مُعاينة الدور القطري من رأس ديميرا الإريتري

بقلم الأستاذة: آمال صالح - لندن المصدر: الإفريقية

ليس من المُستغرب أن تسحب قطر قواتها المنتشرة منذ ٢٠١٠ حول المناطق الحدودية في منطقة جبل ديميرا المُتنازع عليها بين

إرتريا وجيبوتي إثر انفجار الأزمة الخليجية التي وجدت نفسها في مواجهة حالة حصار مُتسارع الوتيرة من قبل شقيقاتها في دول الخليج العربي، لذلك لا يمكن أن تتردد قطر للحظة في مراجعة أولوياتها واهتماماتها والتي لن يكون (رأس ديميرا) على قمتها بالتأكيد. ولكن، و ما يثير الاهتمام والتساؤل هو ماهية وأسباب التحرك السريع للحكومة الإرترية، ونشرها لوحداتها العسكرية حول جبل ديميرا، كما كشفت عن ذلك جيبوتي، وتقدمت على أساسه بشكوى إلى كل من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة.

تحرك الحكومة الإرترية هذا، قوبل بتحفظ واستياء من قبل بعض التيارات السياسة المعارضة حيث تتفق الأطياف الإرترية في الموالاة والمعارضة على أن تلك المناطق ارترية خالصة، تدخل ضمن الحدود السيادية لبلدهم.

وفي ذات الوقت، يُرجْعُ الكثير من السياسيين الإرتريين والمُتابعين لتلك المرحلة عن قرب، حيثيات النزاع بين جيبوتي وارتريا، الى حالة كونه نزاع مفتعل، وأنه ذو خلفيات سياسية، أكثر منها (تقنية)/ حدودية.

وبحسب الخرائط القديمة التي تعود إلى الحقب الاستعمارية المُتتالية على المنطقة، يظهر رأس ديميرا والجزر االقريبة منه ضمن االحدود الإرترية. ويبدو أن نقطة الخلاف الأساسية تكمُن في امتداد المنطقة جنوباً إلى حيث تُلامس الشريط الحدودي لجيبوتي.
والسؤال هو: كيف ومن أين بدأ الصراع حول المنطقة، ولماذا تحول الى نزاع مسلح عام (2008) ولماذا لم يلجأ الطرفان إلى الاحتكام إلى الجهات القانونية الدولية؟

وفي هذا السياق تحيل مصادر عديدة،خلفية هذا النزاع الى كونّه سياسي، وتعزيه لعاملين أساسين: الأول، يعود الى حالة عدم الانسجام السياسي بين ارتريا وأثيوبيا (حلفاء الأمس/ أعداء اليوم) فالفترة ما بين عامي (1991- 1995) حيث بلغت العلاقات الأثيوبية الإرترية ذروتها سببت قلقًا كبيرًا لجيبوتي، الدولة الصغيرة المحاصرة وسط تحالف (سياسي - ثقافي)، لربما يمثل خطرًا من نوع ما على وجودها المستقبلي. ولعل هذا ما دفعها، إلى افتعال تلك الأزمة تزامناً مع أزمة إرتريا واليمن حول جزر حنيش حينها، سعيا وراء كسب حليفًا استراتيجيًا أقرب إليها ثقافياً على الضفة الأخرى للبحر الأحمر.

أما العامل الثاني، كما يُرجِّح البعض، فيعود إلى تداول خريطة جديدة لإرتريا رسمُها وخطط لها وصممها جغرافي أسترالي لا يُحضرني اسمه، وأهداها للدولة الوليدة والواعدة (إرتريا)، وضَمّن فيها جزءاً من الأراضي الجيبوتية. ورغم عدم اهتمام حكومة أسمرا حينها بهذا الأمر، بل واعتباره خطئًا غير مقصود ويمكن تجاوزه، إلاّ أنه ذلك لم يكن ليزيل قلق جارتها.

من الممكن القول هنا، إنّ التطور اللاحق الذي طرأ على العلاقة بين إرتريا وإثيوبيا، وأدى الى نزاع حدودي / دموي (1998-2000) في منطقة بادمى، نتجت عنه إحدى أسوأ الحروب التي شهدتها منطقة القرن الأفريقي في تاريخها الحديث، دفع الإرتريين إلى اتهام الأثيوبيين بتوظيف الخلاف مع جيبوتي لصالحهم، لتتحول إرتريا - لاحقًا - وبُعيد انتهاء الحرب إلى وضعية الدولة لمحاصرة بدلاً عن جيبوتي التي وَجَدتْ في أثيوبيا، حليفاً استراتيجيا لها.

وبالعودة الى الاهتمام القطري بالقرن الأفريقي وتحالفاتها المتداخلة مع بلدانه نرى كيف حاولت كل من جيبوتي وأسمرا استثمار هذا الاهتمام والوجود القطري الذي يصفه كثيرون بأنه طموح كبير لدولة صغيرة تبحث عن أدوار سياسية اكبر من حجمها، لصالح كلٍ منهما وبكل الوسائل المتاحة.

بطبيعة الحال، لا تخلو سياسة التحالفات البراغماتية بين كل هذه الأطراف من بعض العائدات الإيجابية هنا وهناك، فقد ساعدت العلاقة الوطيدة بين أمير قطر حينها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والرئيس أفورقي، على إخراج الأخير من عزلته وتوفير فضاء للحركة له، وأن ظل محصوراً على مستوى المنطقة. كما كان لنجاح الوساطة القطرية في حل الخلافات بينه وبين الرئيس السوداني عمر البشير، أثراً كبيرًا في إنعاش نظام أسمرا. ولم تبخل قطر في ضخ المساعدات المالية والاستثمارات (سمع الإرتريون عنها، وأن لم يروا ثمارها في الواقع)، ولكنها ساعدت الحكومة المحاصرة دوليًا ومحليًا، على الصمود لوقتغير قليل أمام تحدياتها الأخرى.

ولكن ماذا حدث، لتتخذ كل من إرتريا وجيبوتي موقفاً مُضاداً وغير متوقع من قطر في حصارها، خاصة بعد ان ساعدت الطرفين على تجاوز خلافاتهما التي استمرت عامين كاملين (2008-2010) حيث عقد الطرفان بعد ذلك نوعًا من الهدنة تلاها نشر قطر لقواتها، ولاحقا أطلقت ارتريا عددًا من المعتقلين الجيبوتيين لديها.

"بيوت الرمال، سريعة الذوبان"، أتذكر هذه العبارة كلما اقتربت من العلاقة الإرترية / القطرية، واتسائل: هل هذا ما كان من حال التحالف القطري الإرتري؟ أم أن براغماتية الطرفين تستوعب كل الاحتمالات؟

وأخيراً، في ظل تداعيات الأزمة الخليجية، ليس هنالك من يتحدث عن أي كوارث ستلحق باستثمارات قطر في إرتريا أو شرق افريقيا عمومًا، ولم تظهر، جراء التعتيم وشح المعلومات وقلة التصريحات من الجانبين، بيد أنه وفي ذات السياق لا ينبغي لنا أن نغفل عن المحور الجديد الذي برز في القرلان الأفريقي المحور (الإرتري - الإماراتي) ورمى بثقله على الشواطىء الغربية للبحر الأحمر، ولهذا حديث آخر. إلاّ أنه، يبدو أن الرئيس أفورقي وحكومته، كان لهما مآخذ كثيرة حول ما تنامى عن دعم قطر لبعض المعارضين لأفورقي داخل إرتريا.

وبغض النظر عن صحة هذه المعلومات من عدمها، فإن العلاقة القطرية- الارترية لم تشهد عداءً مُعلناً ولا اتهامات صريحة بل ذهبت بعض التسريبات إلى أن قطر كانت أخطرت أفورقي مسبقاً عن نيتها في سحب قواتها، كنوع من (المُباركة) لتحركاته الأخيرة لملء الفراغ الذي تركته بُعيد انسحاب قواتها من رأس ديميرا، فهل ما يزال الطرفان حريصين على إبقاء شعرة معاوية بينهما ولو إلى حين، أم أن الرئيس الارتري يتحرك وفقاً لسياساته الخاصة التي يخشى الإرتريون أن تقود إلى تصعيد جديد. وفي ظل ترقب الإرتريون وقلقهم من تصرفات حكومتهم الأخيرة في رأس دميرا وعدم لجئوها إلى التحكيم االدولي على غرار الموقف الجيبوتي تفاديًا لأي تصعيد مستقبلي بينهما وكسبًا لثقة المجتمع الدولي، التي هو في حاجة إليها اكثر من أي وقت مضى، حتى لا يأخذ البلاد في حرب حدودية جديدة على شاكلة (بادمبي) تقضي على ما تبقى من (يابس) في البلاد.

Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…