لماذا تدافع الإمارات عن إريتريا؟

بقلم الأستاذ: منذر العلي المصدر: العدسة

دفاع مثير للانتباه تبنته الإمارات عن طريق وسائل إعلامها، في محاولة لإبعاد الاتهامات التي تلاحق نظام الرئيس الإريتري

أسياسي أفورقي على خلفية الأزمة المندلعة في بلاده، إثر اعتقال رئيس مجلس إدارة مدرسة الضياء أكبر وأقدم مدرسة إسلامية في العاصمة أسمرا، ومنع تدريس التربية الإسلامية واللغة العربية فيها وغيرها من الإجراءات.

الإمارات تدافع عن إريتريا

وعلى إثر ذلك اندلعت تظاهرات داخلية وأخرى في عواصم عالمية تنديدًا بقرارات السلطات بحق المدرسة، وقالت مواقع للمعارضة الإريترية: إن الأحداث بدأت، أواخر أكتوبر الماضي، بعد محاولة الحكومة إغلاق المدرسة واعتقال الداعية الحاج عيسى محمد نور وعدد من تلاميذ المدرسة، مما أدى إلى اندلاع أعمال عنف وحملة اعتقالات في صفوف العاملين بها.

العصيان المدني والمظاهرات السلمية

مظاهرات إريترية مناهضة لقرار السلطات

وسائل الإعلام الإماراتية، قالت إن إريتريا، تشهد تسامحًا منقطع النظير بين المسلمين والمسيحيين منذ استقلالها، معربة عن مخاوفها من انهيار منظومة التعايش الديني“ بسبب ما قالت إنها فبركات لقناة الجزيرة القطرية.

واتهمت الدوحة بمحاولة إحداث فتنة طائفية في البلاد، موردة بعض الآراء التي تتحدث عن دور واسع لمن أسموهم الإخوانجية في هذا الأمر.

الأزمة الخليجية على شواطئ إريتريا !

ولمحاولة فك طلاسم هذه العلاقة المريبة بين تلك الأطراف المختلفة (قطر، إريتريا، الإمارات)، يجب الرجوع إلى الوراء قليلًا، بلمحة تاريخية ربما تفسر هذا الوضع الملتبس كثيرًا.

في يونيو 2008 انفجرت الأوضاع على الحدود بين إريتريا وجيبوتي، بعد اتهامات من الأولى للثانية باحتلال أراض تابعة لها في أعقاب إعلان استقلالها عن إثيوبيا عام 1993.

ووقعت اشتباكات عنيفة بين القوات الإريترية والجيبوتية، أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الجنود من الطرفين، إلا أن الوضع عاد للهدوء بعد يومين، إثر بيان من مجلس الأمن طالب الدولتين بوقف القتال، وحث الأطراف على حل مشاكلهما بالطرق الدبلوماسية.

وتعرضت الحكومة الإريترية لضغط دولي مكثف، وذلك بسبب كراهية المجتمع الدولي للنظام الإريتري، بسبب سجله الأسود في مجال حقوق الإنسان ودعم الإرهاب، وفق تقارير إعلامية، ونتيجة لانحياز العالم كله ضد إريتريا بما فيه جامعة الدولة العربية والاتحاد الإفريقي، وافقت الحكومة الإريترية على المبادرة الأكثر جدية لحل الأزمة مع جيبوتي وهي المبادرة القطرية.

وتنص المبادرة القطرية على انسحاب القوات الإريترية والجيبوتية من المنطقة المتنازع عليها لتعسكر فيها قوات محايدة وهي القوات المسلحة القطرية، وتكون مهمة هذه القوات رصد الحدود لمنع تسلل أي عناصر بين الدولتين، وتبادل الأسرى بين الحكومتين بشكل دوري مع إعطاء كل دولة لقطر كشفًا بأسماء الأسرى عند كل طرف.

وتقوم قطر، وفق المبادرة بتشكيل لجنة مهمتها ترسيم الحدود بين الدولتين طبقًا للوثائق التي تسلمها كل دولة، وستكون النتيجة التي تخرج بها اللجنة ملزمة لكل الأطراف وللمجتمع الدولي.

ووقع الرئيسان الجيبوتي والإريتري على بنود المبادرة في العاصمة القطرية الدوحة في يونيو 2010.

عندما اندلعت الأزمة الخليجية الأخيرة انحازت جيبوتي إلى جانب السعودية فورًا، بينما كان الموقف الإريتري ملتبسًا فقد خرج بيانان متعارضان من الحكومة الإريترية.

الانحياز الجيبوتي للسعودية أغضب الدوحة كثيرًا، وهي التي قدمت المبادرة بالأساس لمساعدة جيبوتي (الطرف الأضعف) في تخطي أزمتها مع إريتريا، وانتهى الأمر بوزارة الدفاع القطرية لسحب جنودها من المنطقة المتنازع عليها.

وهكذا رست الأزمة الخليجية على شاطئ جديد، وكانت إريتريا مسرحًا آخر للصراع بين دول الحصار وقطر، ولعل هذه المعادلة تفسر جزءًا من سر الهجوم الإماراتي على قطر إثر الأوضاع المندلعة حاليا في أسمرا.

انتهاكات إماراتية وأغراض توسعية:

الإمارات تدافع عن إريتريا

بعيدًا عن الأزمة الخليجية، فإن ثمة أغراضًا أخرى وراء الدعم الإماراتي للنظام الإريتري، حيث كشفت وكالة بلومبيرج الأمريكية أن إريتريا تلقت مساعدات عسكرية من كل من الإمارات العربية المتحدة وشركات روسية وتشيكية وإيطالية خلال العام الماضي، مما يشكل انتهاكًا للحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة عليها منذ 2009، بعد اتهامها بدعم حركة الشباب المجاهدين في الصومال.

ونقلت عن محققين تابعين للأمم المتحدة أن 13 من طلاب القوات الجوية والبحرية الإريترية تلقوا تدريبا في معاهد عسكرية إماراتية، وتلقى سبعة آخرون تدريبات في معاهد هندسية بين عامي 2012 و2015.

وقالت: إن الإمارات بنت قاعدة عسكرية في أحد الموانئ بإريتريا، وأشارت إلى أن صور الأقمار الاصطناعية أكدت اكتمال مرافق تلك القاعدة، مضيفة أن المحققين الدوليين قالوا إنهم لم يتلقوا ردا من الإمارات ولا إريتريا بشأن وجود دبابات ومدفعية إماراتية بين مرافق الميناء، وبشأن مطار يتم إنشاؤه حاليا.

وكان التقرير السري نصف السنوي الصادر عن فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات المفروضة من مجلس الأمن الدولي على الصومال وإريتريا قد تضمن فقرات كاملة عن الانتهاكات التي تمارسها الإمارات للقرارات الدولية.

وعرض التقرير التحركات العسكرية الإماراتية في إريتريا، حيث كشفت الأقمار الصناعية أن الإمارات واصلت الإنشاءات الخاصة بقاعدتها في منطقة عصب الإريترية، وأن تجهيز منطقة الرسو في الميناء اكتمل تقريبا، بينما يتواصل تشييد مرافق على اليابسة، لاسيما في القاعدة الجوية.

وأكدت الصور استمرار تواجد الدبابات والمدفعية في المنطقة الواقعة بين المطار ومرافق الميناء، بما في ذلك الدبابات القتالية من نوع ليكليرك، إضافة إلى وجود مروحيات وطائرات مقاتلة، لا سيما من طراز ميراج 2000.

الإمارات تدافع عن إريتريا

وكشفت صور نشرها معهد ستراتفور الأمريكي عن قاعدة عسكرية جوية وميناء بحري تستخدمهما القوات العسكرية الإماراتية باليمن، وهو الأمر الذي يمنحها أيضا سيطرة على خليج عدن وشرق إفريقيا على المدى البعيد.

ووفق التقرير، تقوم أبو ظبي ببناء منشأة بحرية كي تستعيض عن ميناء عصب الذي أشار تقرير للجنة المتابعة والرصد لإريتريا التابعة للأمم المتحدة إلى استئجاره من قبل الإمارات والسعودية ثلاثة عقود مقابل نصف مليار دولار.

ومنذ سبتمبر 2015، تقوم سفن الجرف بشق قناة جديدة غيرت شكل خط الساحل من أجل بناء ذلك الميناء، وفق التقرير.

ويظهر التقرير صورا أخرى بالقرب من مدرج المطار لأنواع مختلفة من الطائرات أبرزها ميراج 2000 تسيرها الإمارات انطلاقا من إريتريا، إضافة إلى طائرات ”وينج لوم“، وهي حربية من دون طيار صينية الصنع، نشرتها الإمارات هناك.

كما توجد بعض المروحيات المهاجمة وكثير من طائرات النقل من بينها ”سي 17 جلوبماستر“، وكشف تقرير ”ستراتفور“ وجود دبابات المعارك ”لوكلار“ وختم بالقول: إن هذا الانتشار من حيث حجمه يبدو لاستخدامات طويلة المدى.

عداء الإسلاميين:

وكما في بقاع كثيرة بالوطن العربي حيث تعادي الإمارات أي تواجد بارز للإسلاميين عمومًا ولتيار الإسلام السياسي على وجه الخصوص، يبدو الأمر كذلك في إريتريا.

فالإجراءات التي اتخذها النظام الإريتري وأشعل موجة الاحتجاجات، كانت موجهة بالأساس إلى مدرسة إسلامية ضخمة، لها دور فعال في تقديم الخدمات التعليمية للمسلمين هناك.

هذه الإجراءات تمثلت في منع تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية، ومنع الفتيات المسلمات من ارتداء الحجاب أو غطاء الرأس، وفرض الاختلاط بين الجنسين من الطلاب والطالبات، وهي الأمور التي تتنافى مع التوجهات العلمانية الإماراتية التي كشف عنها سفير أبو ظبي في واشنطن يوسف العتيبة بأحد تسريبات بريده الإلكتروني.

كما يبرز بهذا الشأن، رد فعل الحزب الإسلامي الإريتري للعدالة والتنمية، والمحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، حيث أصدر بيانًا شديد اللهجة واصفًا إجراءات السلطات بالاعتداء السافر.

وقال البيان إن ”النظام الديكتاتوري الذي ابتلع العديد من المدارس والمعاهد الدينية والعربية منذ استلامه لمقاليد السلطة في البلاد قبل ربع قرن من الزمن وحتى اليوم، لم يكفه ما ابتلعه من مؤسسات التعليم العربية والدينية، بل يصر على ابتلاع المزيد مما تبقى للمسلمين من المدارس والمعاهد وغيرها من محاضن قيم الدين الاسلامي والثقافة العربية في إريتريا“.

ودعا الحزب جميع الإريتريين إلى ”الوقوف صفًّا واحدًا خلف هذه الانتفاضة الشعبية المباركة“، مختتمًا البيان بالقول: ”الحرية للشيخ المناضل موسى محمد نور رمز الانتفاضة وملهمها البطل، النصر للشعب الإريتري البطل، والهزيمة والسقوط للنظام الدموي“.

Top
من اجل تحسين تجربة التصفّح موقعنا الإلكتروني More details…