في ذكري رحيل المناضل الكبير/ محمد سعيد ناود - الجزء الثاني

بقلم الإعلامي الأستاذ: أبوبكر عبدالله صائغ - كاتب وصحفي ثقافي مهتم بالتأريخ

من ذهول الخبرسقطت من السرير ووجدت نفسي مدداً على الأرض وسقط أيضاً التلفون من إيدي ونهضت مذعوراً حزيناً وإرتديت

ملابسي وفوراً إستغليت سيارة تاكسي وتوجهت الى منزل العم ناود،  في تلك الفترة كنت مستأجر غرفة في المنزل الخاص بالمناضل الكبير الراحل/ إدريس قلايدوس من إبنه عثمان إدريس قلايدوس زميلي في العمل في المكتب المركزي للإتحاد الوطني لشباب وطلبة إرتريا، حيث كنت أسكن في هذا المنزل حتى لحظة حضور شرطة إدارة الاقليم وأفراد من الجيش ومسؤولي العقارات الحكومية لتسليم المنزل للسيد/ محمد أدم شقراي، وتلك قصة طويلة تابعت فصولها وانا أقيم بالمنزل.

محمد سعيد ناود و أبوبكر عبد الله صائغغادرت الى منزل العم ناود وشعرت بألم وحزن عميق عندما شاهدت رفاق دربه يقفون خارج المنزل، إستقبلني صديقه المناضل/ إبراهيم أمريكاني قلت له البركة في الجميع عمي ناود رحل عنا، قال لي هو يمسح دموعه هذه سنة الحياة يا إبني البركة فيكم أنتم هذا الجيل الواعي والمتسلح بالعلم والمعرفة، الشارع كان مزدحماً تجمع كبير من الناس يجلسون في الشارع العام وهناك قوى خاصة معهم مسؤول البرتكول يتابعون عملهم في تركيب سرادق العزاء، الناس تتحرك هنا وهناك وأنا كنت متكئ على الحائط حزين مهموم افكر في الكثير من الاوجاع والاحزان وتذكرت الشرائط الستة والحديث الذي أوعدني به ووداعه لي امام منزله، في تلك اللحظات إستحضرت كل اللحظات التي جمعتني بالراحل المقيم المناضل الكبير محمد سعيد ناود.

كان يوما حزيناً بكل المعاني حيث تجمع الناس أمام منزله وحانت ساعة الرحيل الى الدار الاخرة ويحمل جثمانه اصدقائه ورفاقه ومحبيه ليسير الموكب الحزين الى مقابر الشهداء، ليوارث الثرى وتوضع عليه أكاليل الزهور من رفاق دربه حيث تقدم الرئيس أسياس افورقي ليضع إكليل الزهورعلى قبره ويقف دقيقة حداد على قبره ثم رفيقه وصديقه/ إبراهيم أمريكاني ليضع إكليل الزهورعلى قبره بإسم حركة تحرير إرتريا ثم ممثل الجبهة الشعبية وممثل أسرته.

هكذا إنتهت مراسم الدفن ورجعت الجموع الغفيرة الى منزله لتبدأ مراسم العزاء، وكانت سرادق العزاء تمتلئ من جموع المعزين ليلاً نهاراً، الكل يسرد شيئ مما يعرفه عن ناود المناضل والانسان.

الحقيقة التي لا تقبل الجدال رحل الزعيم ناود بعد أن ترك ذخيرة ثقافية مهمة لشعبه، ونشاط سياسي طويل اتسم بالجد والمثابرة والصمت، وهما أثمن ما يقدمه الإنسان الناجح.

رحل ناود الذي بدا حياة النضال من أجل إرتريا في منتصف الخمسينيات من القرن الماضى وإستهل نضاله بالقيام برحلات ماكوكية سنويا الى معظم المناطق في إرتريا وكان يصل الى العاصمة أسمرا متخفياً ويقابل بعض الاعيان ورفاق نضاله ليتفاكر معهم في كيفية مقاومة الاحتلال الاثيوبي الغاشم.

كانت الحصيلة تأسيس حركة تحرير إرتريا في يوم 1958/11/2م، وناود الشاب الهادئ الطبع، الرزين دمث الاخلاق، القنوع، الذى كان زاهداً لدرجة تجعلك تشك من أين له هذه القوة التي يناضل بها ويكتب ويقرأ ويتجول هنا وهناك ليشرح قضية الشعب الارتري في الداخل والخارج.

ويقول المناضل الشهيد/ محمد سعيد ناود عندنا قرر تاسيس حركة تحرير إرتريا (كان لدي هدف واضح محدد وهو إرتريا المستقلة الكاملة السيادة، وهذا ما كتبته وتميكت به مضافً الى المبادئ. ولذلك اذكر عندما أسست حرجة تحرير إرتريا سألت نفسي وقلت أنت الان مستقر وتعيش في حال جيد فهل انت مستعد للجوع والتشرد والتعب، وان هذا الطريق شاق وربما تفقد حياتك فهل أنت مستعد فقلت لنفسي نعم وبدأت على بركة الله..).

هكذا قرر المناضل الشهيد/ محمد سعيد ناود تاسيس حركة تحرير إرتريا حسم الأمر بينه وبين نفسه وترك كل مباهج الحياة لأنه كان موظفاً في شركة التلغراف وهذا المنصب كان كفيل بأن يعيشه في رفاهية مدى الحياة، ولكن قلبه كان ينبض بحب أخر هو الحب الوطن الذي ولد فيها عام 1926م ورحل عنها وهو مقتبل العمر طفلاً يافعاً، حيث تلقي تعليمه المرحلة الابتدائية والوسطي بمدينة بورسودان وتم قبوله بمعهد (بخت الرضا) عام 1952 ليصبح معلّماً لكنه أتجه الي العمل الوظيفي حيث عمل بشركة التلغراف الشرقية ببورتسودان.

كما شارك في الحركة الوطنية السودانية من أجل الإستقلال في فترة الدراسة ضمن الأحزاب السياسية حتي نال السودان إستقلاله، وكان ضمن الكبار الذين أسسوا مؤتمر البجه في بورتسودان، ومؤتمر البجة كان جهد لتجمع لعدد من أبناء شرق السودان والاعيان والنظار والعمد في إطار واحد للمساهمة في الحياة السوداينة.

أسس حركة تحرير إرتريا التي أصبحت واقعاً ملموساً في داخل إرتريا وخارجها في نوفمبر 1958م وهي حركة سرية ثورية كانت ترفع شعارات محددة وهي:

* إلغاء النظام الفيدرالي بين أرتريا وإثيوبيا وإعلان استقلال أرتريا.
* الوحدة الوطنية بين الارتريين.
* إيجاد الحكم الديمقراطي بعد الاستقلال.

بعد الوحدة التي تم بين قوات التحرير الشعبية وحركة تحرير أرتريا أصبح عضواً في البعثة الخارجية ومسئول مكتب الإعلام فيها، وفي المؤتمر الأول لقوات التحرير الشعبية اختير عضوا في المجلس المركزي وعضواً في اللجنة التنفيذية ونائب رئيس اللجنة التنفيذية ورئيس المكتب السياسي وفي فترة لاحقة ضمت إليه المنظمات الجماهيرية.

ثم تولى رئاسة التنظيم الموحد بعد إستقالة المناضل/ عمر محمد البرج رحمة الله عليه. بعد الإستقلال عاد إلى إرتريا للمشاركة في عمليات إعادة البناء وتولى لفترة بسيطة منصب حاكم إقليم الساحل، ثم عضو بمكتب الرئيس كمستشار للشؤون الثقافية حتى لحظة وفاته أقول هذا الكلام لأنني شاهدت بطاقته عندما ذهبنا في إحدى المرات الى مكتب الضرائب لفتح ملف خاص به لدفع الضريبة التي تقططع من المبلغ الذى كانت تدفعه له وزارة الاعلام مقابل المقالات التي كان ينشرها، حقيقة هو لم يطالب بدفع مبلغ مقابل المقالات التي كان ينشرها بل وزارة الاعلام هي التي قررت دفع مبلغ لكل مقال ينشره في الصحيفة، وأنا كنت وكيله حيث كنت أستلم ورقة دفع الضريبة من المالية بالوزارة وأذهب الى قسم الضرائب الداخلية وأدفع الضريبة ثم أعود الى قسم المالية في وزارة الاعلام وأستلم المبلغ المخصص له بعد خصم الضريبة وفقاً للعقد الموقع بينهم وأذهب الى منزله وأسلمه له وأنال حصة تاريخ من الذاكرة المتقدة للراحل المقيم المناضل محمد سعيد ناود.

وبعد ذلك آثر التفرغ للكتابة وأنجز الكثير من كتبه والمقالات البحثية في تلك الفترة.

ومن المواقف التي تعرض له في إحدى المرات إستقل بص عام ليصل الى وسط البلد، طبعا البصات العامة تتميز بالإزدحام الشديد حيث تعرض لسرقة محفظته التي كانت تحوى بعض النقود والكثير من البطاقات منها بطاقة الهوية الارترية وأذكر جولاته حتى يتمكن من إستخراج رخصة قيادة السيارة والبطاقة الإرترية التى كتب في إحدى أطرافها بدل فاقد.

وبعد نزوله من البص إكتشف أن محفظته سرقت بما فيها وشعر بحرج شديد وإحتار ماذا يفعل وذهب الى محل العم المناضل/ محمد نور رمضان "رباط" وهو أحد أعيان شارع كمشتاتو وله دكان لعرض الصحون اللأقطة والأجهزة الإلكترونية بالقرب من سينما "إمبيرو" وله محل أخر داخل مبني ستي كيك مقابل إدارة الاقليم الأوسط، قابل العم محمد نور رمضان وإستلف منه مبلغ 100 نقفة سلفية وقال له سوف أردها لك غداً هكذا حكي لي العم محمد نور رمضان.

وفعلا جاء المناضل الراحل/ محمد سعيد ناود الى العم محمد نور رمضان في اليوم التالي ليسدد الدين ورفض محمد نور رمضان إستلام المبلغ وبفعل ضغط المناضل/ محمد سعيد ناود إستلم المبلغ، هذه هي قيم الكبار التي يجب أن تورث للأجيال.

حين أتكلم عن نزاهته ليس من فراغ ساسرد بعض المواقف في الجزء الثالث

Top
X

Right Click

No right click