ضربة موجعة لدبلوماسية الجباية الارترية

بقلم الأستاذ: فتحي عثمان - كاتب وديبلوماسي سابق المصدر: الجبهة نت

سددت وزارة الخارجية الهولندية في السابع عشر من الشهر الجاري ضربة موجعة لدبلوماسية جباية المال الارترية وذلك بإعلانها

القائم بالأعمال الارتري تخستي قبر مدهن زموي شخصا غير مرغوب وعليه مغادرة البلاد في فترة محددة. أثار القرار تساؤلات في الاوساط المهتمة خاصة الجوانب الفنية والمهنية منه في ظل توارد منشورات تقلل من حجم القرار الدبلوماسي الهولندي، لذلك بادرت بالمساهمة في السجال بمدخل مهني يعتمد على خبرة العمل في المجال وإبراز بعض الجوانب الفنية والخفية في القرار مع ابراز تأثيره على علاقات البلدين.

بعد صدور القرار من وزارة الخارجية الهولندية قامت بعض الصحف والاذاعات بالإشارة إلى الدبلوماسي غير المرغوب فيه بصفة السفير، وبصفة دبلوماسي ارتري رفيع. الحقيقة أن الرجل كان يشغل منصب القائم بالأعمال المؤقت، وذلك بعد سحب سفير ارتريا السابق لدى هولندا والاتحاد الاوروبي محمد سليمان احمد وتعيينه سفيرا لارتريا في كمبالا. جرت العادة على أن يكون سفير دولة ارتريا في لدى الاتحاد الاوروبي هو نفس السفير المعتمد لدى هولندا. وحاليا يشغل منصب سفير ارتريا غير المقيم لدى هولندا السيد نقاسي تخلي كاسا. بالعودة إلى مسمي القائم بالأعمال، فهذا المسمى داخل البعثة الدبلوماسية (السفارة) هو الرجل الذي الثاني الذي ينوب عن السفير في حالة غيابه؛ وبذلك يمارس كل مهامه ويحصل على كل امتيازاته وحصاناته، وهو في هذه الحالة يسمي قائم بالأعمال مؤقت، وتسقط عنه الصفة بحضور السفير.

وهناك قائم بالأعمال دائم أو (جار)، وهو الذي يترأس البعثة الدبلوماسية التي لا سفير فيها والفرق بينه وبين القائم بالأعمال المؤقت أن الثاني يقدم أوراق اعتماده لوزير الخارجية ويمارس ناشطه بشكل دائم الى حين ترفيع التمثيل الدبلوماسي بدرجة سفراء. وباعتبار أن القائم بالأعمال هو رئيس البعثة الدبلوماسية؛ فأن الصحف عادة ما تشير اليه بلقب السفير. وبهذه الصفة يعتبر السيد قبر مدهن موظفا رفيعا في السفارة على عكس ما اشيع عنه (أنه مجرد دبلوماسي صغير)، لأن الإجراء الدبلوماسي الهولندي كان مقصودا به دبلوماسي ترقى درجته لدرجة سفير، وإلا فقد الإجراء معناه. فما هو المقصود دبلوماسيا بصفة ”الشخص غير المرغوب فيه هذه الصفة التي تقابلها التسمية اللاتينية (بيرسونا نون غراتا) تعرفها اتفاقية فيينا المنظمة للعلاقات الدبلوماسية ضمن المادة 9 والتي تنص على يحق للدولة المضيفة إعلان أي من اعضاء البعثة الدبلوماسية كشخص غير مرغوب فيه ودون إبداء الأسباب الداعية للإجراء (بتصرف).

إذن وبموجب القانون يحق للدولة طرد أي دبلوماسي من البلاد بناء على نص هذه المادة، ودون ابداء الاسباب لذلك. والعادة يتم طرد الدبلوماسيين لممارستهم انشطة تتنافي وصفتهم الدبلوماسية (لدواعي التجسس أو انتهاك القوانين المحلية كالعمل في المخدرات، أو انشطة غير قانونية أخرى). ولدينا تاريخ طويل من الإبعاد الدبلوماسي المتبادل بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة، وكذلك مؤخرا بين روسيا والولايات المتحدة بحيث وصل عدد الدبلوماسيين المبعدين إلى عشرات في بعض الحالات. وعادة ما تقوم الدول باستخدام المبدأ الدبلوماسي المعروف باسم (مبدأ المعاملة بالمثل)، فعندما قامت الإكوادور في عام 2011 بإبعاد السفير الامريكي لديها قامت الولايات المتحدة بطرد السفير الأكوادوري في واشنطن.

أما فيما يتعلق بالقرار الهولندي فإن وزير الخارجية الهولندي هالبي زيليسترا وصف القرار بأنه قاس ولا تلجأ اليه هولندا في العادة. وملابسات هذا القرار الهولندي الحاسم تعود إلى أن هولندا لا تعتبر تحصيل ضريبة الدخل الارترية نشاطا غير مشروع من حيث المبدأ، ولكنها تعتبر (الوسائل) التي تحصل بها وسائلا غير قانونية وتتنافي مع مهام البعثة الدبلوماسية والوسائل المشار اليها هي التهديد والابتزاز والحرمان من الحقوق (كالحصول على الخدمات القنصلية مثلا). وبنفس هذا الفهم كانت كندا قد ابعدت الدبلوماسي الارتري سمري قبرماريام عقبا مكيئيل من أراضيها بموجب المادة التاسعة من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية في مايو من عام 2013. وأول دولة اوروبية تستخدم هذه المادة بحق دبلوماسي ارتري كانت السويد التي قامت في سبتمبر من عام 2014 (بعد سنة وأربع أشهر من القرار الكندي) بإبعاد أحد الدبلوماسيين الارتريين من أراضيها.

بذلك تكون هولندا الدولة الثانية اوروبيا تستخدم هذا الإجراء ضد الدبلوماسية الارترية التي تستتر بالسفارات لجباية الضرائب من المواطنين في مخالفة واضحة لقوانين الدول المضيفة.

وتعود خلفية القرار الهولندي إلى أن الناشطين الارتريين أثبتوا بما لا يدع مجالا للشك بأن السفارة الارترية تقوم بتهديد المواطنين الارتريين وتجبرهم على دفع الضريبة المعنية. وفي ذلك قامت جامعة تيلبورغ الهولندية بعمل دراسة مسحية توصلت فيها إلى أن الارتريين لديهم مخاوف حقيقية من السفارة واجهزتها التابعة لها (الجالية ومنظمة شباب الجبهة الشعبية) وأن هذه الأذرع تمارس ضغوطا فعلية ومعنوية على الارتريين، مما يبث حالة من الخوف والرعب في اوساطهم. بعد ذلك وفي العشرين من ديسمبر الماضي قام البرلمان الاوروبي بمناقشة المسألة وانقسم النواب بين فريق يدعو لقفل السفارة الارترية في لاهاي وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وفريق آخر طالب بإرسال رسالة واضحة للحكومة الارترية في انتهاكها للقوانين المحلية. وبالفعل قامت الخارجية الهولندية باستدعاء السفير المتعمد من بلجيكا وسلمته رسالة حادة اللهجة بضرورة الكف عن ابتزاز وتهديد المواطنين الارتريين على الاراضي الهولندية، ولكن الرسالة ذهبت أدراج الرياح، مما دفع الخارجية لاتخاذ قرارها بإبعاد القائم بالأعمال وهي لم تتخذه إلا مضطرة وبعد أن أعيتها الحيل. من الناحية الدبلوماسية لا يعتبر القرار قطعا للعلاقات الدبلوماسية ولكنه يؤشر إلى تدهور حاد في العلاقات الثنائية، أما من الناحية العملية فعندما يكون التمثيل على مستوى قائم بالأعمال ويتم طرده فإن ذلك يربو إلى تجميد العلاقة الدبلوماسية.

هناك دول اوروبية وجهت رسائل حادة اللهجة للبعثات الدبلوماسية الارترية على اراضيها وليس من المستبعد على المدى القريب أو البعيد أن تقوم باتخاذ نفس الإجراء الهولندي ضد الدبلوماسيين الارتريين وهي بريطانيا وسويسرا والنرويج. على الضفة الأخرى ليس من الوارد أن تقوم الدبلوماسية الارترية بتغير سلوكها لأن هذه الضريبة تمثل الدخل الوحيد (الثابت) في ظل غير غياب المدخلات الاقتصادية.

في الختام لا يفوتنا أن نشير إلى أن القوانين يمكن أن تحمي المواطنين الارتريين من التهديد والابتزاز في دول الغرب ولكن هناك الألوف من المواطنين الذين يعانون من الابتزاز والتهديد والحرمان من الوثائق المهمة كبطاقات الهوية وجوازات السفر وشهادات الميلاد في حال عدم دفع المبالغ المفروضة عليهم من قبل السفارات والقنصليات في دول الخليج العربي والسودان ودول أخرى. فبينما يستطيع الارتري الذي يحمل الجنسية المزدوجة في اوروبا من تفادي السفارة الارترية وضغوطها يقع الارتري في دول الخليج والشرق الاوسط ضحية لكل أنواع الابتزاز والتهديد.

Top
X

Right Click

No Right Click