أزمة الخليج وانعكاسها على السياسة الخارجية لدول القرن الافريقي.. "حالة إرتريا" 1

بقلم الأستاذ: فتحي عثمان - باريس المصدر: الأفريقية

بينما كانت ارتريا مشغولة باحتفالات الذكرى السادسة والعشرين للاستقلال في الرابع والعشرين من مايو الماضي كانت الأزمة

الخليجية قد اختمرت ووصلت حد الانفجار.

ولما استفاقت اسمرا من نشوة الاحتفالات وجدت أنها مطالبة باتخاذ موقف دبلوماسي معلن من الأزمة الناشبة في الخليج العربي. أحد الزملاء في إذاعة ارينا الدولية بباريس قال بأن السياسة الخارجية الارترية ستظل، شاءت أسمرا أم أبت مرهونة بمنطقة الخليج والشرق الأوسط ولفترات طويلة. يبدو هذا الرأي بدهيا للوهلة الأولى؛ ولكن وعند وضعه في سياق وخطاب صانع ومنفذ السياسة الخارجية لإرتريا نجد أنه رأي مفارق، خاصة لرأي جزء كبير من سكان البلاد والذي يرى بأن ارتريا لا علاقة لها بالعالم العربي من الناحية الدينية وأنها لهذه الأسباب يجب أن تنأي عن "مشاكل العرب"، أول خطوات النأي والابتعاد هو عدم الدخول في مؤسسة جامعة للعرب، وهو الموقف الذي تبدى في عدم دخول ارتريا في جامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي، والتي تضم دولا مشابهة لارتريا من حيث التنوع السكاني.

الأزمة الخليجية أكدت بلا شك بأن حقائق الجغرافية والتاريخية والتأثير السياسي من القوة بحيث لا يمكن لاسمرا ان تتخطاها حتى وان كانت لا تتفق مع رغباتها أو رغبة جزء من سكانها.

تكشف الأزمات الدولية ضحالة وعمق وفعالية السياسات الخارجية التي تتبناها الدول، وتباعد حرارة الأزمات بين الذرات المكونة للمواقف السياسية حتى يصعب تبين اتجاهاتها . في هذه المقاربة نستخدم الدبلوماسية الارترية كدبوماسية قرن افريقية نموذجية، كمثال يثبت هذا الأمر. يحاول هذا المقال تتبع موقف الدبلوماسية الارترية من الازمة الخليجية وتبدل المواقف السياسية لايضاح أن السياسة الخارجية لأسمرا لا تخضع لمحددات استراتيجية بعيدة المدى، وهي كرصيفاتها في دول القرن الافريقي تخضع لتبدلات الأمزجة والأهواء ويغيب عنها المصلحة الحقيقية لمواطني الدول.

يستلزم ذلك تتبع مسار السياسة الخارجية الارترية بعد الاعتراف الدولي بارتريا في الاستفتاء الأممي الذي تم في مايو 1993. كانت الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا فرس السباق الرابح الذي حقق انجاز التحرير العسكري منفردا بعد اقصاء جبهة التحرير الارترية في مطلع الثمانينات. توحدت التنظيمات الكبرى في الساحة حسب اتفاقية جدة سنة 1982 لتكون معا بالتنظيم الموحد. راهنت المملكة العربية السعودية على هذا التنظيم ليكون شريكا في الحكم في ارتريا ولكن الجبهة الشعبية أصرت على عدم وجوده في الساحة السياسة للدولة الوليدة الأمر الذي بذر بذور الجفاء في العلاقات الارترية السعودية ومنذ وقت مبكر. وبعد حصول الدولة الوليدة على الاعتراف الدولي اتجهت نحو بناء علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، الأمر الذي قوبل بالاستهجان من قبل الدول العربية. بالنسبة للسودان والسعودية بشكل خاص كان الأمر ينطوي على تهديد لأمن البلدين باعتبار الحدود المشتركة التي تربط البلدين بارتريا. زاد من تخوف الدول المجاورة من توجهات الدولة الوليدة قيام ارتريا وبالتحالف مع الحكومة الاثيوبية بشن حرب معلنة ضد السودان، وهو الأمر الذي أكد مخاوف الدول المجاورة من ارتريا.

تبادلت كل من ارتريا والسعودية البعثات الدبلوماسية ولكن حالة الجفاء وعدم الثقة كانت سمة العلاقات بين البلدين منذ السبعينات منذ تبني الجبهة الشعبية لتوجه ماركسي صريح، بينما ركنت الرياض إلى تقوية علاقتها بنظام نميري الذي تبدلت مواقفه من الثورة الارترية حسب مؤشرات العلاقات مع اديس ابابا، على المستوى الحكومي وليس الشعبي بالطبع. في عام 1995 قامت الحكومة الارترية باغلاق مكتب هيئة الإغاثة الإسلامية السعودية وطالبت الموظفين السعوديين بمغادرة البلاد بينما اعتقلت الموظفين الارتريين المحليين، وكان قد سبق هذا الاجراء حملة شعواء قامت بها الأجهزة الأمنية للحكومة الارترية وأدت إلى اعتقال العشرات من الأئمة والدعاة ومدرسي اللغة العربية في مختلف ارجاء البلاد بتهمة الترويج للفكر الوهابي والارتباط بتنظيمات الجهاد الإسلامي المعارض للحكم في ارتريا. لم يقدم أي من هؤلاء لمحاكمة ولا تعرف أماكن اعتقالهم حتى اليوم. أثارت تراكمات هذه الإجراءات حنقا سعوديا مكتوما قلل من توجه رجال الاعمال للاسثتمار في ارتريا واختيار اثيوبيا بديلا عنها؛ حيث كانت الاستثمارات في ارتريا فردية وتعد بأصابع اليد الواحدة ولم تعمر طويلا إذ انتهت في فترة مبكرة خاصة في مجال تصدير الماشية والصيد البحري. كانت ازمة جزر حانش بين ارتريا واليمن الحليف القوي للسعودية حينها، الدليل الذي أثبت النوايا الارترية العدوانية نحو دول الجوار، وأدى هذا النزاع المسلح إلى شبه تجميد في العلاقات السعودية الارترية وإن كان هذا الفتور والتجميد غير معلن.

وقبل صدور قرار مفوضية التحكيم الدولية بشأن جزر حانش المتنازع عليها كانت ارتريا قد مزقت اتفاقية الحلف العسكري مع اثيوبيا ودخلت معها في حرب ضروس. أدت هذه الحرب إلى قفل الحدود الجنوبية الغربية مع اثيوبيا بعد قفل الحدود الارترية السودانية بعد قطع اسمرا للعلاقات الدبلوماسية مع الخرطوم في نهاية سنة 1994.

وباندلاع الحرب الاثيوبية الارترية 1998-2000 كانت ارتريا قد دخلت في عزلة دولية تامة، حيث خسرت آخر جيرانها جمهورية جيبوتي في الجنوب بعدم اتهام رئيسها السابق حسن جوليد ابتدون بمحاباة اثيوبيا على حساب ارتريا.

ولجت ارتريا بوابة القرن الحادي والعشرين بعلاقات دبلوماسية مقطعة الأوصال أو مأزومة في أحسن الفروض مع دول الجوار. زاد من عجز والحد من هامش المناورة للدبلوماسية الارترية عنصر العلاقات البينية المتأزمة بين الدول الجوار، الأمر الذي يتكرر حاليا بعد مرور اكثر من عقد على التوتر المصري السوداني الاثيوبي بعد محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس المصري السابق حسني مبارك في اديس ابابا. استطاعت القاهرة فرض طوق حصار غير معلن ضد الخرطوم بعد اتهامها بإيواء قادة لجماعات إسلامية معارضة للقاهرة وكانت مساندة الرياض للقاهرة قد دفعت بالخرطوم بالتوجه الكامل نحو طهران.

توجه ايران نحو افريقيا حكمته ثلاثة عوامل أساسية: الأول العقوبات التي فرضها عليها الغرب وبحثها عن علاقات جديدة مع افريقيا تتيح لها كتلة تصويتية مساندة داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهنا سجل الرئيسان الايرانيان على اكبر ولاياتي واحمدي نجاد اختراقا لافريقيا لم تستطع الدول العربية منفردة أو مجتمعة القيام بمثله حيث زار الرئيسان زيمبابوي وبنين وانغولا والنيجر وعدة دول أخرى واستطاعا تأسيس علاقات تجارية وسياسية قوية مع الدول الافريقية أدت لتأمين حاجة ايران من اليورانيوم. وكان فك الحصار الدبلوماسي وكسب افريقيا الحصول على اليورانيوم من العوامل الاستراتيجية في التوجه الإيراني نحو افريقيا. بالنسبة للسودان وارتريا كان البلدان يتمتعان بعلاقات عدائية مع الولايات المتحدة واستطاعت ايران كسب البلدين بإثارة هذه النقطة إضافة للبرود في علاقتي اسمرا والخرطوم مع الدول الخليجية خاصة بعد غزو العراق للكويت في سنة 1990 وتحديد الاصطفافات العربية بناء على تلك الأزمة الجارفة خاصة بعد قمة القاهرة الشهيرة.

أمّنت طهران موطئ قدم لها في الخرطوم وأسمرا بناءً على العزلة التي عاشتها العاصمتين مع دول الجوار واستغلت حالة العداء مع واشنطن لتبذر بذور علاقاتها الدائمة معهما والتي كان لها من التقرب من اسمرا مآرب أخرى، إذ استغلت دعمها لحكومة المحاكم الإسلامية الصومالية وارتريا من الالتفاف على دول الخليج من ناحية الغرب. مرة أخرى بدأت اسمرا تسبب صداعا حادا لجارتها الكبرى في الشرق. ادركت طهران بأن ملف الجنائية الدولية الذي اصبح انشوطة في رقبة الرئيس البشير العقوبات الدولية ضد ارتريا سوف تدفعان الخرطوم واسمرا دفعا نحو أحضان طهران بعد اتفاق الثلاثة في اشهار العداء للولايات المتحدة.

البرود في العلاقات السعودية الارترية وصل درجة التجمد مع وصول الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى سدة الحكم بعد وفاة العاهل فهد بن عبد العزيز. وكانت أخر زيارة للرئيس الارتري اسياس افورقي للرياض في صيف عام 1998. ولم يسجل الرئيس الارتري زيارة أخرى للرياض الا بعد مضي عشر سنوات كاملة، ويدل هذا عن السخط السعودي عن التقارب الارتري الإيراني من ناحية والإسرائيلي من ناحية أخرى.

Top
X

Right Click

No Right Click