رمضان لاجئي إريتريا في السودان معاناة مستمرة وتناسٍ دولي

بقلم الأستاذ: عبد القادر محمد علي - إسطنبول المصدر: الخليج أونلاين

بعيون يمتزج فيها الفرح بالأحزان، ينسج اللاجئ الإريتري في السودان، استفهاماً جديداً يضعه برسم الإجابة الدولية والإنسانية.

لاجئي إريتريا في السودان 2

بأي حال عدت يا رمضان؟! هو مجتمع من اللاجئين يغرق في البؤس والمعاناة التي تزيدها حرارة شمس الصيف التهاباً، وسط إهمال تام من المجتمع الدولي والمؤسسات المعنية، وغياب أي أفق لحل نهائي لأزمتهم المستمرة منذ أجيال.

إحصائيات:

يقابل الاتفاق على أن أولى الموجات الكبيرة للجوء الإرتري إلى السودان كانت عام 1967 معلومات متباينة فيما يخص أعدادهم؛ ففي حين يؤكد مسؤولون في منظمات إغاثية أن العدد يتجاوز 300 ألف لاجىء، فإن الناشط الحقوقي جعفر وسكة أكد لـ"الخليج أونلاين" أن العدد أكبر بكثير ويتجاوز المليوني لاجىء، بعضهم مسجلون لدى الأمم المتحدة، والجزء الأكبر منهم يعيش في 9 معسكرات بعيدة عن المدن شرقي السودان قرب الحدود مع إريتريا، وتفتقد هذه التجمعات إلى أبسط الاحتياجات الإنسانية؛ فبيوتها على سبيل المثال "عبارة عن مبانٍ شبيهة بالأكواخ، تتكون من فضلات البهائم التي يخلطونها بالماء، ثم يجففونها ويصنعون منها الطوب الأخضر ويلبسونها القش، لتشكل ما يعرف عندهم بالقطية (الكوخ)".

مائدة لاجئ:

يوحد الصائمين الجوع والعطش إلا أن الإفطار والسحور يأبيان إلا أن يفرقاهم! فشتان بين من يفطر على مائدة عامرة أو متواضعة وبين سحور هؤلاء المشردين وفطورهم؛ فوجبة السحور هنا تقتصر، بحسب الناشط الحقوقي جعفر وسكة، على طعام محلي فقير يسمى العصيدة (ثريد القمح) مع قليل من اللبن (الزبادي)، في حين أن الإفطار لا يقل عنه فقراً إذ يتألف من الكسرة (خبز رقيق) والآبري وهو شراب مشهور في السودان، ومنهم من يتسحر بالخبز والماء ويفطر عليه، و"المحظوظ من يأكل اللحمة أو يشم رائحتها في شهر رمضان المبارك، وما أقلهم!" على حد تعبيره.

لاجئي إريتريا في السودان 1 

وتعيش هذه المعسكرات أزمة غذائية طوال العام، وبحسب منظمات إغاثية فإن معدلات سوء التغذية تدنت فيها إلى 17.7%، وهي مستويات حرجة وفق المعايير العالمية المتعارف عليها، لكن هذه الأزمة تتجلى في رمضان بشكل أكبر، في ظل عجز كبير عن توفير مياه الشرب في المعسكرات البعيدة عن مصادر المياه الطبيعية، على حين تتدبر بعض المعسكرات الأخرى أمرها بالاعتماد على الأنهار أو الينابيع القريبة رغم تلوثها، بحسب ما أفاد سعيد عبد الرحمن، مدير المشاريع في منظمة إيثار للإغاثة لـ"الخليج أونلاين".

الآثار المحتملة:

ونتيجة لكل ما سبق تسود المخاوف في رمضان من ارتفاع عدد المرضى بالأنيميا (فقر الدم)، ويزيدها في الوقت ذاته فقر المعسكرات الشديد إلى مقومات العملية العلاجية من أدوية ومستوصفات وفرق طبية، وعجز سكانها عن الاعتماد على القطاع الطبي الخاص لفقرهم الشديد ولبعده عنهم؛ إذ تفصل هذه المعسكرات عن أقرب المدن إليها مسافة تقارب 90كم .

"الجنيه" يحول بين الصائم والماء البارد:

وممّا يزيد من معاناة الصائمين قدوم رمضان هذه الأعوام في فصل الصيف القائظ الحرارة، وانعدام وسائل الوقاية من أشعة الشمس اللاهبة؛ ممّا يجعل ألواح الثلج أداة التبريد الوحيدة وأكثر ما يحتاجه الصائم في هذا الشهر الفضيل، ولكن بحسب جعفر وسكة فإن الثلج "لا يمكن أن يشتريه إلا من كان مقتدراً؛ فالبيت الواحد يحتاج لثلج بعشرة جنيهات للإفطار، وزاد الحال سوءاً أن لوح الثلج قد ارتفع سعره أضعافاً مضاعفة؛ فبعد أن كان بـ15 جنيهاً أصبح بـ100جنيه".

كما تفتقر هذه المعسكرات إلى وجود مولدات كهربائية عامة يستفيد منها اللاجئ، ولذا فهو مضطر إلى "استخدام مولدات تجارية، وتلك تكون لمن استطاع إليها سبيلاً" بحسب جعفر وسكة.

منظمات الإغاثة حضور لا يفي بالحاجة:

كان استقلال إريتريا نقطة فاصلة في تاريخ تعامل الأمم المتحدة مع ملف اللاجئين الإرتريين حيث رفعت عن كاهلها عبء المسؤولية عنهم، ووضعته على كاهل السودان المثقل بفقره ومشاكله الخاصة، ومع إهمال الحكومة في أسمرا تُرك هؤلاء اللاجئون ليواجهوا مصيرهم منفردين.

وبحسب الناشط الحقوقي جعفر وسكة فإن "ما تقدمه المفوضية السامية للاجئ الإرتري في السودان هو الكرت الأصفر؛ وهو عبارة عن ورقة صفراء تثبت أن حاملها لاجئ، كما أنها تقدم لبعض اللاجئين من ذوي الاحتياجات الخاصة ما تعادل قيمته 4 دولارات في الشهر، وهو مبلغ لا يكفي ليوم أو يومين".

أما المنظمات الأهلية الإنسانية السودانية والإرترية وغيرها فإنها "تقدم بعض المساعدات في شهر رمضان المبارك وعيد الأضحي، وتعرف عند معظم اللاجئين بالمنظمات الموسمية، وما تقدمه هذه المنظمات، رغم قلته، يعين من يناله من اللاجئين على النوم وبطونهم رطبة" بحسب جعفر وسكة.

لكن سعيد عبد الرحمن، مدير المشاريع في منظمة إيثار للإغاثة ومقرها بريطانيا، كان له رأي آخر مؤكداً أن منظمته "إيثار للإغاثة" تتبنى مشاريع متنوعة تستمر فعالياتها طوال العام؛ كالمشاريع التعليمية وكفالة الأيتام والأسر الفقيرة وغير ذلك، لكن حدة المشاكل وضخامة الأعداد تحولان دون وصول أصداء هذه النشاطات كما ينبغي.

وفيما يخص رمضان تبذل إيثار، بحسب عبد الرحمن، جهوداً جبارة خلال الشهر الكريم على مستويين؛ أولهما "توعية المجتمع الدولي بقضية اللاجئين الإرتريين المنسيين، والذين يعانون الإهمال وعدم توفر الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء وماء شرب نظيف ومسكن وتعليم"، مستفيدة من إقبال المسلمين على عمل الخير في هذا الشهر الفضيل، وثانيهما مواجهة "المشاكل الأساسية في رمضان وهي قلة المواد الغذائية، هي مشكلة دائمة ولكن مع رمضان تكون الحاجة أمس، كذلك ماء الشرب الصالح والدواء، وتقديم المساعدات الأساسية من سلال إفطار رمضانية ووجبات للصائمين".

وبحسب سعيد عبد الرحمن ففي عام 2015 تمكنت مؤسسته "بالتعاون مع شريكاتها من المؤسسات الخيرية البريطانية من إطعام 30.000 لاجئ، وهذا العام تسعى لإطعام 50.000 لاجئ في 8 معسكرات للاجئين"، لكنه يؤكد مستدركاً أن "الجهود التي تبذلها إيثار مع شريكاتها لا تفي بأكثر من 20% من حاجيات المعسكر؛ نتيجة ضخامة عدد اللاجئين وتزايده المستمر بتدفق مزيد من اللاجئين بشكل يومي إلى الأراضي السودانية"، وبحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين فإن الأشهر العشرة الأولى من عام 2014 شهدت لجوء 10701 إريتري إلى السودان.

ومن الجدير بالذكر أن الحرب التي أدت إلى تشريد هؤلاء اللاجئين انتهت بنيل إريتريا استقلالها عام 1991، لكن لم يؤد هذا إلى تغيير حقيقي في أوضاع اللاجئين، بل فاقمت سياسة الحكومة في أسمرا من المعاناة بإهمالها لهم وبزيادة أعدادهم نتيجة الهروب المستمر من تعسفها في البلاد، بحسب تقارير أممية، حتى إن من ذهبوا إلى إريتريا بشكل طوعي بعد الاستقلال لم يلبثوا أن عادوا أدراجهم إلى الملاجىء؛ لأن الحكومة لم توفر لهم الوسائل والإمكانيات التي تعينهم على الاستقرار في البلاد، وفقاً لموظفين أممين.

والمفارقة المدهشة أن هذه الجموع التي ترتمي في أحضان العراء متمسكة بأهداب الأمل، هم أحفاد مؤسسي أول مفوضية حقوقية للاجئين في منطقة الحبشة، والتي استقبلت صحابة النبي الكريم محمد (ص). عانى الشعب الإريتري طويلاً من الاستعمار والظلم، ولكن لم ينله مقابل ذلك إلا عبارات الإعجاب والثناء التي لا تسمن أو تغني من جوع!

Top
X

Right Click

No Right Click