.

وأين بيتكم؟

إنه في الكلاكلا وهي منطقة بعيدة عن الخرطوم.

وفي قصر الصداقة قام عليم افندي بحجز ثلاث غرف، واحدة له وواحدة لأدريس، وواحدة لي، كان يعرفه كان من كان يعمل في فندق الصداقة، وينادونه بالاستاذ عليم.
قلت له: والله أنت شخصية هامة وأنا لا أعرف!

كان لا يستطيع أن يجيبني بحرف واحد، طوال معرفتنا، بعضنا ببعض. ومهما أثقلت عليه فهو لا يردّ لأني، أعرف أعماله ونواياه. لم يفعل شيئاً طوال وجوده، في الجبهة سوى البذخ.

أقمنا في قصر الصداقة (برعاية عليم)، وفي الصباح جاء صالح واصطحب ادريس إلى منزله، وكان ادريس غائباً فترة طويلة، ثم كان على ادريس بعض الإشكال من الحكومة السودانية، ذهب وبقيت في الفندق اسرح وأمرح.

نعم.. هذا ما كان وفي اليوم ذاته غادرت الخرطوم إلى كسلا ومنها إلى ارتريا، وغادرت بطريقة غير نظامية عن طريق ما يسمى في السودان البطانة أي أقرب ما يكون إلى البادية، لأني لم أستطع الحصول على تصريح من الأمن السوداني. فقد منعت السلطات كل السوريين الذين يودون حضور المؤتمر في ارتريا. حيث كان هناك وفد من سورية.

البطانة هي الريف السوداني الطيب المعطاء، وكنا قد استأجرنا سيارة تشبه اللند روفر مغطاة بشادر، وتدعى (البوكس) استأجرناها بحوالي ألفي جنيه سوداني، وهو مبلغ كبير.

استغرق اطريق ثلاث ليالٍ كنت أنا وادريس عوض عبدالكريم وعمر عليم والسائق ومعاونه. ذهبتُ تهريباً وقد اعتدّت على هذه الطريقة، عندما أعود يناديني الأمن السوداني ويشتمونني ويحجزونني عدة ساعات ثم يطلقون سراحي شغلة بسيطة وقد اعتدت عليها، إن السودانيين شعب طيب وكريم ويحبون أشقائهم العرب، وبالتالي فأنا لا أعمل شيئاً رديئاً.

كان المفروض أن نقطع الطريق بليلة ونصف لكن فهلوية ونباهة عليم افندي هي التي طوّلت علينا الطريق فهو رجل دعي ويقول أنه يعرف كل شيء، حتى الطرقات فإنه يعرفها، فقد طلب من السائق أن يسلك طريقاً غير الذي سلكه على اعتبار أنه أقصر فضعنا في الطريق وضياعنا هذا أخذ ليلة ونصف أخرى، وفي الليل كنا ننام على الأرض. أما عمر فكان ينام في السيارة، في الليلة الأخيرة وجدنا فرناً منعزلاً عن القرية، فنمنا أنا وباقي الرفاق فيه، أما عليم فقد بقي ساهراً لأنه لا ينام في هذه الأماكن.

والله رأيت العجب، في كثير من الأفراد الذين يتصرفون على هواهم، وكما يقول المثل الشعبي (الحلوة لي والحامضة لك) وما أكثر العليمين الذي ساهموا في تدمير جبهة التحرير الارترية!

وصلت إلى مكان المؤتمر، وكما توقعت كان مكان المؤتمر على الحدود السودانية الارترية، وفي الليل حيث كان يعم الهدوء - كنت اسمع صوت الشاحنات على الطريق العام الذي يربط مدينة كسلا بمدينة بورسودان.

أثناء انعقاد المؤتمر، طلبت من الأخ عبدالله ادريس، أن أذهب لزيارة الأخ ناصر في سجنه، فوافق وقال لي: تحضر المؤتمر ثم تكون سيارة تحت تصرفك لنقلك إلى مكان وجود أحمد ناصر.

واستمرّت مناقشات ومداولات المؤتمر عدة أيام، ثم تم انتخاب قيادة جديدة جاء على رأسها كما هو متوقع عبدالله ادريس، والآن بعد مضي خمسة عشر عاماً على هذا المؤتمر كنت أشعر في حينه بان الغموض يلف المستقبل، والآن ظهرت صحة حدسي. كان يجب التفاهم مع الزملاء جميعهم من سجّانين ومسجونين، كان يجب أن تخرج الجبهة من البئر المظلم الذي دُفعت إليه وقطعت أوصالها، كان يجب إعادة لملمة الجبهة واحيائها من جديد، لأن الأخوة الأعداء..! رضينا أم أبينا هم المؤهلون من الناحية القومية والثقافية والوطنية الصادقة، فهم يمثلون أمانة الخلق الارتري الأصيل، كنت أخشى على عروبة أرتريا، كما كان يخشى إبراهيم سلطان ثم ألست أنا عربياً؟.

إذا لم يقبل الشعب الارتري أن يكون عربياً فهذا شأنه! إما أن يكون ضد العرب فهذا ليس مقبولاً من الشعب الارتري نفسه.

إلا أن ماجرى ويجري الآن في حكومة الاستقلال (الجبهة الشعبية) فهو تعبير لا يمثّل إلا وجهة نظر أصحابه، إن فقدان الأمل العربي، بأن يكون البحر الأحمر بحراً عربياً كاملاً، هو موقف أو ظرف عارض.

انتهت أيام المؤتمر بحفلة ختامية وتمّت قراءة القرارات والتوصيات، وظهرت نتائج الانتخاب للمجلس الثوري الجديد، الذي لا يعترف بهم قادة الجبهة الشرعيين، وعلى رأسهم أحمد ناصر المسجون عند عبدالله ادريس. ويتألف المجلس الثوري من 32 عضواً خمسة أعضاء منهم احتياط وعلى فكرة الاحتياط هذه السيد علي محمد صالح استبدل زماؤه اسمه في حينه وبعدها فبدلا من علي محمد صالح أصبح أسمه علي احتياط.

بعد أن تليت الأسماء جرت حفلة تم خلالها إهداء بعض الوفود هدايا رمزية، وهذه الهدايا هي "خريطة ارتريا واسم الجبهة" وكان نصيبي أيضاً هدية، إلا أن الشيء الملفت للنظر هو عندما أعلن عريف الحفل عن انتخاب عبدالله ادريس رئيساً للجبهة، هتف الحاضرون وتقدم المندوب السعودي السيد عبدالله باهبري، وخلع عباءته وألبسها لعبدالله ادريس، وعلا تصفيق حاد لبعض الحاضرين، وتدافع كل من كان يحمل آلة تصوير هذا المشهد التاريخي، لكن للأسف لم يتمكن أحد من أن يلتقط صورة واحدة لعبدالله ادريس عندما ارتدى العباءة، إلا أنني الوحيد الذي استطاع تصوير هذا الموقف وحولته إلى صور فوتوغرافية عديدة جامدة.

ألم أقل لكم إني أحب الفانية! وبسرعة خلع عبدالله ادريس العباءة وقبّل عبدالله باهبري، لكن عيناه كانتا تبحثان عني، ونظر إليّ وقال: "هكذا وبسرعة يا أبا سعدة صوّرت"؟

وأجبته: "علينا أن نتعاون مع الجو يا عبدالله"، وانتهت الحفلة وقلت لهم: غداً أريد السفر يا أخوان لرؤية أحمد ناصر.

وجاء السيد محمود حسب رحمه الله وقال: يا أبا سعدة إن الظروف صعبة والحالة غير طبيعية ومكان أحمد بعيد.

لكن قد وعدتموني بزيارةه.

وبدا وجهي قد تبدل، ورغم كل محاولاتي، لم أستطع زيارة رئيس اللجنة التنفيذية السجين أحمد ناصر.

قلت لهم: إذن لابد لي من العودة.

ولم يفلحوا في أن في أن يجعلوني أبقى، وعدت إلى دمشق؟

وسارت الأمور بعد المؤتمر على ما يرام وعلى غير ما يرام، لقد أطلت عليكم كثيراً، ولكن ليس باليد حيلة. إذا عدنا إلى ظروف انعقاد المؤتمر فهل هو شرعي؟، إن قيادة الجبهة المجلس الثوري تعتبره غير شرعي باعتباره أنه ابن غير شرعي لانقلاب 25 آذار مارس.

هذا هو رأي القيادة التي يرأسها أحمد ناصر هل هذا من تدبير أجهزة أمنية عربية أم ولادة صحيحة؟ إني أضع بين أيديكم هذه المعلومات لتقرروا أيها الأصح؟

عقد المؤتمر بحضور 550 عضواً يمثلون قطاعات وأجهزة التنظيم بالإضافة إلى مراقبين من السودان والسعودية وسورية ثم رسائل من العراق والصومال ومنظمات صديقة.

اعذروني أريد أن أضيف مصطلحاً حتى لا يضيع القارئ فالقيادة الجديدة - دعوني أن أطلق عليها جبهة التحرير والجبهة الشرعية التي أزيحت بانقلاب كما يقولون - جبهة التحرير أحمد ناصر تقول أدبيات التحرير عبدالله ادريس في إحدى نشراتها "إن التجربة أياً كانت هي مجموع المنظمات النظرية وأسلوب تطبيق تلك النظريات على الواقع.

وما يكتسبه التنظيم خلال سيرته من دروس وما يقرّره من سلبيات وما سيضيفه المناضلون من ابداعات ومن مفاهيم وقناعات من خلال العلاقات بين الأفراد، داخل التنظيم من جهة ثانية وعليه فإن تجربة جبهة التحرير الارترية بهذا المعنى كانت رائدة وهي الطليعة كحدث في إطار الزمان والمكان المحددين، وبعد ذلك تفرّعت عنها وانسلخت عنها الجماعات والفصائل، واستمرت هذه الأخيرة في سلسلة من الانشطارات، حيث ادّعى كل منهم (أنه صاحب تجربة رائدة) وتجاهلوا المنبع وحاولوا أن يصنعوا من الفرع أساساً، وأن يسمون التقليد بالريادة والتشرزم بالجبهات الوطنية العريقة هذا ما تقوله جبهة التحرير عبدالله ادريس، أما ما تقوله جبهة التحرير أحمد ناصر فهو "أن الانقلاب الدموي الذي ارتكبه عبدالله ادريس وزملاؤه يوم 25 آذار مارسهو عمل خياني وأدّى إلى تمزيق الجبهة بل انهائها، وأما هذا المؤتمر فهو غير شرعي، بل امتداد إلى خيانة 3/25 والكلام أكثر من ذلك بكثير.

بعد أن غادرت مكان المؤتمر كنت متأثراً جداً وبقيت منعزلاً وحدي، شعرت بخيبة الأمل في عملية استرداد هيبة وقوة الجبهة. لم يكونوا صادقين معي وأنا الذي وهبت حياتي للقضية الارترية، لكن عزائي أنني عملت لهذا الشعب المقهور. ويراودني السؤال مرة ثانية: "أليسواغ هؤلاء القادة الذين يمثّلون هذا الشعب المظلوم؟ هل أتركهم يضربون بعضهم بعضاً؟ كما آراد العدو الأثيوبي أو كما فعلت الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا؟ حين تضامنت مع الجبهة الشعبية لتحرير تجراي ودمّرت بل قتلت الأم وبقرت بطنها وقلعت عينيها وقطعت أوصالها.

هل أترك أصدقائي وزملائي وأنزوي؟ لا... فعلي أن أتفرغ تفرغاً كلملاً والعمل مع اخواني على إعادة البناء!

لقد سيطرت الجبهة الشعبية على الساحة الارترية سيطرة كاملة أما قوات التحرير الشعبية عثمان سبي فهي صغيرة ولكنها غنية ومدعومة، أما بقية التنظيمات الأخرى فهي صغيرة ولو اجتمعوا كلهم لما استطاعوا، أن يشكلوا قوة تعادل نصف جبهة التحرير الأم من حيث القوة والعدد.

الى اللقاء... فى الحلقة القادمة

Top
X

Right Click

No Right Click