مع أبو ياسر في التقسيم الثلاثي للمكون الإرتري - القسم الاول من الحلقة الأولى

بقلم البروفيسور الدكتور: جلال الدين محمد صالح

شكرا لك الأخ أبو ياسر، على هذه المداخلة القيمة، التي أدليت بها، يوم السبت، ٢٠١٧/٩/٢م، ليلة الأحد، على النخبة الإرترية،

السياسية والفكرية، المتحاورة في مجموعة (حوار لوعي مشترك) ردا على التقسيم الثلاثي، للمكون الإرتري (الجماعة البجاوية، الجماعة الأكسومية، الجماعة الإيفاتية) الذي طرحته أنا شخصيا، في حل تدافعات السلطة والثروة، في المجتمع الإرتري.

جـلال الدين محمد صالحولأني اطلعت عليها في وقت متأخر من الليل، قرب نومي، رأيت تاخير مناقشة ما جاء فيها، إلى صبيحة يوم الأحد، ٢٠١٧/٩/٣م، بسبب ما اشتملت عليه، من موضوعات، وعناوين عديدة، ومهمة، تستدعي توقفا، يتناسب والجهد الذي بذلته في إعدادها.

ولأن إدارة المجموعة، لم تسمح بإيراد هذا التعقيب؛ لكون المداخلات مخصصة للسمنار، وأن الفرصة المتاحة، للمحاورات الهامشية، انتهت، حسب إفادتها، فلا بأس أن ندير النقاش معا، بيني وبينك، بشكل ثنائي، على المواقع الإرترية، حتى تعم الفائدة.
تصنيف المداخلة من واقع قراءتي لمداخلتك - أخي أبو ياسر - ظهر لي أن أصنفها إلى ثلاثة جوانب رئيسية، هي:-

• جانب سياسي
• جانب تاريخي
• جانب النتائج

وعلى هذا الأساس من التصنيف، سأدير النقاش معك، أخي أبو ياسر، على النحو التالي:-

أولا - الجانب السياسي:

يظهر لي من مداخلتك، أنك ترفض هذا التقسيم، وتعارضه، من منطلق سياسي صرف؛ لاعتقادك أنه تقسيم، يؤسس لمشاريع سياسية؛ حسب فهمي لقولك الصريح، في مستهل مداخلتك وبدايتها: "التأسيس لمشاريع سياسية، بإيجاد مبررات من معلومات تاريخية مجتزأة، وغير مترابطة، ومن ثم إسقاطها على رؤية سياسية".

ومن هذا المنطلق، حكمت على التقسيم الثلاثي، للمكون الإرتري، ومسوغاته التاريخية، بتزييف الوعي التاريخي، حين قلت: "أعتقد يسهم في تزييف الوعي التاريخي للناس، أكثر من إسهامه في إيجاد حل لمشكلة سياسية".

وأنا من جانبي لا أدري، ما هي هذه المشاريع السياسية، التي يؤسس لها هذا التقسيم، والتي تقصدها أنت - أخي أبو ياسر - بالضبط، ولكن من باب التخمين، اسمح لي أن أقول: ربما تقصد مشروع دولة البجة، وإعادة مشروع تقسيم إرتريا، الذي طرحه الإنجليز، في فترة تقرير المصير.

وإذا كان هذا هو ما تقصده، كما أظن، فقد أبعدت النَّجْعةَ، وذهبت إلى أكثر وأطول، مما ينبغي أن تذهب إليه، في مناقشة مصطلحات التقسيم الثلاثي، للمكون الإرتري، وبهذا بدأت نقاشك، بما يشبه التخويف، أو التشكيك، بالحديث عما في النوايا، بدل التفنيد المنطقي للتقسيم ذاته، ومصطلحاته ذاتها، من حيث جدواه، في توحيد المجموعات المتشابهة ثقافة، من حيث اللغات، والعادات، والمعتقدات، والمتشاركة أرضا، من حيث التوارث خلفا عن سلف، أو التقادم في المساكنة، وتاريخا، من حيث الوجود الزمني في المنطقة ذاتها، والوقوف والتعاضد معا، في مواجهة المعتدي عليها، ومن حيث الأعراف والقوانين الضابطة للعلاقة بالأرض، حرثا، ورعيا، والمتوحدة مصلحة، من حيث تداخل المصالح وتشابكها، ومن حيث حماية مصالح الذات، في تدافع السلطة والثروة، ومن حيث الارتقاء بالذات، بكل ما تحمل من خصائص، نحو مزيد من السعادة، والرفاهية، في الحياة.

وَمِنْ ثَمَّ، تمتين الوحدة الوطنية، بين جميع المجموعات القبلية، أو الثقافية، في الجماعة الواحدة، بشكل خاص، ثُمَّ بين كل المكون الإرتري، في إطار الوطن الواحد كله، وهو ما يعني إسهاما في حل إشكالية تدافع السلطة والثروة، بين المكون الإرتري.

ولأنك بدأت تلك البداية في النقاش ـــ أخي أبو ياسر - فإني لا أستغرب من قولك في وصف التقسيم: "أعتقد يسهم في تزييف الوعي التاريخي".

أما أنا - على الرغم من تحفظي الشديد على تعبيرك بتزييف الوعي؛ لقساوة هذا التعبير - وعدم مناسبته لحوار نخبوي، فكنت أفضل أن تتوجه مباشرة بالنقد المجرد، المنفصل عن التفسير السياسي، حتى يكون النقد محايدا، والنتيجة أيضا موضوعية، بعيدة عن أي اتهام بالتزييف، وهنا أجدني مضطرا في نفي تُهْمَتَيْ التزييف، والتأسيس لمشاريع سياسية، عن نفسي أولا، ثم التقسيم الثلاثي الذي طرحته ثانيا.

لا بد لي من صرف القارئ الكريم، عن ما يوحي به تعقيبك هذا، من أن هذا التقسيم الثلاثي، يهدد وحدة السودان وإرتريا، بما يحمل من التطلع إلى التأسيس لدولة البجة، في المنطقة، والتشويق إليها، أو بعث مشروع الإنجليز، بتقسيم إريتريا، وإعادته إلى الذاكرة، مرة أخرى، وهو إيحاء أفصحت عنه لاحقا، حين قلت: (رؤية البجة تدعم وتتناغم مع الأجزيان).

وهذا بالطبع، يخوف القارئ الكريم، ويؤثر في نفسيته، فوق أنه يشوه التقسيم الثلاثي، ويتجنى عليه، ولا يجعله يتعامل مع هذا التقسيم، بتجرد كامل، رفضا أو قبولا، متحررا من هذه المؤثرات الخارجية، وإيحاءاتها المخيفة، ويضع التقسيم الثلاثي موضع الشك والريبة، في الحفاظ على الكيان الوطني، إرتريا بحدودها الجغرافية المعهودة، وبهذا تكون أنت حسمت مسبقا النقاش في قضية تاريخية لصالحك، لا بمنطق علمي وفكري، ولكن بتهمة سياسية، ألصقتها بالتقسيم، ومن نَظَّرَ له، وأَلْطَأْتَهَا بهما مَعًا، في حين ليس ثمة
ما يدل على هذا الإيحاء الذي انتزعته انتزاعا، من إشارة خفية أو جلية، تدل عليه، ولا أراه أبدا في هذا التقسيم الثلاثي.

ومع ما لك من حق، في الوصول إلى ما تريد الوصول إليه، بقراءة ما وراء السطور، كما يقولون، إلا أنه ليس بالضرورة، أن يكون ما فهمته أنت، ووصلت إليه، هو مرادي أنا، أو كلامي، أو مضمون التقسيم، ومحتواه، أو مبتغاه، ومن ثم يستحسن أن تقول على الأقل: هكذا أفهم، أو هذا ما فهمته.

بعد ذلك يبقى الحكم على فهمك هذا، من حيث كونه فهما خاطئا متكلفا وبعيدا، أو فهما صحيحا، وقريبا، يتوافق ويتناسق مع الصياغة والسياق، متروك للآخرين.

Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…