أحوال الشرق الأفريقي والتحالفات الدولية والإقليمية.. "العلاقات القطرية الإريترية" الحلقة الأولى

بقلم الإعلامية الأستاذة: آمال صالح - كاتبة والناقدة ارترية المصدر: الإفريقية

كما هو ماثل، تمضي الصراعات في المنطقة العربية بوتيرة مُتسارعة وشكل حاد؛ خاصة في منطقة الخليج، وهي بالطبع ليست بعيدة

عن منطقة الشرق الأفريقي المتاخمة لها، حيثُ انخرطت حكوماتها في تحالفات وعلاقات متقاطعة مع دول الخليج، خاصة بعد اندلاع الحرب في اليمن.

العلاقات القطرية الإريترية

وتتصدَّر إريتريا المشهد في تحالفاتها المُثيرة للجدل مع دول الخليج، لما لها من تأثير على احتدام الصراع والتسابق المحموم بين هذه الدول لتأمين سيطرتها على واحدةٍ من أهم المناطق استراتجيةً على البحر الأحمر. وتأتي العلاقة القطرية الإريترية في مقدمة تلك التحالفات، لجهة أن قطر كانت سبَّاقة في مدِّ يدها إلى أقصى مداها إلى الرئيس الإريتري اسياس أفورقي.

فلاش باك:

توجَّه الأمير القطري السابق؛ حمد بن خليفة آل ثاني، إلى اسمرا بداية الألفية الثانية، بحثاً عن أرضٍ يبسط عليها طموحاته في التأسيس لدور تاريخي لدولته الصغيرة الناهضة والتي تصبو إلى دور إقليمي و دولي يتيح لها التأثير على مراكز قرار ومسار السياسات العالمية وتحالفاتها في المنطقة والعالم.

لم يكن اختيار الأمير القطري إريتريا والرئيس أفورقي أمرًا عشوائياً؛ فيبدو أن حمد بن خليفة آل ثاني (الأب) ومؤسِّس دولة قطر بوجهها الحديث ذو (النزاعات) والنزعات الاستبدادية، رأى في أفورقي الشبيه الأقرب والحليف الأمثل لتحقيق طموحاته العالمية. من جهته، فإن أفورقي الخارج للتو من حربٍ عنيفةً ومفتعلة مع جارته وعدوه الأساس (إثيوبيا)؛ تلك الحرب التي كادت أن تطيح، ليس بنظامه فحسب، بل بالدولة الإريترية المستقلة حديثاً برمتها، عندما كادت القوات الإثيوبية - حينها - أن تصل مشارف العاصمة اسمرا، لولا التدخلات السريعة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض القوى السياسية الغربية، لا شك أنه وجد في قطر ضالته، فقد كان حينها يصارع على جبهتين: خارجية عنيفة، و داخلية آخذة في التبلور و النمو تطالبه بالانتقال بالبلاد إلى حكمٍ دستوري شرعي، ما يهدِّد سلطته الفردية وطموحاته الكبيرة، ليس في البقاء على سدَّة الحكم فقط، بل في إيجادِ مخرجٍ نحو تحالفاتٍ دولية تكفل استمراريته وتعطيه الفرصة للعب دور ما في المنطقة.

من هنا، بدأ فصلًا جديدًا في منطقة الشرق الأفريقي، من إريتريا التي رحَّب رئيسها بهذا الحلف المنقذ. فكانت النتيجة أن استثمرت قطر في علاقتها مع أفورقي، لتُعيد صياغة المرحلة؛ أولاً، بنزع فتيل الأزمة العالقة بين أفورقي والرئيس السوداني عمر البشير، عبر تسوِّية الملف الأمني العالق بينهما؛ فأفورقي قطع، وقتها، علاقاته بالسودان، وأغلق سفارته في اسمرا في العام 1994، مُتَّهِماً الخرطوم بدعم وتصدير الجماعات الجهادية عبر الأراضي السودانية إلى الداخل الإريتري؛ وتبنى القوى المعارضة لنظام البشير، متمثِّلةً في الفصيل الأقوى حينها (الحركة الشعبية لتحرير السودان)، بقيادة الزعيم الراحل جون قرنق، الذي كان قد بدأ، بدوره، في تحقيقِ انتصاراتٍ في صراعه مع حكومة الشمال، على المستويين الداخلي والدولي حينها؛ بل أصبحت الحركة الشعبية خطرًا يُهدِّد استقرار حكومة الخرطوم، خاصة بعد أن فتح أفورقي الطريق أمامها للعمل من داخل إريتريا، إلى جانب قوى المعارضة السودانية الأخرى، مثل حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي، والحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان المرغني، والحزب الشيوعي السوداني، وغيرها من الأحزاب والتنظيمات السياسية والعسكرية والنقابات التي كوَّنت (التجمع الوطني الديمقراطي)؛ فكان لابدَّ من تسوية هذا الملف أولاً وقبل كل شيء، وإيجاد صيغة تصالحية بين أفورقي والبشير.

التسوية التاريخية:

وبالفعل، كان ذلك، وجاء البشير إلى اسمرا في زيارة التسوية التاريخية بينهما، والتي بدأت بخروج المعارضة السودانية من إريتريا، وإعادة العلاقات بين البشير وأفورقي، في مقابل تحييد الخرطوم علاقاتها مع إثيوبيا وابتعادها عن الصراع الإثيوبي- الإريتري، وكذلك التضييق على المعارضة الإريترية في السودان إلى ما يقترب من طردها تمامًا من الأراضي السودانية. وبذلك، كان لأفورقي ما أراده من تأمين الجبهة السودانية من أيِّ خطرٍ حقيقي على نظامه. وتتالت بعد ذلك الاتفاقات الأمنية والاقتصادية بين الجارين (أعداء الأمس) ، واستمرت لسنواتٍ طويلة، قبل أن تعود إلى فتورها الواضح في الوقت الحاضر.

لكن، ماذا قدَّمت قطر بالمقابل إلى إريتريا، أو تحديدًا، إلى الرئيس أفورقي؟.حتى بعد أن فتحت الدوحة بابها على مصراعيه، لتتحوَّل إلى ما يشبه المزار لأفورقي، حين كان (أحوج) ما يكون إلى منفذٍ نحو المشهد السياسي الإقليمي والدولي بعد أن فرض عليه حصارًا خارجيًا وضُيِّق عليه في الداخل بما يهدِّد سلطته، حينها جاءت قطر لتنقذه، فلم يتردَّد في التخلُّص من الأصوات المعارضة له، ومن داخل حزبه وحكومته؛ فزجَّ دونما تردُّد - في العام 2001 - بأعضاء حزبة الإصلاحية ما عرفوا حينها - ولا يزالوا - بمجموعة الـ(15)، التي تتكون من وزراء دولة ومسؤولين وكوادر قيادية عليا في الحزب الحاكم، وألقى بهم دفعةً واحدة في معتقلاتٍ لا نجاةَ منها، يمكثون فيها حتَّى اليوم؛ ما أدَّى إلى مزيد من التضييق الدولي على حكومته؛ حيث فُرِضت عليها عقوباتٌ دولية من قبل مجلس الأمن الدولي، وأُتهمت بدعم حركة شباب المجاهدين الصومالية المتطرفة بالسلاح في العام ٢٠٠٩.

قبل التحول الدراماتيكي:

والحال كذلك، كان لقطر دورًا كبيرًا في نزعِ فتيل الأزمة الحدودية المُفتعلة؛ بين إريتريا وجارتها جيبوتي على منطقة (رأس ديميرا)، وكادت حكومة اريتريا أن تخوض بسببها حربًا جديدة، لولا أن قطر سارعت بالتدخل عمليًا فنشرت وحداتٍ عسكرية - على الارض - في منطقة النزاع بين الجانبين، انسحب منها لاحقاً، وبطريقةٍ سرية، إثر اندلاع الأزمة الخليجية وحصار قطر.

بالعودة إلى الدور الطموح الذي كانت قطر تسعى جاهدةً إلى لعبه في المنطقة، هناك قراءات عديدة يمكن الوقوف عليها، في محاولة لمقاربة التطورات الأخيرة وما آلت إليه العلاقة بين الدوحة وأسمرا. ففي ظلِّ الحصار الخليجي على قطر، وما ترتب عليه من الكشف عن ملفَّاتٍ كثيرة بعد أن ظلت رهينة التعتيم والكتمان؛ خاصة فيما يلي العلاقة القطرية الإيرانية، ودور الأولى في تعزيز نفوذ الثانية في منطقة الخليج، في مقابل تأمين خط دفاع لها من قبل إيران، إذا ما تعرَّضت لخطر ما، مثلما هو الحال.

من هنا، بدأ الحديث عن علاقة (إيرانية - أفورقية)؛ حيث أحاطت الاتهامات بحكومة أسمرا بدعمها للحوثيين، وتأمين معسكرات لتدريبهم في إريتريا وتمرير الأسلحة غليهم عبرها، وتمهيد الطريق أمام إيران نحو (باب المندب) لتعزيز وجودها هناك، وفي اليمن تحديدًا، عبر الحوثيين؛ وربما كانت هذه العلاقة برعاية قطرية.

عداء متبادل وحليف مؤقت آخر:

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما الذي حدث بين قطر وأفورقي! وكيف تحوَّلت علاقة التحالف ذات المصالح المشتركة - والتي بدت بعيدة المدى وقوية، إلى حالةٍ من الفتور، ومن ثمَّ الانقطاع والعداء ؟

في محاولةٍ لإيجاد إجابة منطقية، يتعين علينا أن ننتبه إلى طموح أمراء قطر - من الأب إلى الأبن - وما يقابله من توافقٍ مع طموح الرئيس أفورقي في التحوُّل إلى قوة مؤثرة وفاعلة كل في محيطة ومنطقتة، ولكن الاختلاف الجذري بينهما، وهذا غالباً ما يكون أمير قطر ومن خلفه إيران وحلفاؤهما في المنطقة قد غفلوا عنه، هو أنَّ أفورقي الصاعد إلى سدَّة الحكم في واحدةٍ من أكثر بلدان منطقة الشرق الأفريقي أهمية من الناحية الجيوستراتيجية والجيوبولتيكية هو ابن تجربة مختلفة، تستندُ إلى إرث طويل من الصراعات والنزاعات، الخفيِّ منها والمُعلن؛ صراعات صنع منها أفورقي، وعلى مدى عقودٍ امتدت من الثورة إلى الدولة، نموذجاً متفرِّداً في التسلط والهيمنة عبر القوة القاهرة والقبضة الحديدة، والقضاء على خصومه، وخصومه المُحتملين قضاءً مبرمًا دونما هوادة. وهو أيضاً - أي أفورقي - يفتقر إلى الثروة والمال، لذلك ومع حالة الحصار الدولي الكبير عليه، يسعى دوماً إلى خلق تحالفات جديدة تتواءم مع التغيُّرات التي يمكن أن تؤثر على وجوده.

بناءً عليه، لم يتردَّد أفورقي في الترحيب بالعلاقة مع المنافس الأقوى لقطر في المنطقة (الإمارات العربية المتحدة)، والأكثر عطاءً وسخاءً - على ما يبدو - حيث تحدَّثت الأنباء وأفادت الاخبارالواردة من اسمرا أن مشروعات استثمارات طويلة المدى تضخها الإمارات في اريتريا، يصل أجل بعضها إلى (30)عاماً، يتم بموجبها استخدام الإمارات للموانئ الإريترية، مقابلَ عائد مالي كبير لحكومة أفورقي، ونسبةٍ من أرباح هذه الاستثمارات، ومن هنا، بدأ توتر العلاقات بين أفورقي وقطر.

إلى ذلك، ورغم التصعيد غير المُعلن بين أفورقي وقطر، إلَّا أنَّ حكومة اسمرا كانت عبَّرت مراراً عن قلقها واستيائها مما أسمته محاولات قطر دعمَ بعض التيَّارات المعارضة لها، سعياً لإسقاط نظامها، وعليه فإن ما يهمنا هو الإجابة الأسئلة الموضوعية المطروحة في الساحة، حول تداعياتُ هذه العلاقة؛ وطبيعة التحالفات التي يبرمها الرئيس أفورقي مع القوى المتصارعة في المنطقة، وما التأثيرات المباشرة لهذه التحالفات على الداخلِ الإريتري، شعباً ومعارضةً ؟ وكيف لعبت قطر الدور الكبير في تحويل أزمة الداخل الإريتري لصالح حكومة أفورقي، في مرحلةٍ سابقة! وكيف تسعى قطر- التي خرجت من إريتريا بنفس السرعة التي دخلتها - إلى إعادة ترتيب سياساتها في المنطقة، بعد أن أعلن أفورقي اصطفافه إلى جانب دول التحالف الخليجي فيما يتعلق بالأزمة القطرية الأخيرة ؟
كل ذلك يحتاج إلى حلقات أخرى.

الى اللقاء... فى الحلقة القادمة

Top
من اجل تحسين تجربة التصفّح موقعنا الإلكتروني More details…