سيرة ذاتية للزعيم الوطني الكبير المناضل الشيخ محمد عمر أكيتو

سماديت كوم Samadit.com

بقلم الأستاذ: عبدالحكيم بن كامل العفري

مدخل: في ذاكرة الشعوب والأمم أسماء شخصيات خالدة تتوارث ذكراها

العطرة الأجيال جيل بعد جيل وذلك لما قدمه هؤلاء الأبطال من تضحيات جسام من أجل شعوبهم وأوطانهم.

وكما أن مزبلة التاريخ هي مصير كل من وقف ضد مصالح الشعوب المقهورة وعمل على اضطهادها وإذلالها فإن كل من تقدم الصفوف من أجل إعلاء كلمة الحق ونصرة شعبه أصبح رمزا يسكن في أعماق القلوب.

ومنذ الأزل لم يرضى الإرتريون بكل أشكال الاستعمار حيث يعتبر الذود عن الأرض والعرض إرث كل ارتري، وظهر ذلك جلياً في كل الملاحم التي خاضها الشعب الإرتري ضد الغزاة والمستعمرين الذين حلموا باستعباده واستعماره، وكانت البطولات والتضحيات واحدة من أروع ماقدمه هؤلاء الأبطال بإيمان ثابت راسخ رسوخ حب الوطن في قلوبهم وواجهوا بإيمانهم وبعدالة قضيتهم الغزاة وأعوانهم.

في مثل هذا اليوم في الحادي والعشرين من شهر اكتوبر 2011م رحل عن دنيانا الفانية واحد من الرعيل الأول والآباء الذين استرخصو كل شيء من أجل ارتريا وقدموا الغالي والنفيس من أجل أن يرفرف علم الحرية والكرامة في سماء ارتريا ويسود في أرضها الأمن والسلام والعدل والنماء ألا وهو الأب المناضل والزعيم الوطني الكبير الشيخ محمد عمر أكيتو والذي وافته المنية بمدينة عصب حاضرة إقليم دنكاليا عن عمر يناهز الاثنين والتسعين عاماً قضاها باحثاً عن حقه المشروع.

ويعد الشيخ المناضل محمد عمر أكيتو من زمرة الذين كان لهم القدح المعلى فى المسيرة الوطنية بذلاً وعطاءاً وتضحية، ومن الشخصيات الوطنية الإرترية التي كانت تنادي باستقلال إرتريا ووحدتها من داخل أروقة البرلمان في عهد الإمبراطور هيلي سلاسي ومن الشخصيات البارزة التى أسهمت فى النضال التحررى ضد الاستعمار، ويحفظ له التاريخ الإرترى رفضه للاستعمار وسياساته وهو فى قبة البرلمان الإرترى الذى كان عضواً لدورتين على التوالى ممثلاً لدائرة عصب وقد كان هو من القلة التى طالبت بأن تكون اللغة العربية هى اللغة الرسمية للبلاد بجانب لغة التجرنية وثبتوا المادة: (93) فى دستور 1952م التى تنص بوضوح بأن العربية لغة رسمية فى إرتريا مع لغة التجرنية.

كما يعد أحد مؤسسى حركة تحرير إرتريا التى كانت الأرضية الوطنية التى مهدت ميلاد الثورة الإرترية فى الفاتح من سبتمبر 1961م، كما يعد أحد أبرز أعضاء الرابطة الإسلامية الإرترية (الكتلة الإستقلالية).

مولده ونشأته ومحطات من حياته النضالية:
ولد الزعيم الوطني الكبير المناضل الشيخ محمد عمر أكيتو في عام 1919م في قرية مكعكع الواقعة شمال مدينة عصب في إقليم دنكاليا، نشأ وترعرع في مدينة عصب و تلقى فيها أساسيات تعليمه في المراحل الدراسية الأولى في مدينة عصب ودرس إلى الصف الرابع في مدرسة إيطالية التي كانت أعلى مرحلة دراسية آنذاك كما رحل أيض اً إلى جمهورية مصر العربية للدراسة ولم يمكث بها كثيراً وقد ذهب أيضاً إلى الجمهورية اليمنية من أجل التعليم كما عمل في التجارة هناك وعمل أيضاً مساعدًا في الترجمة وكان يجيد اللغة الإيطالية والعربية.

وبعد إكماله لتعليمه عمل كمترجم وموظف في الإدارة الإيطالية في الفترة (من 1935 إلى 1947) حيث انخرط بعدها في العمل السياسي ليصبح عضواً في حزب الرابطة الإسلامية، وفي عام 1952م دخل المناضل أكيتو قبة البرلمان كعضو وممثل عن شعب العفر بدنكاليا حيث حارب وبكل شجاعة وجرأة الخطط التي كانت الأنظمة الاستعمارية تحيكها لتفكيك الشعب الإرتري مماجعل منه حجرة عثرة وهاجساً يؤرق أحلام وأطماع الدول الغربية واثيوبيا الذين حاولوا استمالته بكل أشكال الإغرآت من جاه وسلطة ومال إلا أن الزعيم أكيتو كان ثابتاً على مبادئه وصامدا فيها صمود الجبال الرواسي أمام تلك الإغرآت وأكد بصريح العبارة أن لاقوة ستحيده عن الدفاع عن حقوق الشعب الذي اختاره.

عرف المناضل أكيتو بشجاعته ومواقفه الصلبة حيث حاولت السلطة آنذاك استبعاده من البرلمان في الدورة الثانية بالطعن في نتيجة انتخابه، فرفع قضيته إلى المحكمة الكبرى برئاسة المستر شرر البريطاني فانتصر عليها. ورغم ذلك حاولوا منعه من حضور جلسات الجمعية. وكان البرلمان في الفترة الثانية قد تم تجريده من البرلمانيين الأحرار عبر تدخلات فاضحة في مسار الإنتخابات - وكان المناضل محمد عمر أكيتو الوحيد الذي إستطاع أن يتغلب على العراقيل التي وضعت أمامه ويفوز في الإنتخابات مرة ثانية.
عندما قوبل اختياره في الدورة الثانية للبرلمان برفض واضح من قبل اثيوبيا وأعوانها وتم منعه من ممارسة عمله البرلماني مما دفعه للإنخراط في صفوف اتحاد العمال الإرتري وحركة تحرير ارتريا التي عم نفوذها جميع أنحاء ارتريا في فترة وجيزة وانتشر شعاعها الثوري في أرجاء البلاد.

حيث عمل المناضل الشيخ محمد عمر أكيتو في تأطير الشعب الإرتري وتوعيته بحقه المشروع مما جعله عرضة للعديد من محاولات الاغتيال من الأجهزة الأمنية الإثيوبية كان أخطرها قنبلة في منزله بعصب عام 1964م.

عندما فشلت كل المحاولات المتكررة لاغتياله تم وضعه تحت الإقامة الجبرية بمنزله وحرمانه من النشاط السياسي، حيث كان يمارس عمله النضالي والثوري من منزله ويتواصل مع ثوار حركة تحرير ارتريا.

دافع المناضل أكيتو عن حقوق ارتريا، وعن العربية، ونادى بالمساواة بين الجميع - مسلمين ومسيحيين، ورفع صوته معترضا على الإنتهاكات الدستورية... وكان صوتا حرا لا يتردد عن الصدع بكلمة الحق.

بعد أن احتدم الصراع في البرلمان الإرتري حول العلم الإرتري قال المناضل أكيتو: (لايهم ماذا يكون لون العلم بل المهم أن يكون لنا علم).

ومن كلمات المناضل الشيخ محمد عمر أكيتو:
(لم أكن أشك يوماً في انتصار قضيتنا العادلة، ولكني لم أتوقع هذه الخاتمة السريعة والبطولية لكفاحنا التحرري نسبة للمكائد الكثيرة ضدنا والعراقيل التي وضعت أمام طريقنا ولكن بفضل التضحات الجسام التي قدمها الشعب الإرتري استطعنا انتزاع حقنا بعد ثلاثة أجيال) من كلماته بعد الاستقلال.

انطلاقاً من المكانة التي كان يحظى بها المناضل الشيخ محمد عمر أكيتو لدى جماهير الشعب الإرتري فقد كان القادة يترددون إليه في بيته لزيارته والتودد إليه وأخذ صور تذكارية معه، ويطلبون منه المشاركة في المناسبات التي كانوا يقيمونها لكي يظهروا للجماهير الإرترية أن القائد الرمز المناضل أكيتو يوافقهم على هذه المناسبة.

رغم بعض المجاملات والزيارات والاهتمام الذي لم يترجم بالفعل ولم يطبق على أرض الواقع من الحكومة الإرترية الحالية برئاسة أسياس أفورقي لم يعامل المناضل أكيتو من قبلهم بالمعاملة التي تليق به كرمز تاريخي للشعب الإرتري حتى في أيام مرضه لم يتلقى أي اهتمام من النظام الإرتري فقد سافر للعلاج إلى بريطانيا على حسابه الخاص وكذلك عاد إلى المملكة العربية السعودية وتلقى العلاج في بعض مستشفياتها على نفقة بعض أقاربه ممايظهر لنا جلياً الاهمال الذي تعرض له الرمز أكيتو من قبل الحكومة الإرترية الحالية.

جمعية الرعيل الأول وقدامى المحاربين تكرم المناضل اكيتو:
أقامت جمعية الرعيل الأول وقدامى المحاربين معرضا على هامش المؤتمر الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي والذي أقيم بمدينة أواسا جنوب اثيوبيا في نوفمبر من العام الماضي 2011م، وقد اشتمل المعرض على صور وأسماء بارزة في النضال الارتري خاصة الكوكبة التي التحقت بعواتى في بدايات الثورة.

ذا وقد كرمت الجمعية كوكبة من الشهداء والرعيل وذلك بتقديم شهادات واوشحة وميداليات، وقد كان المناضل الشيخ محمد عمر أكيتو من الزعماء الذين تم تكريمهم وقد استقبل المؤتمرون هذه الاحتفالية بزعمائنا وقامتنا الوطنية بالتصفيق الحار والزغاريد وشك روا الجمعية على لفتتها البارعة.

وقد تسلم المناضل أحمد عبدالله قعدر ابن أخت المناضل الشيخ محمد عمر أكيتو ميدالية وصورة تذكارية طبع عليها اسم المناضل أكيتو من قبل جمعية الرعيل الأول وقدامى المحاربين التي قامت بتكريم المناضل أكيتو من ضمن الزعماء التاريخيين والرعيل الأول للثورة الإرترية.

وفاته يقول الله سبحانه وتعالى:
(من المؤمنين رجالٌ صدقو ما عاهدواْ الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلو تبديلا). سورة الأحزاب الآية 22 في يوم الجمعة الموافق 21 أكتوبر من عام 2011م تلقى الشعب الإرتري بكافة أطيافه الإثنية والدينية وفي الداخل والخارج نبأ وفاة الزعيم الوطني الكبير المناضل الشيخ محمد عمر اكيتو بعد صراع طويل مع المرض في المستشفى العسكري بعصب عن عمر يناهز الاثنين وتسعين عام اً أفناها في النضال من أجل استقلال ارتريا وحرية شعبها بمدينة عصب مسقط رأس الزعيم الوطني الكبير المناضل الشيخ محمد عمر أكيتو عضو البرلمان الوطني الشرعي الأول واحد قيادات العمل الوطني في مرحلة تقرير المصير والاتحاد الفيدرالي وأحد المؤسسين للكيان الوطني الارتري.

ببالغ الحزن والأسى لفقده الكبير في الوقت الذي كان فيه الشعب الارتري أحوج ما يكون إلى شخصيته المعطاءة ولكن قضاء الله وقدر قد عجل بمنيته ونحمده على قضائه و لا راد لقضائه وقدره ولا حول ولا قوة إلا بالله.

كان الزعيم الوطني من الرواد الا وائل صناع الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال ومن ثم كان عضو اً لأول برلمان ارتري ساهم في صياغة الدستور الارتري الشرعي وفي صياغة العلم الوطني الشرعي ومن المدافعين الشرسين عن لغته وثقافته العربية وكان حبه لوطنه فوق كل اعتبار فقد رفض المشاركة في جريمة إنزال العلم الوطني وإلغاء البرلمان وإلغاء اللغة العربية في عهد الاحتلال الإثيوبي ورفض كل المغريات التي عرضت عليه للتأمر على وطنه ورفض أيضا كل المغريات للعيش في الخارج وظل تحت الإقامة الجبرية في منزله منذ عهد هيرسلاسي وحتى عهد منجستو كما انه رفض كل دعوات نظام الجبهة الشعبية للمشاركة بما يسمى بالمجلس الوطني بعد التحرير لإدراكه بطبيعة هذا النظام الطائفية فقد ظل صامدا في وطنه إلى أن اجبره المرض للخروج للعلاج وعاد فور شفائه إلى أحضان وطنه الحبيب الذي عشقه بلا حدود.

وقد عبر الإرتريون عن حزنهم العميق إثر هذا المصاب الجلل عبر التعازي والمواسات التي قدموها حيث امتلئت صفحات المواقع والمنابر الإرترية المعارضة والتابعة للنظام الإرتري بالتعازي والمواساة التي قدمت لأسرة المناضل الشيخ محمد عمر أكيتو ولشعب العفر الذي ينتمي إليه المناضل أكيتو مما يؤكد الزعامة التاريخية التي يمثلها الزعيم أكيتو لدى كافة الشرائح الإرترية ومدى حب الشعب الإرتري له كيف لايحبه هذا الشعب فهو الابن البار له فقد أفنى حياته في النضال من أجل أن ينال هذا الشعب حقه المشروع وناضل من أجل ذلك منذ نعومة أظفاره حتى وافته المنية وبموته يكون الشعب الإرتري قد خسر أحد رموزه وأبطاله البارزين وأحد مرجعياته وزعاماته التاريخيين.

وقد خصصت بعض المواقع الإرترية وعلى رأسها موقع فرجت المتميز نافذة خاصة لجمع برقيات التعازي فى فقيد الوطن الزعيم الوطني الكبير المناضل الشيخ محمد عمر اكيتو رحمه الله.

المراجع: الزعيم الراحل/ محمد عمر أكيتو مسيرة حافلة بالتضحيات ورمز تفخر به الأجيال - جريدة ارتريا الحديثة العدد 45 بتاريخ الخميس 17-11-2011

محمد عمر أكيتو... و رد ذكره أثناء الحديث عن موضوع (الصراع حول اللغة العربية في داخل وخارج البرلمان الأرتري) موقع مفتي ارتريا الشيخ إبراهيم المختار.

حكايات من بلادي - رجال ومواقف - بقلم/ عبد الفتاح ود الخليفة... موقع فرجت الإلكتروني.

المناضل البطل محمد عمر أكيتو... رمزٌ نُحت فى الذاكرة الوطنية... بقلم/ رمضان محمد - موقع عونا.

In Memoriam Mohammed Omer Akito Our Own Firebrand - By Alemseged Tesfai
المركز الارترى للدراسات الإستراتيجية (التابع للحكومة الإرترية) Eritrean Center for Strategic Studies

ملحوظة: هذا ما استطعت الوقوف عليه وكتابته وإعداده في هذه العجالة بمناسبة الذكرى الأولى لوفاة المناضل أكيتو حتى تكون بمثابة لفتة وتذكير بإنجازات الفقيد عليه رحمة الله وإن كان تخللها بعض التقصير في استيفاء السيرة الكاملة للمناضل أكيتو وذلك نظراً لقلة المصادر وشح المعلومات المكتوبة عن سيرة المناضل أكيتو.

حيث لم يوف المناضل أكيتو حقه من التوثيق والكتابة من قبل الكتاب والمؤرخين الإرتريين لذا نعتذر لقرائنا الكرام عن هذا التقصير.
وأدعو نفسي وجميع الكتاب الإرتريين الأحرار الاهتمام بتوثيق تاريخ زعمائنا التاريخيين ومناضلينا الأولين الذين لولا نضالهم بعد فضل الله لما كان لنا وطن ننعم فيه وخاصة سيرة المناضل أكيتو التي لم تعطى حقها من التوثيق والكتابة كذلك لو وردت أية أخطاء إملائية أو لغوية الرجاء التنبيه عليها عبر الإميل وشكراً.

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
من اجل تحسين تجربة التصفّح موقعنا الإلكتروني More details…