الغولاغ الأرتري مشاهدات سوداني في معتقلات الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة - الحلقة الثانية

بقلم الأستاذ: أمير بابكر عبدالله  المصدر: دفاتر أمير

الأول من أبريل 2004م: في تمام العاشرة صباحاً وجدتني داخل رئاسة حرس الحدود بأسمرا،

وفي مكتب المدعو قرماي مزقنا، وهو برتبة رائد في الجيش الأرتري ومدير لمكتب الجنرال تخلي منجوس.

وفي ذات الوقت هو المسئول عن إصدار تصاريح المرور والإقامة للمعارضين السودانيين في دولة أرتريا، ولسخرية القدر صار هو - بكل ما يتميز به من صلف وغرور وكثير إدعاء - المرجعية في كل ما يتعلق بالمعارضة السودانية في أسمرا، بالتنسيق مع المدعو إبراهيم إدريس مدير مكتب الأمين محمد سعيد أمين عام الجبهة الشعبية (للديمقراطية والعدالة).

وهذا في تقديري قمة المهزلة والإستخفاف بالمعارضة السودانية، وقمة عدم إحترامها لنفسها أن يكون أمثال هؤلاء هم من يديرون شئونها، ويعتبرون مستشارين في قضايا معقدة مثل القضية السودانية. فإذا كان قادتهم يحاولون ممارسة السياسة في بلادهم على نمط الفهلوة السودانية، التي تعرف كيف تدخل نفسها من خلال عنق الزجاجة ولكنها تعرف أيضاً (بفهلوتها) كيف تخرج عبره، في الوقت الذي يُدخِل فيه قادة الجبهة الشعبية أنفسهم داخل الزجاجة ولكنهم يغلقون الغطاء خلفهم ليحتاروا بعدها في الخروج.

المهم وجدتني أقف أمام المدعو قرماي مِزقِنَّا أو (ودّي مِزقِنَّا) كما يحلو له أن يدعو نفسه، في ذات الوقت الذي سيعقد فيه مجلس تيسير محمد أحمد المركزي مؤتمره الصحفي الذي رتبت له الجبهة الشعبية، ولا تريد لأحد أن يعكر صفوه بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة على قيادة التحالف. ورغم أنه يعرفني جيداً إلاّ أنه سألني عن إسمي، ولما أجبته وتعلو وجهي السخرية طالبني بتصريح الإقامة في مدينة أسمرا - الذي أصدر أمر إستخراجه لي في وقت سابق - واحتجزني بعدها في إحدى غرف مكتبه حتى صباح اليوم التالي. في حوالي الرابعة مساء تذكرت أنني لم أتناول أي وجبة منذ مساء اليوم الذي سبقه، ولا حتى جرعة ماء منذ احتجازي. تحدثت مع واحد من الفردين الذين يحرسانني طالباً منه كوباً من الماء. لم يجبني. وبدأت عصافير بطني في الصياح بشدة ولكني تجاهلتها مستجمعاً كل عناد السودانيين وكبرياءهم، حتى لا أبدو ضعيفاً أمامهم. بحثت في جيوب ملابسي لم أجد مبلغاً يذكر بعد أن جرَّدني (ود مزقنا) من محفظتي وما فيها من أشياء وبعض أوراق تخصني، ولم أكن أرتدي سوى بنطلون وقميص عليه جاكت جينز يقيني شر الرطوبة والبرد فقط لا غير.

ومع مرور الوقت وازدياد وطأة الجوع والعطش، لم أجد من ألعنه سوى صديقي منقستاب ستيفانوس الأرتري الأصل والجنسية. هل هو وهؤلاء من طينة واحدة ؟ وتذكرت بورتسودان وكيف التقيته وتعرفت به في حواريها، كما تذكرت حزمة إندهاشاتي وانا أراه امامي في مقر سكني بأسمرا بعد ست سنوات منذ آخر لقاء لنا في بورتسودان. ظل يبحث عني طوال سنتين كاملتين بعد عودته لأسمرا (كما ذكر لي) إلى أن وجدته أمامي. وكيف أنه رحب بي أيما ترحاب، وصرت أزوره في منزله في ضواحي أسمرا، وتعرفت إلى زوجته وابنتيه الوديعتين ووالدته التي ما فتئت تطلب منه استضافتي باستمرار بعد أن عرفت علاقته بي.

ذكرت مرة - في حوار بيني وآخرين - أن العلاقات بين الشعوب تحكمها قوانين داخلية خاصة بها، ومهما حاولت الأنظمة الحاكمة والتقلبات السياسية ان تغير من تركيبة معادلاتها (الكيميوجتماعية) فإنها تفشل. فهي قوانين لم تنشأ نتيجة ظروف طارئة، ولا تخلَّقت في غفلة من الزمان، بل هي نتاج لتفاعلات طويلة الأمد .. تفاعلات اقتصادية واجتماعية وثقافية وعرقية أخذت دورتها المعملية رغم محاولات إعاقتها في ظل كل تقلبات سياسية طارئة.

ابتسم لي أحد الحارسين في مودة بعد أن نجح في استغفال زميله، ابتسم وهو يناولني في عجلة وحذر طبق به قليل من الكسرة والعدس. كان ذلك بعد ان تجاوزت الساعة الحادية عشرة ليلاً وانقطعت الحركة داخل مبنى رئاسة الجنرال تخلي منجوس المكون من ثلاثة طوابق. نعم .. إنها تلك القوانين الداخلية التي تحكم الآن، قهرت قوانين التسلط والسلطة وتجاوزتها. هي وجبة شهية بكل المقاييس إزدرتها في عجلة ساعدني فيها ذلك الظلام الذي يلف الغرفة، وتجرَّعت بعدها زجاجة كوكا كولا خالية من الكولا ومليئة بماء، بطعم الكلور، مستسلماً لخدر لذيذ تخلل عضلات أطرافي، وأخذتني غفوة رغم القيود التي وضعوها على يدي اليمنى مع المقعد الذي اجلس عليه.

عربة يابانية فارهة - من عربات الجيش الأرتري - فتحت أبوابها الأربعة قبل ان يأمرني أحدهم بالصعود إليها. وحين صعدت إلى المقعد الخلفي وجدت شخصين، أحدهما أعرفه جيداً برتبة ملازم اول يدعونه (ودّي أسمرا)، وجدتهما عن يميني وعن يساري بينما جلس ثالثهما بجوار السائق وكل منهم يحمل بندقية كلاشنكوف. هل أفكر في الهروب يا ترى!!!

انطلقت بنا العربة، في تمام الثامنة صباحاً، عبر شوارع أسمرا واتجهت جنوباً مما جعلني أتوجس بعض الشيء. كنت أعلم أن هناك بيوتاً في هذه الناحية تستخدم كمعتقلات، وهي مثلها مثل بعض البيوت المتفرقة في عدد من أحياء المدينة تستخدمها الاستخبارات الأرترية، وكانت معروفة للعديد من المواطنين وغيرهم. أشهرها ذلك البيت الغريب البنيان خلف ساحة الأول من سبتمبر الذي تنطلق منه صرخات المعتقلين في الساعات الأخيرة من الليل.

لم يخب ظنّي عندما توقفت العربة امام فيلا فاخرة في حي (Space 2000) وأمرت بالنزول من العربة، يسير حراسي أمامي وخلفي بأسلحتهم (والشمس حيّة). ما أعظم شأني أن أنقل بواسطة هذه العربة الفارهة وأعتقل داخل هذا المبنى الفاخر. ولكن لم يدم بقاؤنا طويلاً هناك ولا أدري ما جرى، ولكننا سرعان ما خرجنا لنستقل ذات العربة وفي ذات الاتجاه.

خرجت العربة في اتجاه ضاحية تقع في الجزء الجنوبي الغربي للمدينة، ولم تتوقف إلا خارج رقعة مسورة بالسلك الشائك، أمام بوابتها غرفة صغيرة من الزنك يحتلها بقية أفراد خدمة البوابة وداخل السور - الذي يطوق أرض تتجاوز مساحتها الأربعة أفدنة - سقيفة من الزنك لاتتجاوز المساحة التي تظللها أكثر من 16 متر مربع (هذا حين ينتصف النهار) ولا شيء اخر، فيما توسطت الموقع في هذا الصباح شاحنة مرسيدس ضخمة في انتظار بعض الخارجين من جوف الأرض، بل كان بعضهم يحتضن أمتعته ويجلسون في صفوف منتظمة كما الأسرى.

إنه سجن الإستخبارات الأرترية الشهير بإسم "تراكبي" والذي يقع بجوار ورشة لصيانة الآليات المدرعة التي تتبع للجيش الأرتري وموقع لأجهزة بث إذاعي ولاسلكي، على مشارف ضاحية "غوشيت". الناظر إليه لا يرى سوى أرض منبسطة يقوم عليها ما وصفته الآن فقط. أما ما يدور تحت الأرض فهو شيء آخر حيث تقوم عنابر ضخمة تسع الواحدة منها لمئات المعتقلين من الجنود والمواطنين الأرتريين، كما تقوم إلى جانبها العديد من زنازين الحبس الإنفرادي وغرف التعذيب. يصاحب كل ذلك أمراض السل والتقيحات الجلدية والتايفويد والروماتيزم، فيما يجد القمل متعته رغم فقر دم المعتقلين وضعفه نتيجة سوء التغذية.

أعرف سجن "تراكبي" جيداً لأنني زرته في فترة سابقة بحثاً عن صديق أرتري اعتقلته السلطات ورمته داخل أروقته لفترة من الزمن، لم أعلم بوجوده فيه إلا بعد أن تلقيت إتصالاً هاتفياً من أحد الخارجين من الجحيم يطلب مني إيصال بعض الاحتياجات إليه. قضى صديقي قرابة الثلاثة أشهر تحت الأرض وخرج مشوهاً إلى حين، قبل أن يستعيد عافيته، ولم يرتكب ذنباً سوى أنه شفيف ويحب بلاده بأسلوبه، وليس على طريقة الجبهة الشعبية. هل ينتظرني ذات المصير ؟؟

ولمَّا كانت السجون التي يديرها جهاز المخابرات معروفة لدى العامة بانها تحت الأرض، روى لي - في فترة سابقة - أحد معارفي من السودانيين رمت به الظروف في سجن تديره (الشرطة الأرترية)، وهي سجون عادية لمحكومين في قضايا جنائية ومدنية ومنتظرين، روى أنه علق على تلك السجون التحت أرضية فقال له سجين أرتري الجنسية "أحمد الله أن هذا السجن بنته السلطات الأثيوبية وإلاّ قضينا مدة حكمنا كلها تحت الأرض". ولأني وضعت (الشرطة الأرترية) بين قوسين فذلك لأنه لا توجد شرطة في أرتريا بالمعنى المتعارف عليه فلا وجود لوزارة داخلية فيها، كما وأنه لا توجد قوانين تنظم عمل الشرطة ولا المحاكم، بل لا تزال دولة أرتريا في ظل حكم نظام الجبهة الشعبية (للديمقراطية والعدالة) بلا قوانين لا جنائية ولا مدنية ولا حتى قوانين تحكم وتنظم أي من أشكال ممارسة الحياة حتى الآن، والأمر كله خاضع للتقديرات والنزوات الشخصية. فليست هناك مرجعية يلجأ إليها المواطن وغير المواطن إذا ما تعرض للظلم من أي طرف، فقط عليه إبتلاع مرارته وترك الأمر للخالق.

طلب مني رئيس طاقم حراستي النزول من العربة، وانتحى جانباً بشخص آخر كان يقف قريباً من الشاحنة المرسيدس، ويحمل في إحدى يديه اوراقاً كثيرة ليضاف إليها مظروف آخر. وغادرت العربة الفارهة بمن فيها وبقيت وحيداً بجوار ذلك الشخص أنتظر ما سيصدره من تعليمات. لم أنتظر طويلاً، أمرني بالصعود إلى ظهر الشاحنة التي يجلس على حوافها أربعة أفراد من الجيش الأرتري مدججين بالسلاح وتتحزم أوساطهم بقنابل القرنيت وخزن الكلاشنكوف. وفوجئت، وأنا أحاول الصعود من على الصندوق العالي للشاحنة، بمجموعة من البشر يجلسون على أرضيتها (الصاجية) يتجاوز عددهم المائة، وهم مقيدون بالسلاسل مع بعضهم البعض، بينما لا يزال ينادي منادي في الأرض على من تبقى على الأرض بأسمائهم، ليواصلوا الصعود واحداً تلو الآخر لتتم إضافتهم للسلسلة الحديدية.

وجدت نفسي محشوراً وسط هذا الكم الهائل في تلك المساحة الضيقة التي بالكاد تسمح لك بالجلوس. قلت في نفسي "ربما هم من الأثيوبيين". ولكني اكتشفت لاحقاً أن جميعهم أرتريون ومن أفراد الجيش الأرتري. انطلقت بنا المرسيدس بعد العاشرة صباحاً، ورغم المحنة التي يمرون بها والثياب الرثة التي يرتدونها إلاّ أن رفاقي تعلو وجوههم بعض من إبتسامة فاترة.

سألت جاري في القيد همساً - بعد أن إلتفت إلى الواقفين أعلى رؤوسنا في الأركان الأربعة: هل أنت أثيوبي ؟ وكأنما استنكر سؤالي، نظر إليَّ في توجس. وعندما علم أنني سوداني تملكته الدهشة، وسرى أمر سودانيتي في سرعة غريبة لتشرئب الرؤوس البعيدة ممعنة النظر في هذا الكائن السوداني وعيونهم تستفسر سبب وجودي وسطهم. وهو ما شكل مفتاح لكثير من الأحاديث التي صرنا نتجاذب أطرافها رغم معاناة الرحلة ومحاولات قهر الحرَّاس - لنا من حين لآخر - على استحياء مرة وفي عنف مرات.

كان كثير من القابعين على سطح الشاحنة قد شاركوا في أن تنال أرتريا إستقلالها، وهم الأكثر سخطاً على ما آلت إليه دولتهم، والأشد حسرة على وضعهم الراهن. أما البقية فهي من الشباب الذي إنضم مجبراً للخدمة الإلزامية، بعد ان فشلت كل محاولات الهروب منها، ولكنهم وجدوا أنفسهم يخضون غمار حرب أخرى غير حرب التحرير، حرب في كل الجبهات.

قال لي محمود نور، وهو من أبناء العفر الذين يجاورن الحدود الأثيوبية وجيبوتي ويقع في منطقتهم ميناء عصب المعروف، قال لي: "لقد أدخلتنا الجبهة الشعبية في دوامة حروب لا معنى لها، وها هم أبناؤنا في دنكاليا يهربون عبر الحدود إلى أثيوبيا رغم الحرب التي لا زالت تداعياتها ترتسم على المنطقة".

من المفارقات التي تستدعي التوقف عندها أن الكثير من المواطنين الأرتريين يهربون عبر الحدود الأرترية وبأعداد ضخمة إلى أثيوبيا والسودان ويعبرون البحر الأحمر إلى اليمن (ولهذا الحديث مواضع أخرى).

ورغم أن الشعب الأرتري خاض حرب تحرير يشهد لها العالم بالتفرد، وساهمت فيها الجبهة الشعبية لتحرير أرتريا (للديمقراطية والعدالة لاحقاً) بجهد كبير إلاَّ أنها سرعان ما واجهت عجزها بعد توليها مقاليد الحكم. فهي بعد إقصائها للتنظيمات السياسية الأرترية أثناء حرب التحرير في معارك عسكرية معروفة بعد ما عرف بالانسحاب الاستراتيجي، ووجهت بضعف كادرها الذي يمكن اني يسير دفة الدولة، وفي ذات الوقت أغلقت كل الأبواب والنوافذ أمام الكوادر المقتدرة التي كان يمكنها أن تسهم في وضع أسس النهضة التنموية والسياسية المفترضة في مرحلة ما بعد الإستقلال لأسباب ذاتية، لا تخرج عن كونها نظرة قاصرة تسم كثير من الأحزاب الحاكمة في الدول النامية. فهي ما أن تصل إلى دفة الحكم حتى تتجاهل وتلغي كل مبادئ وشعارات ظلت ترفعها وتتمترس في تمسكها بالسلطة ما يجعلها تقع في كثير من الأخطاء تجاه نفسها ووطنها والآخرين.

صرت أتململ من شدة حرارة السطح الحديدي الذي نجلس عليه وحرارة الشمس الساخنة التي تلهب رؤوسنا، عندما نبهني يوناس الجالس أمامي إلى أن الشاحنة تتجه بنا غرباً. وعندما تجاوزت الوقت الساعة الثالثة بعد الظهر، توقفت في اطراف مدينة حقاز، سألني قائد قوة الحراسة إن كان عندي ما أشتري به وجبة أجبته بالنفي، ونظرت حولي لأرى الكثيرين يخرجون بعض الأموال لشراء وجبة تسندهم فهذه مسئولية شخصية وليست من مسئوليات الجهة التي تعتقلنا. وما كان على القوانين الداخلية للشعوب إلاَّ أن تعمل بعيداً عن قوانين القمع والقهر.

واصلت الشاحنة مسيرتها بعد حوالي الساعة لنصل إلى مشارف مدينة هيكوتا ويطلب من الجميع النزول لنسلم إلى معسكر إعتقال مسور بالشوك تديره استخبارات المنطقة. وقال لي أحدهم إن هذا موقع إنتظار نغادره في الصباح، فيما إقتاد حراسنا بعض المعتقلين إلى منطقة أخرى سيراً على الأقدام، إلى أين ؟ إلى حيث سيقضون عقوبة مجهولة مدتها تحت الأرض في منطقة هيكوتا.

تـابـعـونـا... فـي الـحـلـقـة الـقـادمـة

Top
X

Right Click

No Right Click