افادات شاهد العصر دان كونيل عن بواكير انضمام أسياس أفورقي الى الكفاح المسلح - الجزء الرابع

بقلم المهندس: موسي عَوِلْ خير - كاتب إرتري

سياسات حزب الشعب The Politics of the People’s Party

يقول السيد كونيل: خلال السنوات الأولى للتنظيم كان أسياس أفورقي زعيماً لحزب الشعب والجبهة الشعبية معاً،

دان كونيل و أسياس أفورقي

وكان رمضان محمد نور الرجل الثاني فى الحزب والتنظيم أيضاً، وقد شكلوا مع ستة آخرين أو نحو ذلك قيادتي الحزب والتنظيم، وبشكل عام فإن اللجنة المركزية المصغرة للحزب كانت تمثل المكتب السياسي للتنظيم طوال حياتها، عندما دخل الكفاح المسلح إلى مرحلة جديدة من التوسع في عام 1975، وبدأ جيش التحرير الشعبي في النمو بسرعة، كان من اللازم ايجاد قيادة متميزة للحزب، لذا تم تكليف هيلي وولدتنسائي والأمين محمد سعيد بتطوير البرنامج السياسي والتنظيمي.

في عام 1976 وبحضور حوالي 150 عضواً عقد المؤتمر الأول للحزب بشكل سري في تلك المنحدرات شمال العاصمة أسمرا بالقرب من قرية (مرارا) الصغيرة، حيث اعتمد المؤتمرون برنامج سياسي اشتراكي على المدى الطويل وأجندة ديمقراطية وطنية حتى تحرير البلاد، كما تم انتخاب لجنة مركزية أختير أسياس أفورقي أميناً عاماً لها ورمضان محمد نور الأمين العام المساعد، وتثبيت هيلي ولدتنسائي والامين محمد سعيد فى أدوارهما السياسية والتطويرية بالاضافة الى تكليف هيلي درع بإنشاء مدرسة الكادر.

في يناير 1977 عقدت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا مؤتمرها التنظيمي الأول، واعتمدت برنامجًا ديمقراطيًا وطنيًا صاغه أعضاء الحزب وفقاً لما تم اعتماده فى مؤتمر الحزب المنعقد فى العام الذي قبله، كما قام الحزب بتقديم قائمة قيادية تم قبولها بشحمها ولحمها دون أية تعديلات، وقد تم اختيار لجنة مركزية من 37 عضواً ليختاروا منها المكتب السياسي المكون من 13 عضواً هذه المرة برئاسة رمضان محمد نور وأسياس أفورقي نائباً له وهيلي ولدتنسائي مسئولاً للقسم السياسي والأمين محمد سعيد للعلاقات الخارجية.

بعد المؤتمر الأول مباشرة بدأ التنظيم يعمل بشكل منضبط، حيث تم تقسميه الى جناحين (عسكري - مدني أو جماهيري) فبدأ التنظيم فى إعادة صياغة أعضائه لتغيير المجتمع ككل، وتبدأ عملية الغسيل brainwashing هذه من معسكر التدريب الذي يستمر ستة أشهر ثم تتواصل العملية داخل الوحدات حيث يلتقى المقاتلين ثلاث مرات أسبوعيًا لتلقي التثقيف السياسي يقدمه كادر يرافق الوحدة العسكرية، يختلف محتواه وفقًا لقضايا الساعة، وقد تمت هذه التربية السياسية وفقاً للمنهج المعد مسبقاً فى كتاب قام بإعداده حزب الشعب بعنوان: التثقيف السياسي العام للمقاتلين، وجاءت خلاصة الفصل الأخير على النحو التالي: "إذا كنت تقاتل ضد الإمبريالية كشعب موحد، ينظمه ويقوده العمال، فأنت تتقدم نحو الاشتراكية" وكتب على الغلاف الخلفي شعار: "جيش بلا أيديولوجيا ثورية كرجل بلا دماغ، وإن جيشًا بلا دماغ لا يمكنه أبدًا هزيمة العدو".

كانت للحزب هياكله الخاصة: مدرسة الكادر، المكتب السياسي، اللجنة المركزية، الإدارات الإقليمية، والفرق بينه وبين التنظيم فقط فى حجم الهياكل، فهياكل الحزب كانت أصغر حجماً، وبالرغم من وجود هذه الهياكل إلا أن الحزب لم يكن يمتلك مكاتب خاصة به حيث كان يعمل دوماً من خلال مكاتب التنظيم نفسها.
كانت تدخلات الجبهة الشعبية الأكثر حسماً على المستوى الاجتماعي في مجالات الإصلاح الزراعي، ودمقرطة القرى والمساواة بين الجنسين، قام المنظمون بمراجعة حيازة الأراضي في الريف الإرتري، ثم بدأوا بإعادة تنظيمها على أساس أكثر مساواة، وذلك من أجل تمكين الأغلبية المحرومة من خلال آليات اجتماعية وسياسية جديدة تمامًا، كان لكوادر الحزب دور فعال في تنفيذ هذه السياسات، في حين أن العملية نفسها كانت بمثابة أرضية لتجنيد واستقطاب أعضاء جدد للحزب، كانت تجرى انتخابات القرى كل ثلاثة إلى أربعة أشهر، حيث تعلم الناس تقييم أداء مسؤوليهم الجدد وإزاحة أولئك الذين لم يرقوا للمستوى المطلوب، كما تم منح المرأة الحصة التي تستحقها في المجالس، وتم إصلاح قوانين الزواج لتحرير النساء من الترتيبات التي أبقتهن في الكثير من الحالات في عبودية مدى الحياة، وقد أثارت هذه التدابير وغيرها عداء بعض المحافظين، لكنها كانت مصحوبة بتوفير الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والرعاية الصحية - التعليم المبكر للأطفال - محو الأمية لدى الكبار - الإرشاد الزراعي - المساعدة البيطرية... الخ، الأمر الذي ساعد على وقف التذمر من قبل أولئك الذين تقلصت صلاحياتهم، كما حاولت جبهة التحرير الطعن فى وطنية هذه التدابير والبروز المتزايد للمرأة في الشؤون الاجتماعية والسياسية.. انتهى كــــــــلام السيد كونيل.

تعقيب - حزب الشعب بين النظرية والتطبيق:

بالنسبة لثورة شعب لا تزال تبحث عن نفسها، من الطبيعي أن تفكر قيادة هذا الحراك الثوري عن الحاضنة الفكرية التي تمكنها من خلق المظلة المناسبة والتي من شأنها المساعدة فى الحصول على الأدوات والوسائل اللازمة للوصول الى أمة موحدة ومتماسكة، وتتعدد هذه الحواضن والمظلات بتعدد الزمان والمكان، وهي ليست غاية فى نفسها بل وسيلة لغايات أعظم، أو هكذا يجب أن تكون، لذا من الأهمية بمكان وقبل اختيار الحاضنة الفكرية المناسبة إجراء دراسات معمقة للمجتمع برمته وصولاً للتشخيص السليم للخلل المراد معالجته أولاً ثم النظر فى العلاج المناسب وبالجرعة المناسبة لا يتسبب فى أضرار جانبية قد تتطور لتصبح داء عضال لا يرجى بُرْءهُ (الدولة الارترية الفاشلة نموذجاً).

وبناءً على ما تقدم، دعونا نطرح الإستفهامات الآتية:-

هل كان الهدف الرئيسي تحرير البلاد والعباد؟
هل كان الشعب الارتري فى حاجة لرافعة أسطورية تدفعه لتقديم المهج والأرواح؟
هل كانت حاجة الشعب الارتري لإدارة الصراع أم أدلجته؟
هل كان هناك خلل أصلاً يحتاج لمعالجة؟
هل تم اختيار الدواء المناسب؟
هل كانت الجرعة مضبوطة أم زائدة؟ علاجية أم قاتلة؟
باختصار، هل كانت الجبهة الشعبية (حزب الشعب) ديمقراطية حتى تعمل على دمقرطة القري؟

لو تمكناَّ من تقديم اجابات حيادية ومنطقية وخاضعة لصوت العقل لهذه الإستفهامات، نستطيع القول بأننا قد رمينا حجراً فى البركة.

فى تقديري، ان الشعب الارتري لم يكن في حاجة لهذه الرافعة الأسطورية كي يستجيب القدر، فقد استجاب للذي نادى (بأيلول) على الناس زرافات ووحداناً دون أن تتدخل أية روافع فكرية وسياسية، لكننا لا نستطيع اغفال مواطن الخلل التي كانت فى حاجة الى معالجة، والخلل الأكبر كان يمثله ذاك الإصطفاف الطائفي الذي ورثناها منذ فترة تقرير المصير والذي كان سبباً فى ادخالنا إلى هذا النفق، بالاضافة إلى بعض الأمراض القبائلية والمناطقية والتي تعد أقل فتكاً وضراوة مقارنة بالطائفية المدمرة، إلاَّ أن النظرية الماركسية اللينينية التي تم استيرادها من على بعد سبعة آلاف كيلومتر (قمت بقياس المسافة على قوقل إيرث) كانت تكلفتها باهظة لو نظرنا إليها فقط بحسابات تكاليف النقل، وليتها توقفت على الخسائر المادية، فإن خسائرها السياسية والوطنية بل والمجتمعية كانت فوق ما نحتمل، لماذا؟ لأنه وبالنظر إلى واقع الشعب الارتري ورصيده التعليمي والثقافي والعقائدي نستطيع القول بأن اللينينية تعدُّ نقيضاً متطرفاً أكثر من تطرف المجتمع الارتري عقائدياً (التعايش الديني فى ارتريا يعد نموذجاً قبل أن يتم استخدامه فى الاستقطاب السياسي) لذا نقول: كان من الأفضل ترك الخلل على ماهو عليه بدلاً من الإتيان بنظرية أكثر تطرفاً تسببت فى إحداث عطب كبير لا يمكن إصلاحه، هذا صوت المنطق.

ديمقراطية حزب الشعب: هل قام حزب الشعب بالسماح بممارسة أي شكل من أشكال الحريات داخل تنظيم الجبهة الشعبية؟ ولماذا؟

يقول (كجيتيل ترونفيل) و (دانيال رزني) فى كاتبهما بعنوان: الثكنة العسكرية الافريقية the African garrison state ان الامة الارترية الوليدة من المؤسف أن تكون محمية من الدكتاتورية بحركة تحرير ماركسية لينينية خالية من أي تجربة ديمقراطية، وقد تم تشكيل الثقافة السياسية عبر عقود من الحروب وفق سياسات مبنية على عقيدة أيديولوجية تفتقر لأي اعتبار لحقوق الانسان.. والكلام للكاتب: دانيال رزني وشريكه، ويقول قائم كبرآب: ان البذور الاولى للدكتاتورية فى ارتريا تم زراعتها فى المرحلة الاولى من عمر الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا عندما تم تصفية حركة المنكع التي بدأت تواجه الطغيان فى 1973م.

فى تقديري، هذا الواقع ناتج عن التطبيق الدقيق للنظرية التي بني عليها الحزب، بل تم تطبيق كل أشكال القبح الماركسي، ليس ابتداءً بـ (غولاق) ستالين، مروراً بـ (سكيوريتات) تشاوشيسكو وليس انتهاءً بمعتقلات أفورقي، ومن المؤسف أن بعض الجوانب الانسانية المضيئة للاشتراكية والتي تم تنزيلها على أرض الواقع مثل محاربة القبائلية والمناطقية والطائفية وتحرير المرأة من بعض العادات الاجتماعية الضارة فى بعض المجتمعات الارترية (وليس جميعها) لم تصمد طويلاً أمام هذا الطوفان الجارف من الكبت والتنكيل الأمني الماركسي، لتتبدد هذه النقاط المضيئة تاركة وراءها كل تلك العاهات ندوباً سوداء على جسد الأمة لا تزال تعاني منها.

يبدو أن الجرعة كانت زائدة أدت لموت المريض !!

أعتقد جازماً ان كفاحنا المسلح كان فى حاجة لإدارة الصراع أكثر من حاجته للأدلجة يميناً أو يساراً.

ملخص التثقيف السياسي يقول:

"إذا كنت تقاتل ضد الإمبريالية كشعب موحد، ينظمه ويقوده العمال، فأنت تتقدم نحو الاشتراكية" كنت أتمنى أن تكون خاتمة الكتاب على النحو التالي "اذا كنت تقاتل ضد الظلم والاستبداد فأنت تتقدم نحو الحرية والوطنية" لذا أعيد السؤال وأترك لكم الإجابة: ماذا كان الهدف الأساسي؟ الوطن أم الأيديولوجيا؟.

تجاوز طور الشرنقة ثم الإنطلاقة:

يقول السيد كونيل: في عام 1977م كان الجيش الإثيوبي فى حالة انهيار حيث بدأ تحرير البلاد يلوح في الأفق، إلا أن الحركة الوطنية ظلت منقسمة بشدة، كانت الوحدة السياسية تتصدر اهتمام الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا وجبهة التحرير الإريترية وكافة قطاعات المجتمع، لكن الجبهتين لم تحرزا تقدماً يذكر تجاهها، أجريت المفاوضات بين الطرفين دون احراز أي نتائج دائمة، فشلت محاولات عديدة للتنسيق العسكري على خطوط القتال الأمامية، بما في ذلك الهجمات المشتركة على العدو والتي أدت إلى اتهامات متبادلة استهدفت بالدرجة الاولى جبهة التحرير الإريترية التي كانت هياكلها القيادية ضعيفة، أما مقاتلوها افتقروا إلى الانضباط فظلوا يترنحون تحت ضربات نظرائهم في الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا.

المحادثات الوحدوية التي أجريت بشكل متقطع حتى أواخر السبعينيات لم تتجاوز المستوى الرسمي، لأن كلاً منهما تشبثت بنقاط القوة لديها، كانت الجبهة الشعبية تفضل عملية تنسيق وحوار تدريجية على جميع المستويات من أجل بناء جبهة موحدة تبدأ من الأسفل، وبدلاً من ذلك، فإن جبهة التحرير الإريترية طالبت باتفاق يجمع القوتين من خلال مؤتمرعام دفعة واحدة يتم فيه التمثيل لكل تنظيم وفقًا لحجم عضويته، لتعكس هذه المواقف المصالح التنظيمية الواضحة لكل طرف، حيث أن عضوية الجبهة الشعبية المسيسة بشكل متميز، سيكون لها الغلبة على جبهة التحرير الإريترية في لقاءات سياسية طويلة ومتدرجة، في حين أن جبهة التحرير الإريترية بأعدادها الكبيرة ستكون لها الغلبة فى حال اقامة مؤتمر جامع، كان هذا الاختلاف متسقًا مع طريقة كل تنظيم في التعامل مع الأمور السياسية، لذا لم يتم حل المعضلة السياسية أبدًا.

فى هذه الأثناء، فإن التراجع الاستراتيجي فى عام 1978 كان دافعاً لإعادة التفكير في الاستراتيجيات والتكتيكات العامة لحزب الشعب والجبهة الشعبية لتحرير ارتريا وتعديل مناهجهما في التحول الاجتماعي، لم تكن هناك انشقاقات مفاجئة فى التنظيم، ولكن كان هناك رغبة متسارعة فى جعل الحركة أكثر (إرتريةً) على المستويات التنظيمية والسياسية والأيديولوجية، ليس فقط بسبب الانخراط المباشر للاتحاد السوفيتي فى الصراع، ولكن أيضًا السياسة الدولية لبقية دول العالم الاشتراكية وغير الاشتراكية، لتصل الحركة الى قناعة تطابق المثل القائل: ما حك جلدك مثل ظفرك، ولدعم العمل السياسي المكثف، أعادت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا فتح مدرسة الكادر - التي كان يديرها حزب الشعب - حيث قامت بتدريب أكثر من 400 متدرب جديد من 1979 إلى 1982، مقابل 266 في 1975.

بالرغم من كل محاولات التقارب إلا أن الانقسام ظل سيد الموقف فى الميدان لدرجة أنه كاد أن يبتلع الثورة كلها، وبنهاية عقد السبعينات فإن كافة محاولات الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا لإحياء محادثات الوحدة مع جبهة التحرير الارترية باءت بالفشل، وبحلول عام 1980م كانت التوترات بينهما قد وصلت ذروتها، وازداد عدد الاشتباكات المسلحة بين الجبهتين بشكل مطرد، حتى أنه مع استعدادات الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا لجولة أخرى من القتال مع إثيوبيا، فإن جبهة التحرير الإريترية لم تكن فى الخطوط الأمامية، في ربيع عام 1981 اندلعت الحرب الأهلية مجدداً حيث تم طرد جبهة التحرير الإريترية من البلاد بالكامل، وبالرغم من أن انهيار جبهة التحرير سمح للجبهة الشعبية بتوجيه كامل قوتها نحو إثيوبيا للمرة الأولى، إلا أنها فى الوقت نفسه ضغطت على الموارد السياسية والعسكرية للتنظيم والحزب، حيث ضاعفت حجم عملياتها ثلاث مرات، كما قامت فى العام 1982 وحده وخلال واحدة من أكثر الحملات العسكرية الاثيوبية وحشيةً والمعروفة بإسم (النجم الأحمر)، قامت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا بتنظيم أكثر من 550 لجنة قروية جديدة.

في هذه الأثناء، توقفت الجبهة الشعبية عن تقسيم منظماتها الجماهيرية على أساس طبقي، وقد اتخذت هذه الخطوة أولاً بسبب توسع منطقة عملياتها العسكرية، وثانياً بسبب الحاجة إلى تسوية آثار الجفاف الذي ضرب البلاد، وكذلك لأن بعض قادة الحزب بدأوا ينظرون إليها على أنها تطبيق آلي للسياسة الصينية، ومع ذلك، كان هناك تأكيد متجدد على التنمية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق المحررة وشبه المحررة.

ظل إصلاح الأراضي في صميم عمل التنظيم خصوصاً في المرتفعات المكتظة بالسكان حيث كان يُنظر إليه على أنه نقطة انطلاق الثورة الاجتماعية، ابتداءً من عام 1981 تم تنظيم فرق المساعدة المتبادلة بين الفلاحين الفقراء لزيادة حجم أنشطتهم الزراعية وفعاليتها من حيث التكلفة، وعلى الرغم من المشاكل المتعلقة بالموارد والتسهيلات اللوجستية وفي خضم حملة عسكرية إثيوبية أخرى حتى عام 1983، فإن الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا جددت جهودها لتحسين الإنتاجية الريفية من خلال الإرشاد الزراعي، والمساعدة في تربية الحيوانات، ومشاريع تنموية أخرى مثل تربية الدواجن و البستنة التي تديرها المنظمات الجماهيرية، كما تم إنشاء التعاونيات الاستهلاكية وصناديق القروض التمويلية لتمويل مشاريع البنية التحتية القروية، إلا أن المشروع الأكثر فعالية في النصف الأول من الثمانينيات كان برنامج الصحة العامة الذي تم بموجبه تدريب العشرات من الممارسين الصحيين القرويين التقليديين والقابلات وربطهم بشبكة وطنية للطب الوقائي والعلاجي، وطوال الوقت كانت الكلمة المفتاحية الاعتماد على الذات تحت شعار: القيام بالمزيد من الجهود بالقليل من الموارد والامكانات، وفي وقت لاحق ظهرت بصمة حزب الشعب بشكل جلي في هذا التكيف السريع مع الظروف الكارثية التي تعيشها الساحة الارترية، ولكنا نحتاج الى اعادة كتابة دور حزب الشعب فى هذه الأحداث بشكل أكثر تفصيلاً، وطرح أسئلة على شاكلة: كيف ومتى وأين ومتى اجتمع قادة الحزب؟ كيف كانوا يتوصلون مع الكوادر الوسيطة والاذرع الحزبية؟ من هم اللاعبون الرئيسيون في الحزب في هذا التوقيت؟ ما هي الدروس التي استخلصوها من تجربتهم الجديدة في الميدان وعلى المستوى الدولي؟ كيف تطور الخط السياسي للحزب خلال هذه الفترة المضطربة؟ ما هي المعايير التي تم استخدامها لاختيار أعضاء جدد أو الترفيع إلى مستويات أعلى فى قيادة الحزب؟ كيف أثر النمو السريع في الأعداد على الانضباط الداخلي للحزب والتماسك السياسي؟ ...الخ انتهى كــــــــلام السيد كونيل.

توضيحات: من خلال هذه الحلقة يتضح لنا أنه وبمنتصف عقد السبعينات فإن حزب الشعب الثوري أو (أسياس أفورقي فهم وجهان لعملة واحدة) قد حسم محاولات الاصلاح الداخلي - يساره ويمينه - لصالحه، وذلك إما بالتصفية الجسدية أو الاعتقال والتغييب القسري، وفور الانتهاء من هذه المهام الداخلية واستتباب الأمر للدكتاتور الذي لا يزال فى طور التشكل، بدأ يفكر فى التخلص من العائق الأكبر (جبهة التحرير الارترية)، فبينما كانت جبهة التحرير الارترية فى النصف الثاني من عقد السبعينات تخوض حرباً شاملة ضد العدو الاثيوبي حيث لم يتبقى من تحرير كامل التراب الارتري سوى العاصمة والمينائين بالاضافة إلى مدينة بارنتو فى كامل المنطقة الغربية، كان التنظيم الوليد يعد العدة للانفراد بالساحة الارترية ولم تكن تلك المفاوضات الوحدوية التي كان يجريها مع جبهة التحرير الارترية سوى مماطلة وكسباً للزمن حتى يقوى عوده ويشتد ساعده، ولو كان جاداً فى التقارب مع الشريك الثوري ربما انتهى أمر تحرير كامل التراب فى تلك الفترة، وهذا ما لم يكن مرغوب فيه من جانب التنظيم الوليد كي لا يتشارك الوطن المحرر مع كافة أطياف الشعب الارتري (كما يفعل الآن) لذا ظل يناور بهذه المفاوضات تارة، ويشن بعض الهجمات العسكرية تارةً أخرى، ربَّ قائل: حتى جبهة التحرير الارترية لم تكن ترغب في الوصول الى وحدة السلاح بين الثوار، وكفى بنا رداً على مثل هذا ما ذكره السيد كونيل (والحق ما شهدت به الأعداء) حين قال: كانت الجبهة الشعبية تقترح حواراً مطولاً للوصول الى تفاهمات قبل الوحدة الشاملة، بينما جبهة التحرير كانت تقترح مؤتمر وحدوى عاجل وشامل بين التنظيمين يمثل فيه كل طرف حسب جماهيريته، وهنا يمكن أن يقول البعض: بأن جبهة التحرير قدمت هذا المقترح نظراً لجماهيريتها الكاسحة فى تلك الآونة وأنها لا محالة ستحسم الأمر لصالحها، لذا نقول: يكفي جبهة التحرير شرفاً أن أرادت إجراء أول تمرين ديمقراطي بين فصيلين مختلفين قد يضع اللبنة الأولى للممارسة الديمقراطية السليمة فى دولة ما بعد التحرير، ومن بين الاتفاقيات العبثية التي لا تساوي الحبر الذي كتبت به:-

• اتفاقية سبتمبر 1976م بين جبهة التحرير الارترية وقوات التحرير الشعبية والتي كانت تنقسم قيادتها الى البعثة الخارجية بقيادة عثمان صالح سبي واللجنة الادارية بقيادة أسياس أفورقي، وبعد أن تم التوقيع على الاتفاقية الوحدوية بين التنظيمين، تم رفض نتائجها من قبل اللجنة الادارية بحجة أن الوفد الذي كان يمثل قوات التحرير الشعبية والمكون من (عثمان صالح سبي - محمد سعيد ناود - طه محمد نور - أسمروم تسما) لا يمثل قوات التحرير الشعبية وقد صدر بذلك بيان من قبل اللجنة الادارية معلنين فيه بأن البعثة الخارجية لا يمثلون قوات التحرير الشعبية (وربما كانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير وأدت الى ظهور قوات التحرير بنسختها الجديدة والتي اشرنا لها فى الحلقات السابقة) وهكذا تم وأد الاتفاقية فى مهدها.

• اتفاقية اكتوبر 1977م بوساطة سودانية صومالية برئاسة نائب الرئيس السوداني أبوالقاسم محمد ابراهيم من الطرف السوداني، وأحمد سليمان وزير الامن القومي من الطرف الصومالي، قامت فيها الوساطة بدعوة التنظيمات الثلاثة (جبهة التحرير وقوات التحرير والجبهة الشعبية) ورفضت الجبهة الشعبية مشاركة قوات التحرير الشعبية حتى أن المندوب الصومالي وجه لهم سؤال: هل لكم استعداد للتفاوض مع العدو الاثيوبي لو توفرت وساطة؟ فأجابوا بنعم، فقال لهم: اذن كيف لا تتفاوضوا مع فصيل ارتري اصيل ومشارك وله وجود فى الساحة الارترية، وعندما أصر وفد الجبهة الشعبية على عدم مشاركة قوات التحرير الشعبية خرج المناضل الوطني/ عثمان صالح سبي من المفاوضات ليصدر بياناً أعلن فيه انسحابه وقال: يتمني التوفيق للتنظيمين ولو نجح الاتفاق بينهما أنه على كامل الاستعداد لحل تنظيمه والعمل معهما، وذلك لمعرفته الدقيقة بنوايا الجبهة الشعبية ونظرته الثاقبة وخبرته السياسية، وبالفعل تم توقيع الاتفاقية بين جبهة التحرير الارترية والجبهة الشعبية لتحرير ارتريا، ولم تكن الاتفاقية سوى حبر على ورق، لتنتهي بهجوم الجبهة الشعبية على جبهة التحرير الارترية فى العام 1980م.

هكذا تمكنت الجبهة الشعبية من إزاحة جبهة التحرير الارترية من الساحة بإستخدام ثلاثة وسائل وفق ما أراه وهى:-

1. المفاوضات العبثية لكسب الزمن حتى تتمكن من بناء تنظيمها.

2. المناوشات العسكرية التي كانت تتخذها ذريعة لعدم تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

3. إختراق جبهة التحرير الارترية من الداخل، وهذا كان العامل الحاسم فى المعادلة ولا أؤمن بنظرية أن الجبهة الشعبية ألحقت بجبهة التحرير الارترية هزيمة عسكرية كما قال لنا ذات مرة أحد الكوادر البارزة فى جبهة التحرير الارترية.

وبعد أن انفردت الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا بالساحة الارترية تفرغت لبناء تنظيمها لإعداده للمواجهة الحاسمة مع العدو الاثيوبي، لكنها بدأت بالمعركة المجتمعية، فشرعت فى بناء المؤسسات المجتمعية المنتجة فى الاراضي المحررة وشبه المحررة، وهذا هو الجانب المضئ فى النظرية الاشتراكية من وجهة نظري بالرغم من أنه يعتريه بعض أوجه الخلل أيضاً، ففي الوقت الذي تتفوق فيه على دعم الفقراء فى إطار برنامج العدالة المجتمعية، لكنها فى الوقت ذاته تفقر الأغنياء بإلغاء الملكية الفردية والتي تعد دافعاً أساسياً للسباق نحو التنمية الاقتصادية، لذا نجد كافة المجتمعات الاشتراكية مجتمعات فقيرة تعيش على الكفاف من أجل البقاء فقط ولا يسمح المجال لذكر نماذج وأمثلة.

لذا نقول: إن العدالة المجتمعية التي تتشدق بها الاشتراكية ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب.

وهكذا.. أدرك شهرزاد الصباح.

إلى اللقاء... في الجزء القادم بمشيئة الله

Top
X

Right Click

No right click