تأملات بشأن إريتريا ونشوء دولة جديدة في القرن الأفريقي - الحلقة الأولى

بقلم بروفيسور: إيرما تادِّيا المصدر: الأفريقية

مُقدِّمة: تتناول هذه الدراسة موضوع إريتريا الدولة الجديدة التي وُلِدت في عام (1993)، في سياق التطورات السياسية الأخيرة التي

شهدها القرن الأفريقي والبلدان المجاورة، وعملية الإستقلال/ الحكم الذاتي في كلٍّ من إريتريا (1991) وأرض الصومال (1991) وجنوب السودان (2011).

ويناقش المبحث الأول الطبيعة الأيدولوجية للدولة الإريترية: نشوء القومية والصراع السياسي في إريتريا، في محاولة لتحديد ديناميات تشكّل الدولة الأساس ودور الاستعمار، تبعًا للمنظورات البحثيِّة المُختلفة. أما المبحث الثاني فنقدٌ من الداخل، يتناول الحوادث الأخيرة، ويناقش كيف عمَد الباحثين والمثقفين وعلماء السياسية الإريتريين الذين ساندوا قيام الدولة الجديدة إلى مساءلة السياسة الإريترية ونقدها. وبعد العشرين عامًا من الطبيعي أن تكون إريتريا محل قدر كبير من الاهتمام والجِدال الدولي.

ولعل الدراسة تكون مساهمة جديدة بين المساهمات التي تُعنى بديناميات أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
تتيح لنا التطورات الأخيرة التي اعترت السياسية الأفريقية أن نتأمّل في أصل الدول الأفريقية الحديثة وطبيعتها في سياق تصفية الاستعمار، وفي ضوء التحولات السياسية الجديدة. وتمثِّل الحوادث الجديدة التي شهدتها العقود الأخيرة نقطة انعطافٍ في السياسية الأفريقية المعاصرة من نواحٍ عديدة.

قيل الكثير بشأن طبيعة الدول الأفريقية ، وبشأن ديمومة حدودها السياسية، والجغرافية المُعقدة التي تُميز القارة من ناحية الحدود الإنسانية. وجرى نقاش واسع مؤخرًا بشأنِ غياب الاستقرار والتطور الإشكالي وتدهور المؤسسات الأفريقية الواضح، وهو ما يُظهِر رؤية شديدة التشاؤم يتشاطرها كثيرٌ من الباحثين الذين يتناولون أفريقيا الحاليِّة.

كان لا بُدّ للدول الأفريقية أن تواجه مشكلاتٍ في الاستقرار السياسي، وسيرورات تحولٍ ديمقراطي متنافرة وشخصنة للسياسة وتدهورًا في المجتمع المدني. وهي خصائص تنعكس بالفعل في الطابع القمعي الذي يُميّز السلطة السياسية، إذ سيطر زعماء لا علاقة لهم بالديمقراطية على كثيرٍ من الدول الأفريقية على مدى نصف قرن. وأطال دوام الأصول الأوربية في الدول المستقلة، وبقاء الحدود التي رُسِمتْ في سياق التزاحم الاستعماري (1884-1885) واستمرار النزاع السياسي جدالًا واسعًا بين المؤرخين والسياسيين والباحثين المعنيين بالدراسات الأفريقية الحديثة. وكان لهذا الجدل الواسع المتواصل أن يولِّد سِجالًا دوليًا أيضًا، لا يزال حيًّا إلى الآن.

ظهرت الدولة الحديثة في أفريقيا نتيجة الاحتكاك بينها وبين أوروبا في القرن التاسع عشر، وسارت على الغرار السياسي الأوروبي الذي يتميّز بديمقراطيته البرلمانية التي سرعان ما جرى اعتراضها، إذ ولّد فساد المؤسسات الليبرالية، وشخصنة السلطة وغياب المجتمع المدني وحقوق الإنسان أزمة مؤسسية دائمة ونزع الشرعيِّة عن السُلطة. وشكًل الاصطناع الاستعماري جذرًا لهذه السيرورة السياسية المتواصلة. ولم تنجح عملية بناء الأُمّة، وأخفقت المؤسسات السياسية في خلق وحدة وطنيِّة قابلة للحياة ومستقرة، وأمكن للاصطناع الاستعماري أن أن يترك أثرًا فعليًّا في دول ما بعد الاستعمار التي لم تنجُ من ذلك.

وقيل الكثير في عن أزمة دولة ما بعد الاستعمار وانهيارها أو تفككها التي تقف خلفه أسباب كثيرة محلِّية و دولية، فضلًا عن ارتباطها بتسييس الإثنية، الأمر الذي لن نعرضه في هذه السياق. هكذا، يبرز اليوم مأزق فعلي: هل ندعو البلدان الأفريقية أممًا أم دولًا؟ وهذا ما يصحّ على دول القرن الأفريقي بالطبع، وسوف أمعن النظر في هذا الأمر من خلال عديد الأمثلة، وأهمها: المثال الإريتري.

ثمة تصورٌ يبرز اليوم ويغدو شائعًا مفاده أننا إذا ما أردنا أن ننظر في أصل الدولة، علينا أن نعود إلى المرحلة الاستعمارية ونتقصّى كيف يمكن للاستعمار أن يُفسِّر، أو لا يُفسِّر، غعادة البناء التاريخية التي شهدتها العقود الماضية. وبعبارة أخرة، أن غرضي هو التركيز على ما يجري اليوم من جدلٍ بشأن إرث الماضي الاستعماري ودوره في إعادة تأطير دول القرن الأفريقي. وتتّسم هذه الدول الأخيرة ببعض الصفات الخاصة، ويبدو لي أن من الواجب النظر إليها في إطار تاريخي جامع، والتعامل معها بوصفها حالة فريدة بالنظر إلى الحوادث السياسية – التاريخية التي شهدتها أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

عملتُ سنوات كثيرة على تاريخ اريتريا الحديث، واعتقد أن الوقت حان لتخطي سياسة القرنين التاسع عشر والعشرين الاستعمارية، وهي ميدان بحثي الأساس، في محاولة للانتقال إلى تحليلٍ أشدّ تعقيدًا يرتبط بالزمن الحاضر، ويشكّل الافتنان بالسياسية تحدِّيًا فعليًّا، كما تُشكل الكتابة عن الحاضر، دون خلفية تاريخية صلبة تحيط بالحوادث الأساس التي قررّت مصير شعوب القرن الأفريقي، مهمة صعبة. وكان اهتمامي بالعلوم السياسية منذ سبعينات القرن الماضي وثيق الصلة بالتاريخ بوصفة لبّ التحليل الأساس. وتمثّلت المنهجية التي اتبعتها في أعمالي السابقة بمحاولة وضع التطورات السياسية في سياقاتها التاريخية بالعودة إلى كلٍ من المصادر المكتوبة والشفوية، فضلًا عن العمل الميداني المديد في بلدان القرن الأفريقي. وكانت اريتريا وتاريخها وسياساتها موضوع اهتمامي الأول لفترة طويلة.

من هنا، أتناول استقلال إريتريا في سياقٍ واسع، محاول ايجاد ضروب التشابه التي تجمعة ببلدان أخرى في القرن الأفريقي. ويتركز السياق المذكور على سيرورة الاستقلال/ الحكم الذاتي التي جرت في القرن الأفريقي والبلدان المجاورة والتي أشرنا إليها آنفًا. ولعله يجدر بنا الآن بمحاولة تحديد إطار نظري عام للسياسية الأفريقية المعاصرة نُعيد ضمنه مناقشة دور الاستعمار وطبيعة الدول الحديثة، أما فائدة هذه المقاربة لمؤرخي القرن الأفريقي، ومن ضمنه إريتريا، فأمر يتعلق بكون هذه المقاربة ضربًا من التخمين الأولي الذي أودُّ أن أشرككم فيه معي.

يتيح كلٍ من استقلال إريتريا والحكم الذاتي في ارض الصومال أن نتكلم عن إعادة خلق كيانات سياسية وثيقة الصلة بالماضي الاستعماري، بما في ذلك الحدود، فحدود ارتيريا والصومال هي حدود استعمارية فعليِّة. ويمثِّل ظهور الدولة الاريترية الجديدة (1991)، وإقرارها في استفتاء (1993)، إضافةً إلى الحكم الذاتي وتقرير المصير في جمهورية ارض الصومال (1991)، نقطة افتراقٍ فعليِّة تُميِّز تأملاتي هذه، التي أشركتُ فيها معاوني في جامعة بولونيا.

وُصِمَ القرن القرن الأفريقي في العقود الأخيرة بأنه واحدًا من أشد مناطق العالم ابتعادًا عن الاستقرار وخلوَّا من عمليات إحلال السلام، وبناء المؤسسات، وسيرورات التحوّل الديمقراطي، ولكن على الرغم من غياب الاستقرار يُمكن أن نلحظ استثناءات بارزو مُغايرة لهذا التصدع السياسي. وتُلخِص أرض الصومال هذا الاستثناء في تباين واضح مع مناطق الصومال الأخرى، حيث تشظت جمهورية الصومال السابقة. وهنا يبرز السؤال:

هل يقف الإرث الاستعماري في الصومال وراء ما ظهر لاحقًا في أُطرٍ سياسية تؤثّر على استراتيجيات التنمية الاقتصاديِّة ؟

وهل تُعَدّ الإدارات الاستعمارية المختلفة، الإيطالية والبريطانية مسؤولة عن الوضع الجيو- سياسي الراهن في المنطقة ؟

تُبيِّن الأدلة أن التورط الأوروبي في القرن الأفريقي هو الذي يقف وراء عدد من العواقب التي أفضت إلى تفكك مؤسسات الدولة من جانب، وإعادة بنائها وتأهيلها من جانب آخر، ويبدو علاوة على ذلك أن الآليات ذاتها التي أُدخِلَتْ في المرحلة الاستعمارية لا تزال تُمارِسْ اليوم ضغطًا شديدًا على الدول ذات السيادة عبر مصالح مستوردة وتدخلات خارجيِّة مُتجددة تتسق مع ما جرت تسميته بـ(الاستعمار الجديد).

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

* بروف إيرما تادِّيا - أستاذة في قسم التاريخ والثقافة بجامعة بولونيا الإيطالية

* المقال منقول عن كتاب (العرب والقرن الأفريقي - لمجموعة من المؤلفين) وناشره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات بالدوحة - الطبعة الأولى أكتوبر (2013) - بيروت.

Top
من اجل تحسين تجربة التصفّح موقعنا الإلكتروني More details…