لماذا هذا الصمت من قبل الحكومة الارترية حول غياب المناضل تكئ بيني

بقلم الأستاذ: أحمد صالح القيسي - قيادي سابق بجبهة الشعبية لتحرير إرتريا

لماذا هذا الصمت من قبل الحكومة الارترية حول غياب (تكئ بيني ተኪኤ በየነ መብራህቱ)، وهم الذين يملؤن

تكئ بيني

الدنيا ضجيجا حين يغيب شخص من ملتهم ونوعيتهم.

سوى التغريدة اليتيمة التى نشرها وزير (اعلامهم) وكانت اقرب الى صياغة خبر منه الى حالة (تابين) وتعبير عن الحزن والاسى.

ولكن لا يهم فهؤلا معرفو ومعروفة مقايسهم المهم من هو (تكئ بيني): وهذا الاهم لان الكثيرون من الاخوة لم يسمعوا عنه، فالرجل من خيرة ابناء هذا الوطن، واحد الكفاءات الارترية.. وصاحب تنوع في العطاء.. فقد كان اعلامي بارز.. وعملنا معا لسنوات طوال.

كانا مسؤول لقسم الاخبار في اذاعة صوت الجماهير، واديب من طراز رفيع في مجال الرواية وله مؤلفات. واخيرا اقتصادي كا مدير للبنك المركزي الارتري، وفي عهده تم طباعة العملة الارترية.

هناك صنف من البشر عاش في هذه الثورة - بصمت - وقدم اسهامه - بصمت - وغادر هذه الحياة - بصمت - كثيرون من هذه الانواع مرت في حياتنا... ولكنه صمت حمل لهم التقدير والوفاء.. ولم يكن من ذالك النوع... الاقرب الى صمت القبور... الوحيد الذي شذ عن هذه القاعدة عن هذه النوعية برغم انه منهم، هو (برهاني برهي)، الذى زاد صمته ولم يعد قادرا على السكوت فختمها بكتاب يفضح فيه راس النظام والكوكبة التى حوله.

(تكىء بيني) كان كبيرا في السن قياسا للذين كانوا حوله او العاملين معه، وكان شاغله لزمن طويل رغم جهده المضني ان يخفي هذا الشاغل والهموم هو موضوع (اسرته) ورغم بساطة المسالة لانه من الطبيعي ان الكل ترك خلفه اسرة وعائلة... الا انه بحق كان موضوعه مختلفا:-

اولا: انه هرب في اللحظة الاخيرة بعد ان كشف امره من قبل سلطات العدو الاثيوبي، وهو الرجل المعروف في تلك الاوساط حينها.

ثانيا: ان عائلته كانت مكونة من اناث فقط وكانت الكبيرة منهن قد التحقت بالجامعة في اسمراء. ونتيجة انفضاح امر علاقته بالثورة وحجم المعلومات التى يعلم عن العدو... فقد كانت ضربة موجعة للاثيوبين... وكان يتوقع ان الانتقام سوف يكون من (العائلة) وخاصة من بناته. هذا السر لم يكن يعلم به سوى ثلاثة اشخاص هم (ادارة الاعلام) فقط ولكنه استمر بطريقته الابوية في علاقته مع المقاتلين الاخرين.

ظل هذا السر مدفونا في صدره... اما رؤيته في قضايا الثورة والتنظيم و الخلافات... فقد كانت بعيدة عن اهتمامه... ودائما ما كان يردد امامي حين نناقش بعض القضايا: هناك - قضية - وهناك - شعب - ونحن نقوم بواجبنا.. ما تبقى سوف نتفرغ له بعد ان يرحلوا الاثيوبين.

بعد الحملة السادسة.. وما تبعها من مواجهات لا تقل عنفا. جاء قرار ضرورة سفري... الى ما كان يسمى.. وراء خطوط العدو... ويعني المرتفعات وغرب البلاد حتى المناطق المحاذية لمدينة (اسمراء)... حين حان موعد السفر بايام... التقيت الشهيد/ تكىء، من اجل موضوعه واخبرته بانني راحل وان اول ماساقوم به هى محاولة التواصل مع الاخوة هناك والبحث عن امكانية اخراج اسرته وجلبهم الى الميدان، والواقع انه ونتيجة حالة الياس التى كانت مسيطرة عليه.

لم يبدي اي فعل حماسا او اعتراضا كل ماقاله لي... (انتبه على نفسك) تلك الاماكن غير امنة... وغادر.

بعدها بايام غادرت الساحل متوجها الى بركة ومنها الى الغرب... وعند الحدود الاثيوبية... الارترية.. وبداية المرتفعات... لم اغفل حول... عائلة تكيئ... الى جانب العمل الذى جئت من اجله، فقد التقيت بكل المعنيين لتسهيل عملية اخراجهم.. والكل كان يستبسط المسالة... حتى تملكني الشك بان القضية في نظر هولا... لا تعنى شيا وان حماسهم هو مجرد مجاملة، حتى اقنعت نفسي ان ما يعتبر واجب قد قمت به.

انهيت عملى في تلك المنطقة وغادرت، وما ان وصلت الى منطقة (قرمايكا) على الحدود السودانية، حتى وجدت جماعة من الاعلام العاملين هناك ينصحونني بالعودة عن طريق.. كسلا... بورسودان.. بدلا من العودة عن طريق الداخل... المهم دخلت السودان... كسلا... ومن حسن الحظ انني وجدت الشهيد ابراهيم عافة... وقضينا بضعة ايام معا هناك.... وبعدها غادرت الى (بورسودان).

حين وصلت الى (بورسودان) حتى جاءتني رسالة من جماعة الاعلام في الغرب منطقة (شلالوا). يبلغوني بانه قد تم اخراج عائلة (تكىء بيني) وانهم حاليا متواجدون معهم... ذهلت لهذه السرعة... والبساطة، وبعد تفكير وتمحيص... ربما قد تكون حياتهم في خطر.. ولكن ليس بذاك الحجم الذي كنا نتصوره، وان التوقعات... والاحتمالات... التى كان يعتقد بها الشهيد (تكىء) كانت دوافعها عواطف.. اب... تجاه ابنائه... وهذه مسالة طبيعية، ولكن المحزن ان نظام (الدرق) كان اكثر رحمة من نظام اسياس افورقي في التعامل مع هذه الحالات... وهذه قصة اخرى.

حين عدت الى (الميدان) استقبلت كا احد الفاتحين في العصور الغابرة، فاالخبر انتشر... ولكن بصورة غير حقيقية... فا دوري لا يتعدى الابلاغ اما المجهود فيعود لااخرين... المهم هذه الصورة انطبعت في ذهن (تكئ بيني)... والكثير من اعضاء الاعلام رغم محاولاتى اليائسة في تعديل... وتصحيح الصورة. ومرت الايام... وجاء زمن... ورحل اخر... واختفت وجوه... وظهرت اخرى، وجاء التحرير وما صاحبها من تغير مفاهيم.... وبروز اخرى لا تمت بصلة لما سبقها.

وفي سياق هذه المتغيرات والتى كانت تؤشر جميعها الى نهاية مدمرة لهذا البلد سيما بعد (مؤتمر نقفة). عين (تكئ بيني) مديرا للبنك المركزي، وفي عهده ظهرت اول عملة ارترية، واستبشر البعض خيرا باننا سائرون الى دولة مؤسسات، ولفترة طويلة لم تجمعنا الصدف... حتى جاءت لحظة في احدى الليالي.

لازلت اذكر موقع وزمن اللقاء... كان تحديدا امام البريد المركزي في اسمراء، وقرابة الساعة الثامنة والنصف مساء وكعادته كان بشوشا، شاكرا الله انه وجدني اخيرا.

وانه كان يبحث عني... واصر على ان نتناول القهوة في مكان هادئ لان لديه شئ مهم يريد البوح به فيما يتعلق بي.

واستغربت ماهو هذا الموضوع، وسرنا معا نحو احدى الاماكن القريبة... والحق انها لم تكن هادئه... بما فيه الكفاية... المهم ومن فرط استعجاله للحديث... فقد بادرني فورا بانه يشعر بالخجل وتانئب الضمير ان يرى شخصيات لعبت دورا كبيرا في النضال ان يكون مصيرها التجوال في الشوارع، وانتقل للحديث بشكل محدد عني شخصيا، بانه لم يمتلك الشجاعة اللقاء بي لان ليس لديه ما يقوله او يقدمه... لانه باختصار لا يعلم ماهي المشاكل التى كانت تحكم هؤلا الناس في الميدان، وكيف يعقل من كان يعتبرهم مثال اصبحوا هكذا من المنسيين بعد التحرير... طوال حديثه كنت استمع وانا مبتسم لانني كنت اشعر في قرارة نفسي انه صادق في كل ما يقول، ووجدت ضرورة قفل هذا النقاش لانه جاء دون مقدمات
وسوف يتشعب نحو امور ليس بمقدور الرجل ان يتحمله، ثم ان المكان والزمان غير مناسبين، ووضحت له راييء على ان نلتقي مرة اخرى.

الا انه بادرني بالقول: ان موضوعه شئ اخر اراد ان يفاتحني به وله صلة بما كنا نتحدث عنه... وان هذا مايمكن ان يريح ضميره.

قال انه منذ ان تسلم ادارة البنك قد وضع سياسة جديدة تتعلق بعمل البنك فيما يتعلق بالتعامل بالعملة الصعبة، فا الي جانب الترخيص التى ستمنح للشركات والافراد فان البنك بدوره سوف يقوم بمنح تراخيص وتمويل.. لجهات واشخاص.. وقد وجدت حلا لك بعد ان سمعت انك رفضت الاستمرار وقدمت الاستقالة.. وسالني كيف وجدت الفكرة كان ردي: الفكرة جيدة لكن المشكلة:-

اولا: ليس لدي ادنى فكرة عن عمل مثل هذا،

وثانيا: هذه المسالة مرتبطة بالموافقة على الاستقالة، ثم اضفت واخيرا برضاء جماعتك.

كان عرض (تكئ بيني) يعكس نقاء الرجل وطيبته، فهو لا يعلم ان عالما جديدا قد بداء في التشكل، وانه هو شخصيا مجرد مرحلة وسيتم التخلص منه، شكرته واخبرته بانني سوف اتابع موضوع الاستقالة وسوف ابلغه بالنتائج.

ومرت الايام... صادف بعدها ان اثرت الموضوع مع الاخ/ محمود شريفو... ومن عجائب الامور وجدته متحمسا للفكرة... وكان تعقيبه: انت ترفض العمل وترفض استلام المعاش... والرئس يعاند.. والمحصلة انك تدفع الثمن.. ولذا فان (تكئ) قد اوجد المخرج.

ولذا عليك ان تتقدم برسالة الى مكتب الرئس تبلغه بما عرض عليك وانك راضيا بذلك، ورفضت الفكرة من اساسها وان المسالة ليست استجداء، وبعد نقاش طويل عريض تطوع (شريفو) وقال: بانه سوف يناقش الموضوع مع الرئيس ويقفل هذا الموضوع الذي اصبح عبئا على الجميع حسب تفسيره... ومرت الايام والشهور.. حتى اصبح موضوع (تكئ) في طي النسيان من ناحيتي لم اسال (شريفوا) ولم التقي ب (تكئ) حتى ظهرت مجموعة ال (G15) وتكهرب الجو السياسي في البلاد، ومع كل يوم كان سقف الخلاف يرتفع من خلال الحرب الكلامية بين الطرفين عبر الصحف الخاصة.

واشتد الخناق بينهم، والحقيقة انني كنت من اقرب المتابعين لهم، ولكن دون صفة بحكم ان وضعي لا يسمح كون الاخرين اعضاء في المجلس او في الحكومة او في التنظيم. وانا لست في كل ذلك... لكن وبحقائق الامور والمواقف... كنت الاقرب اليهم، وكان لي اسهام وملاحظات بحكم قربي الشخصي من الاخ/ محمود شريفوا.. وفى احدى الايام وعندما وصل الخلاف حده الاقصى خطرت لي فكرة تقديم النصح لان توازن القوى لم يكن متكافئا بل ليس هناك تقارب بالاصل.

وان جماعة ال (G15) يديرون معركتهم بناء على وهم.. ان قواعد التنظيم والشارع مدرك لطبيعة تحركهم.. ولذا وجدت من الضروري مناقشة الامر مع (شريفو).

حينها كنت متمسك بعادة زيارة... شريفوا... كل ليلة وانا عائدا الى منزلى، وكانت المسالة سهلة جدا اذ ان عودتى الى المنزل تفرض المرور بنفس الطريق... فهو يقطن في (ترافلوا) وانا في (سنبل) اما المحنة في هذه الزيارات هى المراقبة والجواسيس.. واخيرا سمعنا انهم زرعوا كاميرات ايضا.

المهم كانت زياراتي هى الوقوف الى جانب شريفو اقلها ادبيا بعد ان عزل نفسه تماما، ورافضا لزيارة اى كان ممن يشك برتباطه بالجكومة... ثم ان وضعه الاقتصادي كان سيئا، كل هذه العوامل كانت تجعلنى اتحدى هذا الخطر مع علمى المسبق انهم بنتظار خطاء ما يصدر منى حتى اكون في القائمة. المهم... في تلك الليلة قدمت الى شريفوا.. وطرحت له ملاحظاتي وان العقل يقتضي الرجوع قليلا الى الوراء بحكم الضرورة... وانه الرجل المقبول من قبل الجميع... وعليه ان يلتقي بالرئيس... وان يصل معه الى صيغة وحل وسط، وان تتوقف هذه الحملات في الصحف... وختمت حديثى معه... ان الرجل يعد بحملة اعتقالات.. ثم لا تنسى اننا في عالم ثالث او اقل، فمن يملك السيطرة على الجيش والامن يمتلك البلد والشعب.

بل عند البعض يمتلك الكوكب انتفض (شريفوا) وصرخ في وجهي: كيف اطلب منه ان يتراجع عن مطلب مبدئى يخص الشعب والبلد والمستقبل، وان القضية ليست شخصية بينهما. واشتد النقاش بيننا وكانت حجتي... المسالة الان ليست مبداء وخيار لابد منه، انه منطق القوة والحقائق، خلاصة الامر.. رفض شريفوا ما قدمته... واستمر يصرخ وينعت الرئيس ب اسواء العبارات مضيفا ان الشخص الذي نعرفه في الميدان لم يعد موجودا، واننا نتعامل مع شخص اخر لا نعرفه، واننا قد تحملنا الكثير، لكن حان الوقت لمواجهته، وفجاة توقف وراح مستغرقا فى لحظة تفكير سريعة وقال: تذكر موضوعك مع (تكئ) واننى قلت لك سوف انهى الموضوع معه... تعرف ماذا كان رده حين اخبرته بالموضوع قال: ليذهب القيسي الى صنعاء او (جدة) ان كان يريد عملا... اما هنا... لا... وكان بامكاني الرد عليه، ولكني تجاوزتها حتى لا تصبح المسالة شخصية... واخفيت الامر عليك... اليست هذه جريمة... هل بلغ بنا الانحطاط هذه الدرجة، صمتنا كثيرا، والان تقول لي... نساوم ونتراجع قليلا او كثيرا... اقصى ما سيفعله هو الاعتقال والقتل، لكن السؤال: الى اين النهاية.

لم اكن قادرا علي الاستمرار هل فعلا بلغنا هذا المستوى... وعدت الى منزلي ولم انم ليلتها.. ليس لموضوعي وما سمعته... فذلك لا يعني شيئا.. فهو ليس من يمنح الصكوك في ذاك البلد... ولكن الى اين سائرون بهذا البلد... انه النفق المظلم... لم تمضي ايام حتى بدات هيستيريا الاعتقالات والتخويف بل والتخوين... وبدات المتاهه الي اللحظة جاءت بعدها بفترة فرصة اللقاء ب (تكئ بيني) وسالني ماذا فعلت ولماذا لا تزورني في البنك، وتنحيت به جانبا وقلت... لقد فعلت الكثير وتعلمت الكثير.. وموضوعنا بحاجة الى جلسة وحددنا موعدا، حينها لم يكن الجو مناسبا للحديث الخاص... وفي لقاء الموعد... اخبرته بكامل القصة... وختمتها سوف يكون لكم فرعا في موطني الذي لا اعرفه جيدا كما عرفت (ارتريا).

واذكر انه كان يستمع لي بذهول غير مصدق... وشحبت ملامح وجهه وبداء في البكاء.. بصمت... كما عاش بصمت، واخر ما تفوه به لحظتها : نحن لا نعرفكم ولا نعرف مشاكلكم.. لقد عشنا مخدوعين طوال هذا الزمن، ولعل ما كنا نحلم به ويحلم به هذا الشعب... هو خدعة اخرى... وافترقنا.. حتى جاء حكم القدر ليرحل عنا احد اخلص الرجال واكثرهم براءة.

رحم الله الفقيد.. والرحمة لجميع الشهداء... ودحنكم.

Top
X

Right Click

No right click