خاطرة... بمناسبة ذكرى الاستقلال

سماديت كوم Samadit.com

بقلم الأستاذ: زين العابدين محمد علي شوكاي - ستوكهولم السويد المصدر: عدوليس

من غرائب هذا الزمان أن تعيش شعوبنا التيه الذي وصفه القرآن الكريم، والكتب السماوية الأخرى، والأساطير القديمة، وأن نعيد إنتاج مآس كان الناس، وفي مقدمتهم نحن، نعتبرها جزءًا من التاريخ القديم علينا الاعتبار بها، وأخذ الدروس والعبر منها حتى لا تتكرر بشكلها المأساوي. من أوقعنا في هذه الدوامة، وهذا التيهان، من لعن الأرض فأجدبت، ليس في الحرث والنسل فقط، بل في إنتاج أبطال يتصدون لهذا التداعي وهذا الهلاك، يصرخون في وجه العاصفة، وإن كان عواء الريح العاتية لن يوصل صوتهم حتى لمن يقف بعيدًا عنهم مسافات قليلة.

من غرائب هذا الزمان أن فقدان المبادرة، وضياع البوصلة التي ترشدنا نحو الوطن هو الموقف السائد، لا أبطال، ولا أنصاف أبطال، بل كل ما نراه في المشهد هو تعطيل كل أدوات الإبداع والابتكار، مع أن العالم من حولنا كثرت فيه الإبداعات والابتكارات أضعافًا مضاعفة وفي كل المجالات والميادين. إلى من نوجه نقمتنا وغضبتنا... من سرق منا الفرحة في مثل هذا اليوم، يوم جلاء العدو من أرض الوطن، وأوقعنا في حالة يصعب أن يتمناها الإنسان لعدوه قبل الصديق، من أي باب وأي ثغر من الثغور تسللت مقدمات ما ستكون في المستقبل الكارثة. يبدو أنه وفي عشية جلاء العدو، في جنح الظلام، وفي كل ليلة من ليالي ما قبل الاستقلال وبعده، كانت هناك أياد خفية تنسج في جنح ذاك الظلام ما سيأتي علينا بالكارثة. ضحك البعض من البعض... سخر البعض من البعض... ساهم البعض في حرمان البعض من فرحة الحرية والاستقلال، ظنًّا من هذا البعض أنه يحافظ على إنجازات تنظيم أو جماعة، وفوجئ بأنه كان يحفر حفرته.... لكنه، غير مأسوف عليه، لم يوسع مراقد تلك الحفرة التي كان يحفرها لغيره بل عمقها وضيقها... وعند الوقوع فيها بنفسه، كان التكسير والغياب في ظلماتها مصيره... اللهم لا شماتة.

نحن الآن جميعًا نقف على قارعة طريق يؤدي بنا إلى المزيد من الهلاك والكوارث... تحيط بالوطن والمواطن الفواجع من كل حدب وصوب... ليس هناك وقت للتنابذ والتباعد والشقاق.... فإما أن تتوقف هذه الجماعة التائهة عن هذا العبث... وتوقف تكرار تلك الفواجع والكوارث بصورة من الصور... لأن الوضع وفي هذه اللحظة التاريخية والمفصلية هو "أن نكون أو لا نكون"، وإما أن يستمر هذا العبث بمقدرات العباد والبلاد. أما آن الأوان أن نوقظ ما تبلدت لدينا من أحاسيس ومشاعر... وينادي فينا مناد يخرج علينا من أوساطنا يدعونا لأن نلتف حول خارطة طريق واضحة المعالم نصل من خلالها إلى قلب البلاد والعباد. هذا الطريق موجود ومعبد بتضحيات أجيال متعاقبة، لكن الرمال التي زحفت من صحراء يأسنا وعبثنا دفنت معالمه... والبحث عنه مهمة شاقة ومضنية، ولكنها ليست مستحيلة.

والآن، دعونا إخوتي... أخواتي نفرد مساحة للتفاؤل والأمل الذي لا يعيش الإنسان إلا به وله. الوضع نعم كارثي... والمأساة عمت وتعمقت... واليأس سيد الموقف، لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وهو يبكي على ما سُكِبَ من لبن أو دماء... لا بد أن ينفضَّ سرادق العزاء الذي طال مكوثنا فيه... ونبني بديلًا عنه خيمة فرح قادم تظلل الجميع... ولا تحرم أو تنبذ أحدا. الكل جاء يبكي مأساته الخاصة في سرادق مآسينا العامة... والآن أكملنا البكاء ولم تعد هناك حاجة لهذا السرادق وذاك البكاء، بل علينا أن نلملم ما تبقى لدينا من ذكريات وكرامة... ونقف على أرجلنا للوقوف أمام هذه الريح العاتية فرادا وجماعات، نعم القول أسهل من العمل، لكنه "في البدء كان القول... والآن في الخندق ظهرت سمات الحمل" (1)، وما سيولد من هذه المأساة وهذه الكارثة لا بد أن يكون جميلًا وواعدًا، فكم من مآسي وتجارب قاسية في التاريخ ولَّدت الانتصارات.

(1) من قصيدة "بيروت" لمحمود درويش

Top
من اجل تحسين تجربة التصفّح موقعنا الإلكتروني More details…