الورقة السياسية الصادرة عن المؤتمر الرابع للحزب الفيدرالى الديمقراطي الارتري

سماديت كوم Samadit.com

إعداد: الحزب الفدرالي الديمقراطي الإرتري

الورقة السياسية الصادرة عن المؤتمر الرابع للحركة الفيدرالية الديمقراطية الارترية الذي تحولت فيه الحركة إلى حزب سياسي مقاوم

تحت إسم (الحزب الفدرالي الديمقراطي الإرتري) الذي عقد في الفترة من 15 إلى 17 مايو 2017م.

الإخوة والأخوات، المناضلون والمناضلات، أعضاء المؤتمر الرابع:

ماذا نريد من المعارضة الوطنية الإرترية ومقارعة النظام الجاثم على صدر شعبنا ؟ وإلى أين وصلت مسيرة تلك المعارضة بعد ما يزيد على ربع قرن هو عمر النظام الممسك بتلابيب اللعبة السياسية إن في داخل ارتريا أو خارجها ؟ تلك التساؤلات التي تحفل بها معظم موائد الحوار الرسمية والشعبية، حتى أن الشارع الارتري، وخاصة خارج إرتريا يكاد يكون قد وصل إلى أجوبة غير مقنعة لتبرير مستوى المراوحة الممل الذي تدور حوله القوى المعارضة للنظام. نقول ذلك ونحن جزء من مكونات هذه المعارضة، غير أننا معنيين انطلاقاً من مسؤليتنا الوطنية لمجابهة أنفسنا بالحقائق حتى نتمكن من تلمس الطريق السليم في معالجة إشكالاتنا والعبور إلى مرحلة نكون فيها مع بقية القوى الوطنية معبرين جديين عن توجهاتنا السياسية وقادرين على تحقيق ما نطرح من مشاريع تغيير في إرتريا.

وفي اعتقادنا، ونحن نسعى لاستجلاء الطريق الناجح لمسار المعارضة الوطنية لا بد لنا من تثبيت حقيقتين تمثلان في تصورنا ركيزتين مهمتين لتحديد إمكانية نجاح نضالنا ووصوله إلى الغايات المرجوة منه، وبغير هاتين الركيزتين أو المنطلقين من الصعب أن نضمن استمرارية نسق التصاعد لدور المعارضة وتطوره إلى الأمام في كل مرحلة. وسنتجنب بالدرجة الأساس إشكالية المراوحة والانكفاء التي تحصرنا في مربع واحد لفترة زمنية هي خصم على المستقبل:

هناك تباين ملحوظ في الخطاب السياسي لأطياف المعارضة الإرترية حين يتعلق الأمر بتحديد طبيعة النظام السياسي الحاكم في إرتريا وتبعا لذلك تتباين الرؤية السياسية في تعريف هذا النظام كما في الوسائل الأكثر نجاعة ومشروعية لتغييره، وتتراوح التعريفات هنا بين كونه نظام دكتاتوري محض أم نظام قومي طائفي، إلى غير ذلك من التعريفات، وهذا في تقديرنا يشكل بنفس القدر المسافات الفكرية والفلسفية بين أطراف المعارضة ويؤشر بجلاء على أنها لم تتفق حتى الآن على توصيف واقعي ينطلق من قراءة مجردة لواقع الطغمة الحاكمة، ويتبع تلك المسافة الفكرية بعدٌ آخر يتمثل في أن لكل من التنظيمات العلمانية أو التنظيمات ذات الصبغة الإقليمية أو القومية أو التنظيمات ذات المرجعيات الدينية، نجد أن لكل من هذه المكونات أطروحات تتعلق بتوصيف النظام أو شعارات تتعلق بوسائل تغييره تعكس بصورة أو أخرى تأثرا واضحا بالبعد الاجتماعي والثقافي. إن هذا التباعد أو سمه (إن شئت) الإختلاف في توصيف طبيعة النظام سيلقي بأثرة السلبي على مستوى العلاقات البينية لأطراف المعارضة وسيؤدي بالضرورة إلى تخندقات واضحة المعالم في الشعارات التي يجب أن ترفعها المعارضة وهي تسير نحو التغيير المنشود.

الفشل في إيجاد مظلة جامعة بالمعنى الكامل لهذا المفهوم، وعدم القدرة على استقطاب جميع أطراف المعارضة في كيان يمثل إرادتها ويعبر عنها وفقا لمبدء التراضي والإنسجام. والمؤلم في هذا السياق هو تعرض تجربة التحالف الديمقراطي الارتري، رغم عراقة دورها وريادته في مسيرة المقاومة، إلى ما يشبه الموت السريري وانغماسه في تجاذبات لا تنتهي، بل هي في الواقع متوالدة باستمرار، بحيث ظل التحالف وعبر سنواته الطويلة يخرج من أزمة ليدخل في غيرها وهذا ما أدى عملياً لضعفه في ترجمة برنامجه السياسي وتحقيقه على الأرض، والمرحلة القادمة من عمر هذا التحالف تنذر بمستويات إنجاز ضعيفة سيكون عليها التحالف إن لم تستيقظ قواه السياسية لانتشاله بالسرعة الممكنة من حالة الهزال السياسي التي يعانيها. وفي نفس السياق نجد أن تجربة المجلس الوطني الارتري للتغيير الديمقراطي قد دخلت في منعطف صراع مؤلم أدى إلى تبعثر قواه بشكل كيفي وانغمس بزاوية منفرجة وقابلة للاتساع في حلحلة مشاكله الداخلية، بعد أن وقف بعيدا ومشلولاً عن قدرة التأثير والجذب لقوى المعارضة.

في تقديرنا المتواضع إن غياب هاتين الركيزتين وضعفهما قد أفضيا إلى حالة مزرية وضعت المعارضة الوطنية عموماً في موقف المقصر إزاء ضرورات التغيير في آلياتها وصيغ تعاطيها مع الشأن الوطني، ونحن في الحزب الفدرالي الديمقراطي الإرتري كنا حريصين على تقديم رؤية سياسية وخطاب سياسي يتسم بالعمق والوضوح وتضمين ذلك في برنامجنا السياسي وفق قراءة واقعية لطبيعة النظام من جهة، ومطلوبات ملحة ينبغي أن تتمسك بها المعارضة في مسيرة مقاومتها للنظام من جهة أخرى.

ونخلص من كل ذلك إلى أن واقع المسألة الارترية يحتاج إلى قراءة واضحة المعالم تسمي الأشياء بأسمائها الحقيقة وتضع الأصبع على الجرح لنتمكن من تجاوز أزماتنا بكل شجاعة وجرأة، ولأجل ذلك فإن هذه الورقة تجتهد في تقديم قراءة وافية للوضع القائم الآن، سواء على مستوى النظام أو المعارضة الوطنية.

أولاً - النظام والواقع في الداخل والمآلات المرتقبة:

الصورة الماثلة أمامنا للمجموعة الحاكمة في إرتريا لا تمثل في الواقع هيكل طبيعي لنظام سياسي متكامل الاركان، بل هي أقرب إلى شكل من أشكال النخبة التي تمخضت عن تنظيم عسكري كان على مدى فترة مرحلة التحرر الوطني يتسم بالضبابية لجهة تركيبته القيادية ومركزيته الحقيقية التي ترسم قراراته وتحدد توجهاته على المدى البعيد وهو واقع لازم النظام الحاكم في إرتريا منذ إعلان استقلال ارتريا وانبثاق الدولة الارترية في 24 مايو 1993م. فهو إذن أقرب إلى الشكل النخبوي المتعالي بعجرفة على غيره، كما أنه يحاكي في بعض تجلياته مجموعات الإقطاع التي تتسلط على رقاب الفقراء فتنهب عرقهم وخيراتهم وأراضيهم وكأنها تملك أرواحهم ومقتنياتهم. في جانب آخر اختارت هذه النخبة نمطاً ثقافياً واجتماعياً ارتكز على اللغة والثقافة التجرنية التي باتت تشكل قومية الدولة بصورة وأخرى حتى غدت التجرنيا هي السائدة في الثقافة والتعليم ولغة دواوين الدولة لا بل إن بعض أطراف هذه النخب بات يضع لغة التجرنية كمعيار لتمييز الوطنية الارترية. هذه الصورة الزائفة المناقضة لحقيقة التنوع الارتري لا ينكرها أحد إلا إذا كان على سبيل المكابرة أو الغرض السياسي، وهي في الواقع أكثر المعطيات التي أفرزتها تجربة نظام الحكم خطورة على مدى السنوات الماضية.

إن ما ذكرناه أعلاه هو تصوير خارجي لتركيبة النظام الحاكم في إرتريا اليوم ولكن ماذا لو طرحنا السؤال التالي:

هل النظام القائم في أسمرا شرعي ؟ وهل يمثل المجتمع الارتري ؟

لا يختلف اثنان من الارتريين في أن النظام القائم في إرتريا ليس شرعياً، لأنه لم يفوض من قبل الشعب عبر تصويت أو انتخاب، والمؤكد أن إرتريا لن تشهد في ظل النخبة القائمة أي ممارسة ديمقراطية أو تعدد سياسي يتجسد في إجراء انتخابات لاختيار من يحكمها، هذا معلوم ومفروغ منه بالنظر إلى مجريات الأمور خلال فترة ربع قرن من تجربة هذه النخبة الحاكمة في إرتريا. ولكن في الجانب الآخر نحن أمام نظام معترف به من قبل الدول والمنظمات الإقليمية والدولية وله وضعه التمثيلي مع العديد من دول العالم، ولا يمكن أن نتغابى عن ذلك أو نقفز عليه، إذن كيف نقول إنه نظام غير شرعي وفي الوقت ذاته ليس هناك أي إطار للمعارضة أو غيرها تستطيع أن تزيح هذه العصابة من منصة تمثيل إرتريا.

في تصورنا، أن الذي منح التمثيل والشرعية للنظام ليست قدرته ولا دبلوماسيته وإنما استطاع أن يمر عبر ثغرات ضعف المعارضة وغياب المقاومة الجدية في الداخل وضعف صوت الشعب الذي أوكل أمره إلى قوى سياسية منشغلة بنفسها أكثر من اهتمامها بالمطلب الضروري الذي ينادي به الشعب في الداخل والخارج وهو إسقاط النظام، وبتركيز أكثر فإن عدم قدرة المعارضة على الضغط على المجتمع الدولي ووضعه أمام حقيقة ما يجري في الداخل قد فرض على المحيط الدولي التسليم بالأمر الواقع والتعامل مع من يقف على عرش السلطة. هذا بالإضافة إلى غياب صوت الداخل الارتري جراء آلة القمع البوليسية والأمنية المسلطة عليه، وغني عن القول، أن النخبة الحاكمة مارست أقسى أنواع الإرهاب عبر السجون والمعتقلات والإخفاء القسري للمواطنين في السجون السرية، كل ذلك قد وضع عقبات جدية لتحرك الشعب عبر شرائحه المدنية، يضاف إلى ذلك أن النخبة الحاكمة تعمدت تغييب القانون والمؤسسات القضائية تماماً من الحياة في الداخل بحيث يدرك كل مواطن بوضوح أنه لو تعرض لغضب السلطة فليس هناك جهة يمكن أن تتجرأ على الدفاع عنه، وهذا في تقديرنا عائق خطير أمام إحداث التغيير من الداخل عبر مسيرات احتجاجية من قبل الشارع الارتري.

في هذا السياق تتصاعد لغة بعض أطراف المعارضة وخاصة تلك التي تنحدر من مدرسة النظام لتبشر بأن التغيير المرتقب سيأتي من الداخل، والمغزى من وراء هذه الفرضية واضح، وهو حسب علمنا، أن قوى التغيير القادم ربما تكون من بلاط السلطة نفسه !! وهو أمر يحتاج إلى تحليل سياسي وأمني دقيق.

فإذا جاء التغيير من الداخل ومن بلاط السلطة نفسها فإن أكثر ما يخشى منه هو أن يكون ذلك التغيير عملية تجديد أو استنساخ لرؤية وتجربة الحكم القائم، لإعادة إنتاج ذات الرؤية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية. وفي هذه الحال فإن القول بالتغيير من داخل مؤسسات النظام القائم يجب أن يحاط بضمانات تؤمن عدم عودة النظام ولا مؤسساته ولا مجرميه ولا عصاباته بثوب جديد، بل حري بمن يأتوا منقلبين على النظام الحالي إعطاء تطمين وافي لقوى الشعب بأنهم: يرفضون قطعاً استنساخ إو إعادة تصنيع لأي من تجارب أو أدوات النظام ويضمنوا تصفية وتفكيك كل مؤسساته غير الشرعية ويؤكدوا على محاكمات عادلة لكل المجرمين الذين لوثت أيديهم بدماء الشعب، ويؤكدوا على رد كل المظالم التي لحقت بكل المكونات الارترية عبر محاكم خاصة مستقلة ومتخصصة في فض النزاعات المعقدة الناتجة عن المظالم التي كرسها نظام النخبة الطائفي في إرتريا والعمل على إصلاح الإختلال الهيكلي في بنية مؤسسات الدولة الإرترية بحيث تتسع لإحتضان مصالح وطموحات كافة المكونات الإرترية دون إقصاء لأي فئة سياسية أو اجتماعية. وبغير ذلك فنحن نعتقد أن تبديل الثوب الخارجي على نفس الجسد هو إجرام بحق الشعب وخيانة لتضحياته الثمينة.

ثانياً - أثر النظام السيئ على الوضع الارتري وانعكاسه على المستقبل:

خمسة وعشرون عاما من عمر النخبة الطائفية والإقصائية في البلاد خلفت ورائها عدد كبيراً من التراكمات السلبية ذات الأثر المريع على النسيج الإجتماعي الوطني وعلى الوحدة الوطنية الارترية، وكما أشرنا في المحور السابق، فإن سياسة الحديد والنار المعتمدة من النظام عبر آلته العسكرية والأمنية تسببت في إحداث تصدعات على مستوى البنية الاجتماعية والديموغرافية وقوضت الكثير من مقومات التعايش السلمي بين مكونات الشعب الارتري الراسخة عبر التاريخ. إن أكبر خطئ ارتكبته النخبة الحاكمة في إرتريا هو تصورها بأن كل ما فرضته على المجتمع الارتري وخاصة محاولة تغيير بنيته الثقافية وفرض لغة واحدة كأداة للتعليم والفن والتعبير الرسمي، وكذلك تسويق أبجدياتها عبر ما يسمى بتطوير اللغات، وفرض برنامج لغة الأم، معتقدة أن ذلك سيكون أمراً مسلمٌ به متجاهلة أن مكونات الشعب الارتري لها قرارها ورأيها المخالف تماماً.

يضاف إلى ذلك أن سلطة النظام المجرم قد ارتكبت فظائع لا يمكن قبولها أو الاعتراف بها على مستوى الأرض عبر سياسة نزع الأراضي وتجريف القرى وإحلال بدائل سكانية في أراضي تعود ملكيتها إلى مواطنين إرتريين أصلاء في الأرض، ارغمهم النظام على الوقوف خارج الخارطة الوطنية في معسكرات اللجوء في دول الجوار، وهذا التجاوز في تقديرنا يتحمله بصورة أساسية النظام وقوانينه الجائرة غير المستندة إلى أي تشريع وطني، كما يتحمل تبعاته كل فرد ساعد على تمرير سياسته الاقصائية والعدوانية ضد أبناء المجتمع الارتري الذين اضطهدهم النظام بغير وجه حق.

لقد عبرت أطر المعارضة سواء التحالف الديمقراطي أو المجلس الوطني في مواثيقها على استنكار سياسة التغيير الديمغرافي وأكدت على أن الأرض يجب أن تعود إلى سكانها الأصليين وفقا لمبادئ القانون، وهنا نود أن نطرح التساؤل التالي : كيف ستكون إعادة الأرض إلى أصحابها بالقانون في وقت قام فيه النظام بإصدار صكوك الملكية للسكان الجدد على الأرض بموجب قوانينه الجائرة وغير الشرعية ؟ لذلك فإن ما ينبغي تأكيده من القوى الثورية والمقاومة للظلم والاضطهاد هو تأكيد التالي : نعتبر كل تمليك قام به النظام للارض لسكان جدد قراراً باطلاً ولا يعترف بوثائقة ولا يعتبر بأي حال من الأحوال اثباتاً للملكية، ولكن وبما أن هذه القضية هي مسألة حقوق لا تقبل التفريط فينبغي أن تؤسس محاكم فض نزاعات مستقلة يرعاها قضاء نزيه ومستقل ويوضع عليها خبراء وعارفين بالتاريخ والجغرافيا السياسية وتوضع لها تشريعات خاصة توصلها إلى الحقيقة بعيدا عن الاستشهاد بأوراق النظام غير الشرعية التي لا يعززها دستور أو قانون.

وعلى العموم، فإننا كحزب فدرالي ديمقراطي إرتري، نؤكد انطلاقاً من برنامجنا السياسي الذي أقره المؤتمر الرابع للحزب بأن قضية الأرض واللغة والثقافة والدين في إرتريا قد تعرضت إلى حرف ممنهج ستكون لها أثارها السالبة على مستقبل التعايش السلمي بين أفراد المجتمع إذا لم تبادر قوى التغيير في المعارضة الوطنية من الآن بإعطاء ضمانات تكفل عودة الحقوق إلى أصحابها وصيانة الإرث الثقافي والديني والاجتماعي لكافة المكونات الإرترية الغنية بتنوعها والزاخرة بتعددها.

ثالثاً - التطورات الأخيرة في المنطقة وأثرها على النظام:

لقد شهدت منطقة القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر تحديداً حدثاً مهماً انعكس بصورة أو أخرى على النظام الحاكم في إرتريا، وتمثل ذلك في الأحداث الأخيرة في اليمن والمواجهة بين مجاميع الحوثيين المدعومين من إيران وقوات التحالف العربي منذ مارس من العام الماضي والتي ما تزال تداعياتها تتفاعل في المنطقة، وكغيرنا من المتابعين لتطورات الصراع الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، العارفين بدور نظام اسياس افورقي ودوره الهدام في زعزعة استقرار دول الإقليم بما في ذلك دوره المحوري في تأجيج الصراع في اليمن الشقيق عبر تحالفه المعلن مع إيران ودعمه اللوجستي المؤثر للقوات المتمردة على الشرعية اليمنية، اندهشنا من ظهور طاغية أسمرا في ثوبه الجديد الذي تدثره في الرياض معلناً لعبة جديدة في المنطقة يقوم بها هذه المرة ضد الحوثيين وإيران. ومع تقديرنا لكل العوامل التي اعتمدها التحالف العربي لإشراك إرتريا في خطة مواجهة الحوثيين وذلك لتحييد الموانئ والشاطئ الارتري لتكون بعيدة عن تقديم أي إسناد للحوثين وإيران. وليس هذا فحسب بل إن الأخوة في قوات التحالف وسعوا من خطوات علاقاتهم بالنظام وقدموا له معينات ودعم مؤثر مالي ومعنوي وبعضه كان عبارة عن حل لأزمة النظام الدائمة في الوقود والمعدات العسكرية. هذا فضلاً عن الأموال الضخمة التي تلقاها النظام مقابل تأجير بعض الجزر الارترية الإستراتيجية لمن يدفع أكثر. إلى هنا فإننا نستوعب طبيعة تلك المتغيرات وندرك أن للحرب والظروف الطارئة منطقها غير أننا نرفض بشكل مبدئي تحقيق طموحات القوى الإقليمية والدولية على حساب أمن ومصالح واستقرار المجتمعات المحلية، ولكننا نوجه حديثنا للقوى الوطنية الإرترية التي لم تحرك ساكن في هذا الحدث بالرغم من أن بعضها له من العلاقات التاريخية مع هذه الدول. ونؤكد في هذا السياق أن تلك العلاقات التي حققها النظام مع تلك الدول ستكون عامل انتشال مؤثر له من أزماته الاقتصادية خاصة، حيث كان النظام الإرتري يترنح تحت سقوف العجز الشاملة. أما بخصوص ما نمى لعلمنا من أن النظام يقوم بتأجير الجزر والأراضي الإرترية بدون أي رقابة أو تخويل قانوني يجيز له ذلك فإننا نعتقد ذلك تجاوزا على السيادة الارترية وتصرف غير مشروع من قبل النظام لأنها اتفاقيات غير مجازة من برلمان أو تفويض من قبل الشعب، وأن الأموال التي يجنيها النظام من تلك الصفقات ما هي إلا موارد غير شرعية تدخل إلى خزينة الحزب الحاكم لتتحول إلى مغذيات لآلته العدوانية ضد أبناء المجتمع الارتري، علاوة على كل ذلك، فإننا في الحزب الفدرالي الديمقراطي الإرتري نعرف تماما بأن النظام الحاكم في إرتريا ليس إلا عصابة إجرامية تقامر بالمواقف السياسية من خلال نظرة قصيرة حدودها المصلحة المادية الآنية حيث لا مكان للمبادئ ولا الأخلاق السياسية ولا مصالح الشعوب، ومن هنا فإننا نود أن نلفت عناية صانع القرار في الدول الصديقة والشقيقة لا سيما دول المحيط الإقليمي بأن لا تعتمد على مواقف النظام الإرتري، وأن تعمل على بناء علاقات استراتيجية مع الشعب الإرتري عبر قواه المناضلة من أجل التغيير الديمقراطي.

على صعيد آخر فإننا في الحزب الفدرالي الديمقراطي الإرتري نعرب عن أسفنا للمعونات التي قدمتها دول الاتحاد الأوربي للنظام وغير مقتنعين بالمبررات التي سيقت لذلك الدعم لأننا على ثقة بأن هذه الدول وعبر مناديبها وسفاراتها تعلم حقاً ما يكابده الشعب الارتري من اضطهاد وطرد منظم لأبنائه إلى خارج البلاد، وإن الأزمة الإقتصادية التي يعانيها شعبنا في الداخل هي نتيجة حتمية لوجود نظام قهري مستهتر لا يقيم أي وزن لمصالح الشعب في التنمية والبناء. ونختم هذا المحور بالتأكيد على أن ضعف الصوت المقاوم للنظام في معظم دول العالم وعدم قدرته على إيصال رسالة مدوية لتلك الدول يعتبر أحد الأسباب المركزية في العلاقات الجديده التي ينميها النظام عبر سفاراته في العالم، وهو واقع يجب أن يتغير من خلال تحرك المعارضة الإرترية في كل الإتجاهات لعرض وجهة نظرها والعمل على إقناع المجتمع الإقليمي والدولي بأنها تجسد مصالح وحقوق وطموحات الشعب الإرتري.

رابعاً - وضع المعارضة والتطورات الراهنة:

انطلاقاً من كون الحزب الفدرالي الديمقراطي الإرتري مكون أصيل من مكونات المعارضة الوطنية وقدم أدواراً مشهودة في ذلك، هذا فضلأ عن المهام الوطنية التي نفذها في مواجهة آلة النظام القمعية، فإننا لا نؤمن بجلد الذات مهما كانت مستويات القصور التي تعترينا كمعارضة، ونرى أن الواجب الملقى على عاتقنا هو تلمس كياننا حتى نضع أيدينا على جوانب الضعف ونعمل متضامنين على تجاوزها والخروج من مدارها بأسرع ما يمكن، لأننا على يقين من أن فرصة التغيير الحقيقية لا تأتينا من الخارج مهما كان مستوى الوعود التي يبديها الأصدقاء هنا أو هناك، وفي هذا المحور نود التطرق إلى حقائق مهمة لنكون جريئين وسباقين في معالجة أي خلل يكتنف عملنا ونضالنا.

لقد كانت الفرص التي اتيحت لتنظيمات المعارضة في وقت مبكر كبيرة وكافية لتنهض هذه القوى بالدور الأساسي المتمثل في إسقاط النظام، خاصة في حقبة التسعينات. كما أن ساحة المعارضة لم تكن بالاتساع الكبير الذي أثقل حركتها اليوم، هذا إلى جانب أن السودان كان الساحة المثلى لإنطلاق المعارضة في أي عمل حسب ما هو متاح أمامها سواءا كان عمل عسكري أو دبلوماسي، وأن الاخوة الرسميين في السودان كانوا الأعمق إدراكاً للواقع الارتري وانقساماته وتجاذباته وخلافاته. غير أن تلك المرحلة ذهبت أدراج الرياح لسبب رئيسي في اعتقادنا، تمثل في فشل قوى المعارضة في توظيف المستوى الكبير من الدعم الذي كانت تتلقاه من السودان، هذا فضلاً عن أن المكونات السياسية آنذاك لم تكن قد وضعت آلية مواجهة استثنائية تتوافق عليها بعيداً عن برامجها السياسية، لا بل إنها كانت تسعى في معظم اللقاءات آنذاك لتوليف برنامج التحالف ليكون مطابقاً في نصوصه مع ما تحويه قناعاتها التنظيمية، وهو ما أدى في تقديرنا إلى بروز إشكاليات التوافق سواءا في الميثاق السياسي أو مستوى التمثيل في كتلة المعارضة وبالتالي فإن تنظيمات المعارضة قد انغمست بكل رؤاها في حالة سباق لقيادة مؤسسات المعارضة واغرقت برامج التحالف في حوارات حول قضايا انصرافية كان يمكن النظر إليها في وقت آخر وفي ساحة الوطن عندما ينتصر الجميع ويسقطون الاشكالية الكبرى المتمثلة في بقاء النظام الدكتاتوري على سدة الحكم في البلاد.

وبنفس القدر فإن دور المعارضة في الساحة الإثيوبية بعد عام 2005م لم يكن أقل ضعفاً مما كان عليه في السودان إن لم نقل أن الطين قد ازداد بلة، لأن مستوى الحوارات الداخلية والورش والمؤتمرات بمختلف مستوياتها أصبحت هي الشغل الشاغل لأطراف المعارضة، وفي هذا الوقت تعددت مكونات المعارضة بشكل نعتقد انه زاد عن الحاجة، وفي كل الأحوال فإننا نعتبر هذا التوسع ليس اتساع لرقعة الحقوق ولكنه دلالة واضحة على عدم الثقة في المكونات السابقة. ولقد قيل الكثير عن المعارضة في ساحة اثيوبيا وربما ذهب البعض لتحميلها انتكاسات العمل المقاوم في مواجهة النظام ولكننا نؤكد من موقعنا الميداني في تلك الساحة، أن الفرصة قد أتيحت أمام قوى التغيير بأوسع ما يمكن ولكن تصاعد الخلافات البينية داخل تنظيماتنا الارترية وتصدعها المستمر بسبب عوائقها الداخلية نتيجة الممارسات الخاطئة لبعض قياداتها قد انعكس سلباً على أدائها ودورها في الإسهام الايجابي لدفع عجلة المقاومة للنظام إلى الأمام.

لقد مثل انبثاق المجلس الوطني الارتري للتغيير الديمقراطي محطة استبشرت بها كل القوى الوطنية التي شاركت بعدد مقدر لم يشهده أي مؤتمر معارضة بعد الاستقلال، حيث مثل مؤتمر أواسا عام 2011م منعطف جدي قدمت فيه اوراق استراتيجية لمعالجة المشكلة الارترية من جميع زواياها. واستنهضت أعداد مقدرة من الشرائح الإرترية في الخارج، لا سيما شريحتي الشباب والمثقفين لتكون ظهيراً جديداً وجدياً لصف مقاومة النظام، ولكن وهذا هو حال الواقع الارتري الذي سردنا بعضه في هذه الورقة. لقد عصفت التباينات الداخلية وصراعات أطراف المعارضة بهذا الكيان الذي لم يولد ولادة كاملة ولم يتمكن من إلتقاط نفس النضوج ليمارس دوره على الأرض، وكما يقول المثل (ضاع تحت الأقدام) بعد أن تنمرت فيه أصوات دأبت على التخريب المستمر لساحة المعارضة لأسباب واهية وغير ضرورية. واليوم يقف الصف الوطني عاجزاً عن معالجة هذه الأزمة ليخرج بها إلى بر العمل والعطاء. ورغم ذلك فإننا في الحزب الفدرالي الديمقراطي الإرتري وعبر مؤتمرنا هذا ندعوا الجميع لعدم التفريط في هذا المنجز التاريخي الذي تمخض عن نضالات مضنية لقوى المعارضة الارترية، ونؤكد لكل إخواننا في تنظيمات المعارضة سواء في التحالف الديمقراطي الارتري أو في المجلس الوطني الارتر ولكافة القوى الوطنية خارج مظلتي التحالف والمجلس إضافة إلى القوى والمنظمات المدنية والتجمعات الفئوية المستقلة أن العمل الوطني هو مسئولية كبيرة تعلوا على الأفراد ولن نقبل من أي شخص مهما كان عنوان موقعه القيادي أن يقوم بتفصيل العمل الإرتري المعارض على مقاسه ويتجاوز المكون التنظيمي الذي يعبر عن إرادة الجماهير صاحبة الحق الاول في أي انجاز وطني يتحقق ضد النظام الحاكم في إرتريا.

وفي سياق المحاولات التي تقوم بها جميع أطياف المعارضة جاءت ورشة فرانكفورت التي دعى إليها المعهد الألماني فلسبيرغ لجس نبض المعارضة الإرترية من ناحية، ولتقديم قراءات عميقة لأزمة الوحدة الوطنية واقتراح مقاربات لطريقة الحكم في إرتريا المستقبل، وهي محاولة جيدة لتقريب وجهات النظر إلا أن ما توصلت إليه من نقاط وحلول هي صفحة واحدة ضمن الكثير من الصفحات التي لم تناقش كما ينبغي، هذا فضلاً عن أن التمثيل الذي شارك في تلك الورشة لم يكن شاملاً لكل الأطراف وعقب ذلك جاءت الورشة الثانية من نفس أطراف الدعوة الأولى مع غياب إدارة معهد فليسبيرغ في نيروبي وقدمت رؤاها تحت سقف ضيق من الوقت لم يمكن الجميع من طرح تصوراتهم الكاملة وهذا في اعتقادنا ما يشكل نقطة عجز أخرى في هذه المحاولات بالنظر إلى تجاربنا التأريخية فيما يتعلق بمحاولات تأسيس التكتلات السياسية الكبرى سواءا الوحدوية منها أو الجبهوية في الساحة الإرترية نجد أن الشروع في تأسيس أي عمل معارض يظل رهينة للمكونات التأريخية للتنظيمات السياسية، ولهذا فإننا نرى ضرورة تشجيع الحوار مع جميع مكونات الساحة الإرترية انطلاقا من الأسس والمبادئ والمواثيق التي سبق أن توافقت عليها القوى السياسية بما يضمن الإحترام المتبادل وتمتين العلاقات النضالية بين كافة الأطراف والمكونات السياسية والمجتمعية وصولا إلى التوافق على رؤية مشتركة لوسائل العمل النضالي لمنع تشتت الجهود ومن ثم تركيزها على هدف رئيسي هو إسقاط النظام المتربع على هرم السلطة في إرتريا واستبداله بالبديل الديمقراطي.

الخلاصة:

إن العمل المقاوم للظلم والقهر و الإستبداد هو عمل جماهيري في المقام الأول، ومهما كانت قدرات وامكانات النخب فهي لا تستطيع أن تبحر في هذا التيار بمعزل عن طاقة الشعب، وتؤكد لنا معطيات التاريخ النضالي للشعوب أن تيار الجماهير الحقيقية والتي تقاوم الظلم هو الرحم الحقيقي الذي ينجب النخب والقيادات الحقيقية التي تستمد نبض فكرها من صوت الشعب. ولهذا فإننا ندعوا جميع إخوتنا للإلتفات الجدي إلى جماهيرنا الارترية، بمختلف مجموعاته الفئوية، ونركز بدرجة أوسع على عنصر الشباب الارتري الذي يشكل اليوم أوسع فئة متضررة من وجود واستمرار النظام، ولنكن على يقين بأن أي عمل لا يكون فيه الشباب وبقية الفئات الارترية حجر الزاوية فإنه لن يتمكن من خوض تيار التغيير في إرتريا.

إن الحزب الفدرالي الديمقراطي الإرتري وهو يحقق مؤتمره الرابع بنجاج يتعهد لجماهيره أن يكون في مقدمة المقاومين وأنه قد تمكن من ردم هوة الضعف التي اعترته خلال الفترة الماضية بصورة حاسمة استناداً على إرادة مناضليه الصامدين الذين أكدوا حرصهم على صيانة المكتسبات التي حققها خلال الفترة الماضية. وسوف نسير مكللين بالثقة التي نستمدها من جماهير شعبنا الأبي.

المؤتمر الرابع للحزب الفدرالي الديمقراطي الإرتري

Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…