لنْ يُلفَّ (إسَايَّاس آفْ ورقْ) حبلَ المِشنقةِ حولَ رقبتهِ ولكن

بقلم الأستاذ: أحمد شريف - خبير إعلامي وشاعر - ملبورن، استراليا

عودتنا أسمرا، التحلي بالصبر في التعليق على أحداثها، طالما كانت طرفا في وقائع

وأحداث المنطقة بشكل مباشر أو غير مباشر، سلبا كان ذاك أو إيجابا.

كما صقلتنا تجربتها بضرورة التمترس خلف فتحات نافذتها الوحيدة (مكتب الرئيس)؛ لمتابعة ما يرشح عنها من معلومات. هذه المرة لملاحقة ما أفصح عنه (المستعمِر الوطني) عن رغبته في إرسال وفد (تقصي النوايا الإثيوبية)، أثناء الاحتفال بيوم الشهداء الأخير، خشية أن لا يكون حديثه كواحدة من التي قاسمَ بها (الرئيس) الشهداءَ، قبل أن يمزقَ (شيطانُه) العهدَ والوعدَ الذي كتب ذات يوم. لذا كان لا بد من التمهل والتصبر قبل التعليق على ما ينتظر الشعب الإرتري من أقدار، سواء برتْ أثيوبيا (الجديدة) بوعدها على تنفيذ اتفاقية الجزائر، أو قبلتْ الأخرى (اسمرا) بسياسية التطبيع الممتدة لها من (أديس أببا) أخيرا.

وقبيل أن يعلن (مكتب المستعمِر الوطني)، عن الوفد المنتظر، رشح عن وزارة الخارجية الإثيوبية، خبرٌ مفاده أن (وفد تقصي النوايا) وصل (إديس أببا) العاصمة الإثيوبية، بعد قطيعة رسمية بين البلدين، دامت قرابة الـ20 عاما. ترأس الوفد الإرتري إسمًا وليس فعلا وزير خارجية (النظام) السيد/ عثمان صالح، حيث ستنحصر مهمة الوزير (بلا وزارة) مجرد شاهد عيان، والتوقيع على ما سيتم الاتفاق عليه مسبقا، وإلتقاط صورا إعلامية مع نظيره الإثيوبي أو رئيس الوزراء، أيا كانت مخرجات اللقاء!!.، في حين كان وسيكون الرجل الأساسي الفاعل المفاوض في المحادثات السيد/ يماني قبري آب، مسؤول الشؤون السياسية للحزب الحاكم في اسمرا، ومتوقع أيضا أن تكون له صلاحية التصريحات الصحفية لوسائل الإعلام سواء في أديس أببا أو اسمرا، أما ثالثهم ورابعهم وخامسهم سيكونون كأولهم. ولكنها بالطبع لن تكون خارج ما رسمه لهم (مكتب الراس) في أسمرا أو عبر تلقي مكالمات الملاحقة من (مكتب الراس) بعد رفع الجلسات الرسمية أو قبلها!!، بمعنى لن يفعل المفاوضون خارج إرادة (إساياس آف ورق) أبدا.

وصول الوفد الإرتري (وفد تقصي النوايا) سبقته أحداث وتطورات في إثيوبيا، أبرزها استهداف التجمع المليوني المؤيد لدولة رئيس الوزراء الإثيوبي د. أبيي أحمد، وما خلفه إنفجار قنبلة في سيارة تابعة (للشرطة الإثيوبية) أدت إلى جرح العشرات من المؤيدين المبايعين لدولة رئيس وزرائهم الجديد، واستشهاد عدد منهم، مع توجه أصابع الاتهام على المستوى الشعبي إلى جهات عدة بشكل علني، بما فيها (البؤر) العميقة الممدوة لها يد الصفح الإثيوبية. أما على المستوى الرسمي، فلا تزال التحقيقات جارية بمشاركة جهات خبيرة في التفجيرات وتحديدا الـ (FBI) وفق ما رددته بعض الدوائر المتابع والراصدة.

في أوضاع كهذه، يتساءل المحللون والسياسيون، عما ستسفر عنه اللقاءات المشتركة بين البلدين، والتي بدأت قبل ساعات بالعاصمة أديس، وربما تعقبها في الأيام القادمة محادثات مماثلة تشهدها العاصمة أسمرا، خاصة زيارة دولة رئيس الوزراء الدكتور/ ابيي أحمد، بهدف إضفاء قبول شعبي على العملية برمتها، وتهيئة الأجواء والنفوس أولا بين الشعبين، ومن ثم ضخ شعور جديد مغاير لما شهدته المنطقة. وذلك على خلفية سنوات المواجهة التي دارت رحاها في مناطق معظمها كانت داخل الأراضي الإرترية سواء المناطق المتنازع عليها، أو المدن الإرترية الكبرى التي كانت هدفا سهلا لسلاح الطيران الإثيوبي. نذكر منها : العاصمة أسمرا، بارنتو، تسني، صنعفي، عصب، مصوع، عدي قيح، مندفرا، دقمحري، بالإضافة إلى المدن التي لاذ أهلوها بالفرار؛ خوفا من أن تطالهم حمم الطائرات الإثيوبية. ما يعني أن الجراحات والشعور بمرارات الحرب كبيرة خاصة لدى الشعب الإرتري، وبقدر مماثل أيضا لدى الشعبوب الإثيوبية، وبصورة أعمق شعب أقليم تجراي تحديدا.

ورغم ما سيطفو على الأفق من تصريحات وتلميحات هنا وهناك، إلا أن عملية تطبيع العلاقات بين الدولتين، قد تم الفراغ منها قبل فترة، وأن كل ما يجري الآن هو الإعلان عنها وتمليكها للرأي العام المحلي خاصة، حتى لو ظهرت نقاط خلاف بين الفريقين، وقد يتم إعلان أنهما بحاجة إلى مشاورات ومفاوضات لاحقة، إلا أن القضايا الأساسيية المتعلقة بتطبيع العلاقات السياسية بين البلدين، ورفع يد كل نظام عن دعم ومساندة أي قوى تعارض العاصمتين (أسمرا) و (أديس أببا) تم الفراغ منها والاتفاق على بنودها ورفعت الأقلام وجفت الصحف !!!

في هكذا واقع، لم ينعدم من وضع سقفا أعلى غير وارد مطلقا في صلب التوقعات المنتظرة من نتائج تطبيع العلاقات الرسمية بين البلدين، خاصة على الواقع الإرتري. بمعنى هناك من يتوقع أن تشهد إرتريا ذات التغييرات التي شهدتها إثيوبيا سواء في الإصلاحات السياسية أو محاربة الفساد أو الشفافية إلى غيرها من الآمال والأحلام ولو بنسب متفاوتة. إلا أن الشيء المؤكد، لا توجد خارطة محددة ستفرض في الممارسة السياسية تحديدا على (إرتريا) المسرح المتوقع حدوثه فيها أو الحلم المنتظر من قبل البعض. كما لا توجد إشتراطات مفروضة على هذه أو تلك جراء عملية التطبيع التي رعاها (الكبار إقليميين كانوا أو دوليين)، وهذا لا ينفي على الإطلاق التغييرات الكبيرة التي شهدتها أثيوبيا والتي انعكست إيجابيا على واقعها، في ظل الثبات الإرتري المميت السالب.

نعم لا توجد حزمة واضحة معلن عنها، ضرورة أن تشملها عملية التطبيع بين البلدين، إذ إن العملية محصورة في (قبول النظام الحاكم في إثيوبيا بالتنفيذ الكامل لإتفاقية الجزائر الموقعة بين البلدين منذ العام 2000 برعاية الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وقبول (اسمرا) بمصافحة اليد الممدودة إليها من (أديس أببا) فقط لا غير !!! صحيح سيكون إنعكاس ما على وضع البلدين جراء علمية التطبيع، إذا ما جرت سفينة التطبيع الجديدة، بما تشتهيه هي لا بما تشتهيه الرياح هنا أو هناك. المهم خاصة لدى الجانب الإرتري الشعبي تحديدا، هناك من يتوقع تغييرا خضما أو كبيرا في إرتريا على غرار ما شهدته جارتها المتصالحة معها اليوم (أثيوبيا)، بل هناك من يعد نفسه بمشاهدة كل استحقاقات الاستقلال والتحرير التي حُرمت منها إرتريا طوال أكثر من ربع قرن بالضبط (بعد تنفيذ مشروع الاستفتاء) الذي أضاف الشرعية القانونية على الشرعية الثورية الوطنية النضالية. الاستحقاقات المتوقع من قبيل تتمثل فيـ : تفعيل دستور 1997 المعطل، إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين والمدنيين، إعلان العفو العام ورفع حالة الطوارئ غير المعلنة المعمول بها منذ ربع قرن، إجراء مصالحة وطنية شاملة، القبول بالتعددية السياسية، إعتماد الديمقراطية خيار أوحد للحكم، إطلاق حرية التعبير والرأي بما في ذلك حرية الإعلام والصحافة والتجمع والتظاهر، عودة اللاجئين الإرتريين من معسكرات دول الشتات خاصة السودان أثيوبيا اليمن، محاسبة ومحاكمة المتورطين في إرتكاب جرائم ضد الإنسانية، رد الحقوق المدنية والمالية والأهلية إلى أصحابها، إلى غيرها من الحقوق التي غُيبت عن عمد.

وما يغيب عن بال وذهن كثير من المحللين، هو أن دخول إرتريا حربها مع أثيوبيا وصراعها مع السودان و خلافها مع جيبوبتي وتدخلها في الشأن الصومالي، وما تبعها من انشطارات ومفاصلات داخل الحزب (الجبهة الشعبية للديمقراطية والعادلة) وتورط النظام لاحقا في تحالفات إقليمية ودولية، إلى غيرها من الانكسارات والتراجعات وضياع الرؤية الوطنية، كل ذلك كان نتاج غياب الاستحقاقات الوطنية التي أشرنا إليها، وليس العكس، أي نتاج الخلاف أو الحرب مع إثيوبيا أو غيرها من الدول تحديدا. بالتالي فإن من يرى أو يتوقع تواضع (نظام أسمرا) على تنفيذ الاستحقاقات المذكورة أعلاه فقط، لمجرد طي الخلاف مع أثيوبيا، أقول بأن رؤيته في غير مكانها أو خارج المنطق وتحليل الواقع. علما بأن التوتر مع السودان لا يزال سيد الموقف، كما أن الخلاف الحدودي مع جيبوتي لا يزال على أشده، وأن دولة الفرد والفوضى السياسية هي العليا، وأن الفساد قد ضرب البر والبحر، يعني (استعمار وطني).

ومن هنا واستحضار واستقراء لمسيرة (نظام أسمرا) الذي أرتقى إلى تسميته بـ (المستعمر الوطني)، فإن أدنى توقع من سقف الاستحقاقات الوطنية، لا محل لها من الإعراب على الإطلاق، إلاَّ إذا حدثت معجزة إرترية ثانية، كالتي حدثت في التحرير، ومنها تغييرات جذرية في مفاصل (الفرد الحاكم) أي الحزب، ليس على شاكلة ما شهدته إثيوبيا، بل حتى قريب منها. ولكن هذا الإعجاز بذاته، مستبعد في ظل المعطيات الماثلة للعيان من جهة، كما أن (الراس) (إساياس آف ورق) الرابح الأول والأخير من تطبيع العلاقات بين (أسمرا) و (أديس أببا)، لن يلفَّ حبل المشنقة حول عنقه مطلقا. علما بأن أول طرفي ذاك الحبل، هو تفعيل الدستور المعطل إلى آخر الاستحقاقات المذكورة أعلاه. إذا ما هي توقعات سياسات (المستعمر الوطني) في إرتريا ؟ هذا ما سنسلط عليه الضوء في المقال التالي بإذن الله.

مع فائق الأعتبار والتقدير،،

Top
X

Right Click

No Right Click