عروبة اريـتريا - الحلقة الثانية

تأليف الأستاذ: محمد عثمان علي خير

الفصل الأول - (1) الجذور التاريخية لعروبة ارتريا: مقدمة تاريخية تعكس واقع ارتريا القديم والحديث، درجت قيادة

عروبة إريتريا حقائق ووثائق (الجبهة الشعبية) منذ دخولها إلي (اسمرا) في مايو 1991م إثر اندحار قوات العدو الأثيوبي أن تعمل على تركيز خطها السياسي القائم علي عدم ربط إريتريا بالوطن العربي لاسباب تتعلق بفهمها الخاطئ لطبيعة هذه العلاقة التاريخية والحضارية،وحصرها في إطار الانتماء الديني حسب ما هو واضح، واختلقت غير ذلك من المبررات التي تضر بالعلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، بل وحرمان شعبنا من الارتباط بعمقه الحضاري العربي وموقعه الاستراتيجي الذي يتمثل في الثقل الدولي الذي تتمتع به أمتنا العربية في الميادين الإقليمية والدولية والتقنية، بجانب الثروات الاقتصادية الهائلة،في مقدمتها ثروة النفط، التي ترجح كفة الدول العربية، وتجعلها في موقع متقدم في إدارة شئون الاقتصاد العالمي، ونحن لا نستطيع إن نجد سببا لرفض قيادة (الجبهة الشعبية) ارتباط إرتريا المستقلة بأسرتها العربية هل من زاوية قومية ؟ أم من زاوية دينية ؟ أم من زاوية اللغة والثقافة ؟ والتي لا تتفق حسب زعمها ومصالح إرتريا، كل هذه العوامل مجتمعة بالنسبة لنا تفرض انتماء إريتريا العضوي للامه العربية، إذا كان طرح (الجبهة الشعبية) ينطلق من الزاوية القومية فالغالبية العربية الإسلامية الي جانب المسيحيين الإرتريين بشكل عام، نزحوا من جنوب الجزيرة العربية إلى إرتريا، ودخلت النزوحات القومية عبر تلك البوابة الجنوبية للجزيرة، والذين نقلوا معهم حضارتهم ودمائهم إلى المنطقة، وعبر تلك الهجرات المتواصلة، ومنذ ثلاثة آلاف سنة وحتى مشارف القرن العشرين، تركز ملامح الانتماء العربي لإرتريا، وهناك نزوحات تاريخية تلتها في العصور الوسطي تمثلت في قبائل البجة الحامية من جنوب مصر وشرق السودان، وهكذا فان سكان إرتريا هم ورثة الدماء المختلطة لشعوب كان يطلق عليها اصطلاحا الشعوب (الحامية ـ السامية) وبالتالي فان انتمائهم من الناحية القومية بحكم اللغة والثقافة والموقع الجغرافي والمصالح المشتركة يفرض انتمائهم إلى الأمة العربية، من دون أية تعقيدات مفتعلة، أما من الناحية الدينية فان عراقة المسيحية في إرتريا تنبع من انتمائهم إلى العرب المسيحيين الذين نقلوا المسيحية إلى إرتريا والفضل يعود في ذلك إلي أولئك الذين رحلوا إلى إرتريا والقادمين من بلاد (الشام)، والذين عززوا وجود المسيحية في إرتريا عبر تلك التحسينات التي ادخلوها في لغة (الجئز) القديمة والتي أصبحت بعد ذلك صالحة لنقل الكتب المقدسة إليها، ولم تأتي المسيحية عبر بلاد ما وراء البحار، وإنما انطلقت من الأمة العربية التي تشرفت بنزول كل الديانات السماوية فيها، وظلت مصدر إشعاع ديني وفكري وثقافي طيلة مراحل التاريخ، وانعكست تأثيراتها وامتزاجها بالأقوام المجاورة لها بشكل مباشر، وإرتريا تقع في دائرة مجمل الأحداث والتفاعلات التاريخية والدينية والثقافية، وكان من الطبيعي أن تتأثر في النهاية بتلك الرسالة التي اختص الله تعالي بها هذه الأمة لتحمل راية الإسلام والذي جاء تتويجا لرسالة التوحيد التي حملتها المسيحية وهيأت لها أهل الأرض لتقبل فكرة التوحيد قبل أن تحدث فيها تلك التحريفات من الرهبان والقساوسة.

 

أما من ناحية اللغة فان اللغتين التجرنية {يتحدث بها المسيحيين} ـ والتجري {يتحدث بها المسلمون} تنتميان تاريخيا إلى لغة (الجئز) التي هي من اللغات السامية العريقة التي سادت في اليمن في القبائل الحميرية وهي اقدم لغة سامية في شمال وشرق إفريقيا وقد كانت لغة القبائل (السبئية) التي نزحت إلى هضبة إريتريا وهضبة (التجراي) من جنوب الجزيرة العربية منذ عهود قديمة، واكتشفت في الهضبة الإريترية نقوش (جئزية) عديدة ومهما يكن فان الإمعان في القلم (الجئزي) يظهر انه مشتق من (السبىء) ومتأثر بالصورة (السبئية) أيضا ومن الملاحظ إن انتعاش لغة (الجئز) الثقافي كان فى الفترة الواقعة بين القرنين الثالث ـ السابع عشر، وهي الفترة التي نشطت فيها الكنيسة بعد قرون من الانزواء، وظهرت (التجرينية ـ التجري) كلغتين للتخاطب عوضا عنها، في المناطق التي سادت فيها (الجئز) تاريخيا ومهما حدث من تحولات تاريخية علي الصعيد الثقافي والسياسي فان منطقة إريتريا ارتبطت حضاريا بمجمل التفاعلات والعوامل التي كانت تحدث بين حين وأخر في الجزيرة العربية، وظلت متانة اللغة العربية تعكس دورها وحضورها بعد ظهور الإسلام بآفاقه الحضارية والروحية الرحبة، التي انتقلت بالمجتمع العربي إلى مرحلة تحمل رسالة عالمية، لها معطياتها الحضارية والثقافية المشرقة، وكان لانتشار الإسلام من الناحية السياسية في ربوع الجزيرة وبلاد الشام والرافدين وفارس ومصر وشمال إفريقيا أثرة الإيجابي، في اخذ اللغة العربية موقعها المتقدم واذابة كثير من اللهجات المحلية العريقة في إطارها، وهكذا نجد إن وجود اللغتين (التجرينية والتجري) والتي يمكن حصرهما ضمن اللهجات العربية المتبقية، والتي لم تعد متداولة في الجزيرة العربية واليمن، نتيجة للتطورات التي شهدتها اللغة العربية وتلك النقلة الحضارية التي طوت صحائف اللغة (الجئزية) بكل إمتداداتها (السامية) ولكنها ظلت باقية في إريتريا متمثلة في اللغتين (التجرينية ـ والتجري) وفي معظم المفردات التي تذخر بهما هاتين اللغتين وهي كما قلنا المصدر الأصلي للغة العربية السائدة اليوم، ومن ثم فأننا لا نجد سببا واحدا يدعو إلى قطع صلة الشعب الإريتري بتلك العلاقات التاريخية والثقافية مع أمته العربية، بل علي العكس من ذلك فان كل من صلات الرحم ـ و القومية ـ الدين ـ اللغة تفرض تمتين علاقة ارتريا بعمقها الحضاري العربي، وهذا ما يجب إن تعيه قيادة (الجبهة الشعبية) لأن مصلحة إرتريا من كل جوانبها تفرض أن تتبلور هويتها الحضارية في انتمائها العربي الذي لا يمكن إن يتعارض مع ولائها الديني للإسلام والمسيحية) لأن المنطقة العربية هي مصدر هاتين الديانتين.

• والحقيقة فإن تشكيك بعض الكتاب الإرتريين في انتماء إرتريا العربي يرجع الي عدم اهتمامهم بالبحث ومراجعة علم التاريخ باعتباره من العوامل الأساسية في تحديد وبلورة هوية الشعوب، ولهذا العلم قواعد وأصول هي التي أهلته ليكون أحد وسائل اكتشاف أصول ما قبل التاريخ وما بعده، وقد استطاع علم التاريخ بهذا المنحى أن يقدم أروع الاكتشافات في تواريخ البشرية ويطلعنا على الآثار والمعالم التي تضع أمامنا الصورة الكاملة لخلفية أي شعب وجذوره وامتداداته وموقعه الحالي بين الشعوب، بل لقد تطور علم التاريخ في أحد فروعه ليقدم لنا "أصول وأنواع الحيوانات"، فهناك (الحصان العربي) الذي تحددت معالمه عالميا ومناطق تواجده في الجزيرة العربية - السودان - العراق - وأمريكا الخ.

وضمن هذا الفهم فإن علماء التاريخ الذين كتبوا عن إرتريا وحددوا هويتها ليسوا بحاجة اليوم إلى تلك المحاولات غير السوية التي تبذلها بعض العناصر الإرترية لتحول دون ثبوت الهوية العربية في إرتريا، ويمكننا تحديدا أن نقدم بعض الأدلة الدامغة التي تضع حدا لتلك التساؤلات الخبيثة التي تقف من ورائها قوي خارجية لتلقي بذلك الضباب الكثيف لحجب الرؤية عن حقيقة انتماء إرتريا وهويتها العربية واعتماد المخططات الاستعمارية التي تحرك البعض ليجعل من إرتريا شعبا بلا هوية.

ونحن نتساءل ما هي الهوية في نظر هؤلاء الكتاب ؟ ومم تستمد معانيها وأصولها العرقية والثقافية، وما هي المقاييس العلمية التي تمكننا من معرفة هذا الشعب واصلة وفصلة ؟ وهل تلك الكتب التي ألفها الاستعماريون وبذلوا فيها جهودا غير عادية لتزوير هوية شعبنا وانتمائه وتاريخه تعتبر مصدرا يمكن الركون إليه ؟ وهذا ما حدث في كثير من الأقطار العربية والإفريقية التي تعرضت إلى محن كثيرة بسبب هذه المحاولات الخبيثة التي بذلها الكتاب والمستشرقون وعلماء البلاط الاستعماري في أوروبا لاذابة خصوصيتها الثقافية والقومية.

وما هي في نظرهم العوامل التي نطلق عليها القومية، علي أي فئة وكيف يمكننا أن نتعرف علي وجدان وعادات وتقاليد شعب ؟ هل بتلك السطحية التي صاغ بها (انجليس وهيجل وماركس) أفكارهم الطوباوية والتي تبدو من تعاملهم مع المسالة القومية ؟، لا اعتقد آن هؤلاء يمتلكون أي منظور تاريخي علمي في استعراضهم لمسالة القوميات في الإطار الإرتري بشكل خاص سوي تلك الحزمة الجاهزة التي يقذفونها في وجه من يريد أن يقدم الحقائق، ويعتبرون أنفسهم أصحاب القول الأخير في هذه المسالة الحيوية علي الرغم من إن استعراضهم لا يعدو إن يكون مجرد سرد يأخذ من هنا وهناك ليتوائم في النهاية مع برنامج القوميات التسعة الذي تقوم عليه برامج وفلسفة نظام (الجبهة الشعبية) في ارتريا والذي يسعي الي خلق مجتمع إرتري بلا هوية وتاريخ يسهل بعد ذلك إذابته في المشروع الطائفي للقومية التجرينية في ارتريا.

أريد أن أقول ودون أن أخوض في مناقشة قضية محسومة بالنسبة للغالبية العربية الإسلامية في إرتريا، ولا يحتاجون فيها إلى تلك المعاناة التي يسعى البعض من خلالها إلى تقديم وليد غير شرعي يناهض هوية ارتريا العربية.

ويمكن أن نتناول الموضوع ضمن ثلاثة عناصر:

1. القومية

2. الدين

3. اللغة

القومية:

إن القومية في اعتقادي تشترك فيها ثلاثة عوامل لا طلاقها على أي قوم: الأرض ـ الخصائص المشتركة ـ الشعور بالانتماء، إضافة إلى ترابط أو تشابه الظروف التاريخية وتداخل الموجات الحضارية.

والشعب الإرتري تنطبق في أركانه الأربعة هذه العوامل ونعني بذلك (بركة وعموم الساحل ـ سنحيت ـ سمهر ـ دنكاليا) إن الموجات البشرية التي استقرت في هذه المناطق كانت تعبر من جنوب الجزيرة العربية والتي لا يفصلها عن إرتريا سوي باب المندب بعرض لا يتجاوز عشرة أميال.

ونلاحظ إن الثلاثة أركان (سمهر ـ وبركة ـ وعموم الساحل) تجمعهم ثلاثة عوامل اللغة ـ الدين ـ التداخلات القبلية المشتركة إلى جانب العادات والتقاليد مع التفاوت النسبي في بعض الجوانب من التقاليد والتي تفرضها طبيعة الجوار والأمزجة المختلفة فمثلا التداخلات القبلية المشتركة في غرب إرتريا وبين قبائل البني عامر في شرق السودان تعكس في العادات والتقاليد وفي الزيِّ المشترك، بجانب قبائل الساحل المرتبطة بدورها بالقبائل العربية في السودان بخلاف إقليم (سمهر) الذي تبرز فيه التشابه في العادات والتقاليد والزيِّ بينه وبين الجزيرة العربية واهل اليمن، وهذا لا يؤثر بطبيعة الحال في تلك الثوابت العرقية والثقافية والدينية والشعور القومي بالانتماء والمصير المشترك، فمثلا اذا انطلقت شرارة في (بركه) تجد عموم (الساحل و سمهر) ينفعلون ويتأثرون ويهبون للدفاع عن اخوانهم وبني جلدتهم في (بركه) والعكس صحيح، وتجد معظم مناطق (سمهر في شعب ـ مصوع ـ وقيرو- امبيرمي ـ حطملوا ـ اماتري) ونشير هنا الي أن مدينة (حرقيقو)، كانت مقرا لحكم (البلو) وتنفرد بتاريخ متميز، وهي أقدم من (مصوع) في بعض الروايات، ومن أهم التجمعات التي تمركزت فيها عوائل (البلو) العامرية، والتي تربطها جذور قبلية (بالساحل و بركه)، فتجد معظم بطون (البني عامر) في الساحل وبركه تنبع من تلك المناطق مثل (البلوا ـ الأفلندا ـ البيت معلا ـ الاسفدا ـ الالمدا ـ عد شيخ محمود - عد الشيخ حامد ـ عد معلم)) بفروعهم المختلفة، ولاننسي هنا قبيلة (الحباب) المؤلف من (بيت أسقدي ـ عتي ماريام ـ عد تكليس) والتي انصهرت في القبائل العربية وأخذت موقعها المتميز ضمن هذا الانصهار في قبائل (التجري العربية) تتجاذب هذه القوي الاجتماعية سلالاتها العرقية في إطار السلالات العرقية العربية وهذا النسيج القبلي المتعدد الأطراف في إرتريا يعبر عن نفسه ومشاعره بلغة (التجري) التي تنتسب إلى لغة (جئز) وتجد معظم مفرداتها موجودة في اللغة العربية الأصلية ولا تجد أحداً في هذه القبائل وفي هذا المثلث يدعى الانتساب بغير العرب ويقدمون لك شجرة انتسابهم العربية ويشكل سكان هذا المثلث 65% من سكان المساحة الإرترية، والجدير بالذكر أن قبائل (التغري) يمكن أن تشكل إطار قومي موحد، اذا استطاعت أن تتجاوز تلك الخلافات الاجتماعية المتوارثة من عهود الظلام والتي تعوق كثير من أسباب التلاحم بين هذه القبائل التي ما يوحدها هو الغالب.

إقليم سنحيت وإقليم دنكاليا:

إقليم سنحيت تنتمي أصوله في النهاية إلى قومية (التجري) بالرغم من وجود لهجة يتميزون بها وهي من بقايا اللغة (الكوشية) إلا انهم انصهروا مع (التجري) خاصة وان العامل الديني والثقافي لعب دورا كبير في قبيلة (البلين) التي تعتبر ابرز واقوي شأنا في (سنحيت) وللعلم فإن المنسع ينتمون الي بني (أمية) ولهم دورا كبيرا في نشر العربية وحفظ القرآن الكريم بشكل متميز، وفي المرتفعات الإرترية حيث (الساهو) الذين يشكلون 40% من السكان في المنطقة إلى جانب إنتشارهم في المناطق الشرقية وينتسب (الساهو) إلي السلالات العربية، بل ويقولون انهم ينتمون إلي الأصول العربية الهاشمية، وهم يؤدون دورا إسلاميا كبيرا في تلك المنطقة وتنتشر في قراهم الخلاوي القرآنية ويسارعون لبناء المعاهد الدينية والتدريس باللغة العربية في مواجهة قوية للأنشطة الكنسية التي طالما استهدفت وجودهم ونرى في فنونهم، الفروسية العربية، بكل معانيها بجانب عاداتهم وتقاليدهم الضاربة العمق في الجزيرة العربية.

• يأتي (الجبرته) كنموذج حي للارتباط بالانتماء العربي من منطلق علاقاتهم العميقة بالجذور الإسلامية (والجبرته) هم من الفئات التي نزحت من اليمن - من منطقة (زبيد) ـ كما ورد في بعض المصادر التاريخية، وكانوا رعاة واعتنقوا الإسلام وساهموا في نشره في الحبشة، ولهم دور كبير في بناء المساجد في قلب المرتفعات الإرترية تأكيدا لارتباطهم بالإسلام عقيدة وعملاً أمام تلك النشاطات الكنسية المشهودة التي تحاول اقتحام مناطق المسلمين في المرتفعات الإرترية.

* أما شعب (دنكاليا) باعتبارهم ركن أساسي في استكمال الصورة العربية الإسلامية في إرتريا، فانهم أي (العفر) يقفون على بوابة التجاذب التاريخي مع مجمل الموجات البشرية المقبلة من الجزيرة العربية، ويحتفظون بلهجتهم الحامية، ويعتبرون لغتهم الرسمية وأداتهم الثقافية هي اللغة العربية ولهم مواقف تاريخية في هذا المجال وهم اكثر عمقا في ترابطتم مع القبائل العربية في الجزيرة العربية، خاصة بعد دخول الإسلام إلى هذه المنطقة بقيادة أمير المومنين (عبد الرحمن بن حبحب السلواني) عام 427هـ ودخلت اكثر القبائل العربية من الجزيرة العربية عبر جزيرة(دهلك) لنشر دعوة الإسلام واللغة العربية، وحدث تزاوج واسع بين (العفر والعرب) مما أوجد بمرور الزمن قبائل عربية ذات سيادة وتأثير في قبائل العفر وتجدهم يتباهون في تفاخر بأنسابهم العربية، بالرغم من ضعف لغتهم العربية والإهمال الذي يعانون منه من المراكز التعليمية العربية، التي كان يفترض ان تنهض باللغة العربية في هذه المناطق الاستراتيجية، حيث يتواجد العفر في معظم الجزر الاستراتيجية في البحر الأحمر، بجانب المينائين الرئيسين في ارتريا (مصوع وعصب) بشكل خاص ويظل العامل الديني والنزعة القومية نحو اللغة والثقافة العربية يشكلان الأساس في تعميق الهوية الإسلامية لهذه المنطقة.

• هناك قبيلة (الماريا) وهي من قبائل (التجري) الأصيلة وهم يعيشون في الهضبة الوسطى وهم في تواصل وتراحم مع قبائل (البني عامر) تجمعهم العادات والتقاليد والتزاوج وهم اقرب إلي بعض في كثير من الأصول الاجتماعية، و كما ورد في بعض المصادر فإن (الماريا) ينتسبون إلي (بني أمية) وهم من القبائل العربية التي نزحت من بلاد (الشام) والجزيرة العربية من بطش أمراء بني (العباس) الذين حكموا بالحديد والنار وأساؤا معاملة الأمويين انتقاما من ما فعلة أمراء بني (أمية) بآل البيت وبني هاشم بشكل عام.

• هناك في غرب إرتريا قبيلة (الباريا) وهي قبيلة مسلمة ونتيجة لتزاوجها وتداخلها الاجتماعي مع قبائل البني عامر في (بركه والقاش) وتعلقها بتعلم اللغة العربية فقد انصهرت في النسيج العربي الإسلامي في تلك المنطقة ومعروفون بالتدين والوفاء والإقدام في الدفاع عن الثقافة العربية في ارتريا.

• أما قبيلة (الكوناما) التي تنتمي إلى قبائل جنوب السودان الوثنية فإنها أقلية عانت من تركيز الإرساليات التبشيرية وقد دخل قسم منهم المسيحية، ودخل قسم أخر الإسلام وأكثرهم وثنيون ويحاول موزعوا القوميات بالمجان إن يزرعوا بينهم وبين (البني عامر) و(الباريا) الفتن والمنازعات العرقية والدينية، ولكن (الكوناما) أدركوا (مخطط الجبهة الشعبية) وانحازوا إلى جانب قبائل البني عامر في المطالبة بإقرار اللغة العربية في (بركه والقاش) واعتبارها لغة إرتريا الوطنية، وأعلن (الكوناما) مؤخرا رفضهم لقانون الاستيلاء على الأراضي، وقرروا أن يحملوا السلاح ضد حكومة (الشعبية) مما افقد (الشعبية) كرت المراهنة على هذه القومية في إقليم (بركه والقاش).

لذلك نستطيع القول انه ليس هناك تسعة قوميات في إرتريا ـ ونتحدى أن يثبت أحد ذلك بكافة فروع علم التاريخ (الحفريات ـ الآثار ـ الرسومات ـ الأحجار ـ والمخطوطات)، ونحن لدينا كل الشواهد لإثبات ارتباط إرتريا بالسلالات العربية عبر التاريخ القديم والحديث، ولن تستطيع قيادة الجبهة الشعبية من خلال نشر اللغة والثقافة (التجرينية)، وجعلها المحور الأساسي في ارتريا، في مواجهة خاسرة مع الجذور التاريخية، والوجدان الوطني الارتري، القائم علي اللغة والثقافة العربية.

• إن إرتريا يشكل فيها العرب بمنظور قومي العنصر الغالب90%، كما أوضحنا ذلك وضمنهم العنصر التجريني المسيحي في ارتريا، ونحن نعلم إن الأنظمة الاستعمارية الأثيوبية، تركت تراكمات سياسية وثقافية، ووجهت ضربات قوية ضد اللغة العربية في إرتريا، بل وسعت إلى طمس معالمها، لكن بالمقابل كانت الثورة الإرترية تعمق صلات المجتمع الإرتري، والغالبية العربية الإسلامية في ارتريا، بشتى الوسائل التعليمية بالثقافة العربية، بل وان انتشار الإرتريين في الدول العربية المجاورة، قد حافظ علي تواصلهم الديني والثقافي والحضاري، وأصبحوا اكثر نضجا في التعبير عن انتمائهم العربي الإسلامي.

• إننا في انتظار المناوئين لعروبة ارتريا، ان يقدموا لنا ما يثبت خلاف تلك النزوحات القومية، عبر البوابة الجنوبية للجزيرة العربية، التي نقل بها العرب حضارتهم ودمائهم إلى إرتريا، وعبر تلك الهجرات المتواصلة، ومنذ ثلاثة آلاف سنة بالتحديد تركز ملامح الانتماء العربي لإرتريا.

لا نريد من هؤلاء المدعين، إن يعودا بنا إلى تلك الطلاسم غير المفهومة في التاريخ، مثل أيام (بطليموس الثاني) والوجود الاستعماري (البرتغالي ـ واليوناني)، لان هذه محطات غابرة في حياة شعبنا، وليس لها أي وجود في الذاكرة الإرترية. ومن الظلم أن يصف بعض الكتاب المحسوبين علي مشاريع (الجبهة الشعبية)، الوجود العربي في إرتريا، بشكل طارئّ في نهاية القرن التاسع عشر متجاهلين القرون السالفة، ويحاولون أن يعكسوا للقارئ،ّ بان (مصوع) هي مدينة المغتربين، وليس لها علاقة بواقع القبائل الإرترية، ويوحون بأنهم ينتمون إلى الأجناس (التركية ـ والهندية ـ والفارسية ـ والسعودية ـ واليمن ـ والسودان ـ ومصر ـ والبرتغال ـ وإيطاليا)، كما أورد ذلك (حسن دحلي)، في مسلسله الباهت في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 1994/10/5م.

ولو افترضنا جدلا وجود هذه الأقوام في مصوع وغيرها، فهل هم اليوم يعبرون عن تلك القوميات، التي ذابت في مشروع قومي وثقافي ضمن ترابطهم الديني، والانصهار التاريخي الكبير في الحضارة العربية الإسلامية، وهم خير من عبروا عن أنفسهم بالاحتفاظ بمشاعرهم وأصولهم العربية، وفيهم من ينتسبون إلى القبائل العربية العريقة مثل بنو هاشم، وبنو أمية...الخ.

وبهذا الفهم المغلوط يمكننا ان نطبق ارتباط تاريخ (مصر)، في بعض جوانبه بالسلالات الفرعونية، والشام بالسلالات الفينيقية "الكنعانية"، والعراق بالسلالات (البابلية)، لنصل إلى نتيجة ان هذه الأقطار بأصولها السحيقة غير عربية، بل وان اعتبار اللغة والثقافة "الأرمنية" الكنعانية والفينيقية، امتداد لحكم الفرس، والاسكندر المقدوني يلغي الآن وجود (اللغة العربية)، التي يعود اصلها إلى اللغة (الأرمنية)، التي ومن شأنه أن عرفت أبجديتها برأس شمر (30) إشارة.

من هنا نريد أن نقول، إن انتساب البشرية إلى سيدنا (آدم)، لم يجعل منها أسيرة لسلالة واحدة، ولتدور ضمن حلقة واحدة، وانما كانت هذه انطلاقة للزحف البشري، وفي إطار قول الخالق العظيم، الذي وضع لنا قاعدة ثابتة للتعارف بين كل القوميات بقوله تعالي {يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم}، هذا التعارف الذي تحكمه ظروف الموقع، والمنشأ والترابط مع النسيج الاجتماعي، والشعور بالانتماء إلى بني قومه، كما شاهدنا ذلك الدافع الوجداني، والتشبث بالانتماء في (يهود الفلاشا)، الذين انقطعت كل علاقاتهم مع اليهود من ناحية التواصل العرقي واللغة والثقافة، وانصهروا في المجتمع الأثيوبي تماما، حتى بشرتهم لم تحتفظ بلون اليهود، وانما امتزجت بلون السواد في تلك المنطقة، وان الشيّ الوحيد الذي ابقي صلتهم باليهود، هو تمسكهم (بالطقوس الدينية اليهودية)، ومحافظتهم عليها، والمعروف أن اليهودية دين مقفول علي العنصر اليهودي، بخلاف (المسيحية والإسلام)، اللذان ظلا دعوة مفتوحة لكل أنواع الجنس البشري، ولذلك فلماذا يحرم علي شعب إرتريا، من أن يعبر عن وجدانه، ويلتحم مع تاريخه العربي الإسلامي، ويتعرض إلى هذا التشويه في تأريخه وانتمائه بهذه الطريقة، التي لا تخلو من أغراض استعمارية خبيثة.

اللغة العربية ـ والإسلام:

تأتى اللغة العربية والإسلام، ليقسما ظهر بعير كل المخططات في إرتريا، وإفريقيا واصطحب معي في هذا الدكتور [عبده يماني] الذي بذل جهدا كبيرا في بحثه الشيق، والموثق الذي قدمه في جوهرة متناسق، أتمنى أن يقرؤه كل إفريقي عربي، ليعلم مدي معاناة الإسلام والمسلمين والعروبة في إفريقيا، والكتاب عنوانه هو:

"لمـاذا إفريقيا ؟" يقول الدكتور في المسالة العرقية واللغة والإسلام (إن المتتبع لعملية التجانس التي تمت بين العرب، الذين نزحوا إلى إفريقيا يحملون الدعوة الإسلامية، ويمتزجون بالناس ويدعون إلى الله تعالي بطريقة طبيعية وصادقة، يلاحظ إن البعد العرقي أو العنصري لهذه العملية، قد تم لأن حاملي لواء نشر الدعوة الإسلامية، أيا كانوا اثبتوا علي الدوام ميلا متميزا إلا يعطوا، وكأنهم يلقون كلمة الله تعالي من علياء، كما يقال، يشاركونهم حياتهم ويتزاوجون معهم، ونتيجة لهذا الموقف، انصهر سكان مناطق كثيرة في الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا ـ وشرق إفريقيا ـ في الدم العربي، بسبب هذه الرغبة العفوية للتزاوج، بالإضافة إلى هيبة الإسلام وثراء حضارته أيضا، تعللان إن أناسا كثيرين يشعرون بفخر نسبهم العربي حقيقة كان أم تصورا)، إضافة إلى هويتهم الإسلامية، ليس في البلاد العربية وحدها، بل علي نطاق العالم الإسلامي، من (السنغال ـ غينيا ـ إلى الصين والفلبين…الخ).

ويضيف الدكتور (يماني) في فقرة أخرى، (لم يكن العرب من جانبهم على استعداد للتزاوج فقط، مؤديين بالتالي لخلق مجتمعات عربية حديثة، تكشف عن تنوع واسع في المادة الملونة بالأنسجة، والخلايا والخصائص العرقية، تبعا للصنف البشري، الذي تزاوجوا معه، بل نجدهم في كثير من الحالات، امتصوا تماما لغويا وعرقيا بواسطة السكان المحلين.

أما في جانب اللغة العربية فيقول فيها الدكتور (يماني) (إذا تركنا موضوع البعد العرقي والعنصري جانباً، وانتقلنا إلي موضوع اللغة العربية وانتشارها في أفريقيا، بل في غيرها من الأجزاء في العالم الإسلامي، فإننا نلاحظ أن هذه الجماعات تكيفت أيضا مع كثير من اللغات المحلية، في الوقت الذي عملت فيه على نشر الإسلام واللغة العربية، وهذا جعل انتشار اللغة العربية أقوى وأوقع.

إن انتشار اللغة العربية في مختلف أنحاء إفريقيا، وغيرها من العالم الإسلامي وبمعنى آخر أن الاستعراب اللغوي أو الحضاري "الذي ارتضته، بل سعت في سبيله الجماعات المختلفة، والأفراد حبا وإجلالا للغة "القرآن الكريم"، يدل على أن اللغة العربية لعبت دورا أساسياً، وأنها كانت من أهم اللغات في إفريقيا، بل كانت في يوم من الأيام اللغة الأولى، ولا زال يتحدث بها أكثر الكثافة البشرية من السكان، وهي تدخل بنسبة عالية في أكثر المحلية الإفريقية انتشارا، وخلال العصور السابقة ساهمت الممالك الإفريقية الإسلامية، التي سادت شرق إفريقيا وغربها، في ترسيخ اللغة العربية بين السكان، بل وفي نقل الحضارة والفكر الإسلامي إلي هذه المناطق، وفي جميع المجالات ارتبطت الدعوة الإسلامية هناك باللغة العربية، واحترام المسلم في بلاد غربي إفريقيا "اللغة العربية"، احتراما يقرب إلي التقديس، لأنها لغة القرآن وبها يؤدي صلاته وبها يتلو قرأنه ويقرأ علوم الدين.

• هنا يكمن مقتل مشروع القوميات التسعة "للجبهة الشعبية"، وأدواتها في إرتريا لأنهم يجهلون أو يتجاهلون، حقيقة بارزة وهو أن انتماء إرتريا العربي دافعه الأساسي هو اللغة والدين، بعيداً عن متاهات الجنس العرقي، واللعب على هذه الأوتار الميتة، التي لم يعد أحدا يسمعها في إرتريا، وفي كثير من دول المشرق والمغرب العربي.

إن جزر القمر التي تقع في الجنوب الشرقي من القارة الإفريقية، لم تختر الانضمام إلى (الجامعة العربية) من منطلق الأعراق والأجناس فحسب، وإنما من منطلق الشعور الديني العميق، واللغة العربية كانت فيها اللغة الرسمية، أما لغتها الدارجة فهي السواحلية، وهي منسجمة تماماً مع خيارها الواعي، والمدرك لإبعاد المخططات الدولية الاستعمارية.

إن الإسلام كقوة إنسانية وحضارية كبيرة مستهدف في إفريقيا، وتطرح شتى الوسائل لقهر قوة تأثيره، ومنها هذا الطرح الذي يمزق أوصال المجتمع الإرتري، إلى تسع قوميات، لتبقى قومية التجرينية متماسكة قوية مدعومة من القوى الخارجية، لتوجه في النهاية ضربتها القاسمة للمشروع الحضاري العربي في ارتريا، ولن يحدث ذلك إن شاء الله في إرتريا، بحكم وعي شعبنا بإبعاد عقلية التطهير العرقي، والثقافي التي تمارسها قيادة الجبهة الشعبية.

هل يراد تكرار النموذج التنزاني في إرتريا ؟:

إن الإسلام والعروبة في تنزانيا قديم، حيث أسس العرب والمسلمون هناك كثيرا من المماليك أشهرها "مملكة الترنج"، التي تأسست في القرن الهجري الرابع، فعملت على نشر الإسلام في زامبيا وموزمبيق وملاوي وروديسيا، وفي القرن العاشر الهجري غزا البرتغاليون (مملكة الترنج)، واجتاحوا عاصمتها (كلوه)، وقتلوا سكانها واحرقوا أكثر من ثلاثمائة مسجد فيها، وما لبثوا أن هزموا على يد سلطنة عمان "سيف بن سلطان"، الذي قضى على كل آثارهم في زنجبار وموزمبيق.

• إن المسلمون في تنزانيا يشكلون الغالبية العظمى، ولا شك أن تنزانيا تعطى مثالاً واضحا، لذلك الهجوم الشرس من القوى الصليبية، الذين خططوا وعملوا بكل الوسائل في سبيل تمزيق وحدة المسلمين في بلادهم، وإضعافهم وتغريبهم عن دينهم وردهم بكل ما يستطيعون عن الإسلام.

وبدأت كارثة (تنزانيا)، عندما تسلق حكمها ذلك القسيس الصليبي (جوليوس نايريري)، قبل أن تتحد مع (زنجبار)، والتي كان يحكمها قبل ذلك سلطان عربي حتى عام 1964م، تم القضاء عليه بواسطة الشيوعيين والنصارى، والغريب دائماً أن الشيوعيين من أبناء المسلمين، هم الذين يقودون عملية مواجهة الإسلام والمسلمين بجانب القوي النصرانية، وهذا ما حدث في كثير من الأقطار الإفريقية في السابق.

وبهدف القضاء على الحكم العربي فيها، قتل وشرد معظم العرب والمسلمين في تلك الجزيرة، وشنت حرب شعواء على الإسلام واللغة العربية، حيث منع استعمال اللغة العربية كتابة وحديثا، والغي تدريسها في المدارس، كما تم طرد الدعاة المسلمين من الجزيرة، وهذا ما يحدث في إرتريا حالياً، حيث تم اعتقال 250 معلم باللغة العربية، وعدد كبير من الدعاة الإرتريين، ومصيرهم غير معروف حتى الآن، ومنعت الدعوة إلى الإسلام في كل إنحاء إرتريا، مع فتح المجال واسعا أمام الكنائس الأوروبية، وهذه من العوامل التي ستؤدي حتما، الي تفجر الحرب الطائفية في ارتريا، إن لم يتم تدارك الموقف من العقلاء الإرتريين مسلمين ومسيحيين.

ومن خلال تقديمنا لكتاب (عروبة إرتريا حقائق ووثائق) نسعى لتأكيد أن إرتريا جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، بحكم جذورها وتاريخها وواقعها الديني والثقافي وعاداتها وتقاليدها، التي تستمد روابطها من الحضارة العربية الإسلامية، وللتصدي لذلك المخطط الذي يرمي الي إفراغ ارتريا من هويتها العربية، وسوف تثبت المراحل القادمة، على مدى النضوج والوعي، الذي اكتسبه هذا الجيل، بسبب الهجمة الاستعمارية الشرسة على هويتهم العربية الإسلامية، ولن تستقر الأوضاع السياسية والاجتماعية في ارتريا إلا بهزيمة المشاريع الصهيونية، ومن يقف ورائها من القوى المحلية الارترية.

الأصول العرقية القديمة في إرتريا:

تشكل إرتريا بانتماءات عناصر شعبها نموذجا لشعوب المنطقة الممتدة من كينيا إلى أقصى بلاد المغرب العربية، وحول هذه النقطة يقول "دنيس بولم" في مؤلفه "الحضارات الإفريقية" (أنه مهما كان العصر الذي ظهر فيه السود في إفريقيا ثم تكاثروا فيها، فإنه مما لا شك فيه، أن صلات قد نشأت بينهم مع رجال من اللون الأبيض أصولهم من إفريقيا الشرقية، أو من الشرق الأدنى، الذين هم في الوقت نفسه أجداد البربر في شمال إفريقيا).

ويمكننا أن نطلق على أولئك القوم اسم (الحاميين - الساميين) نسبة إلى (حام بن نوح) وذلك للدلالة على أصلهم القريب من الساميين، والفرق بينهم يظهر من الناحية اللغوية.

أما من الناحية العرقية، فهم في الأصل من سكان البحر الأبيض المتوسط وفي أيامنا هذه، فإن المجموعة الغربية أو الشمالية للحامي ساميين، تضم عدا العرب الذين جاءوا مع الغزوات التاريخية، مع العلم بأن أكثر عرب إفريقيا الشمالية هم في الواقع بربر أخذوا لغة النازحين.

نقول تضم عدا هؤلاء، سكان ليبيا - وتونس - والجزائر - ومراكش - وموريتانيا والسودان الغربي (الطوارق)، وكذلك سكان الصحراء الوسطى(1).

ونري الحاميين الشرقيين اليوم، وهم الذين امتزجوا بالساميين وبالسود، يؤلفون الشعب المصري، وشعب البجة والنوبيين، والإرتريين والأحباش والغالا والصوماليين والدناكل، وفضلا عن هذا، فان علماء اللغة يميزون في مجموعة اللغات (الحامي سامية) ثلاثة فروع :

1. السامية.

2. البربرية.

3. الكوشية.

المنطقة التي تقع إلى أقصي الشرق من أفريقيا وهي هضبة الحبشة وإرتريا والصومال والسودان، هذه المنطقة مأهولة بالسلالة الإثيوبية ذات الجلود القريبة من اللون الأسود، مع أجسام فارعة وشعر مجعد ووجوه مستقيمة، وهذا ناتج من اختلاط السود بالغزاة البيض، اللذين آتو في الغالب من الجزيرة العربية، أو أن يكون ذلك ناتجا عن وجود مجموعة قديمة من السكان، تجمع صفات البيض والسود معا، وفي الجهة الجنوبية حدث نوع من الاختلاط بين الأثيوبيين والنيليين، نتج عنه ما نطلق علية أحيانا (النصف حاميين)، وهم قبائل الماساى والناندى والسوك في كينيا وجنوب السودان.

من ناحية أخرى يعتقد بعض المؤرخين، أن العنصر المعروف باسم (كوش)، نسبة إلى " كوش بن حام بن نوح "، هم أول من استوطن في السواحل الإرترية، ويرجحون أن يكون هؤلاء هم الأصول الأولى لقدماء المصريين، وأنهم اتخذوا معبرا لهم سواحل البحر الأحمر، التي انتقلوا إليها من جنوب الجزيرة العربية، قبل اكثر من عشرة آلاف سنة، ثم إنهم في عملية كشوفات التجوال عثروا على وادي النيل، حيث استقروا هناك وشيدوا الحضارة العظيمة لمصر القديمة، غير أن مجموعات منهم استقرت في المنطقة الساحلية، وعرفت هذه المجموعات بسواد البشرة، وإن كان الملامح غير زنجية، وربما كان هذا يرجع لاختلاطهم بأقوام أخرى من أصول إفريقيا، علما بأن المؤرخين يشيرون إلي انتقال بعض المجموعات البشرية من أعالي النيل، وهي المجموعات التي عرفت بالشعوب النيلية، إلى (وادي بركة والقاش)، وشيدت حضارة زراعية في غرب إرتريا، حيث استوطنت هناك حتى أجلتها نزوحات البجة الحاميين، منذ ما يقرب من ألفي عام، في موطنها في السهول والأودية للتوغل في هضبة (بارنتو) بحثا عن الأمن، ويذكر هنا أن قبيلتي (الباريا والبازا) تنسبان إلى الأصول القديمة للشعوب النيلية، وظل الرعي والصيد الحرفة الأساسية، لمعظم المجموعات الكوشية في سواحل إرتريا ومرتفعاتها حتى تمازجت بالنازحين الجدد في جنوب الجزيرة العربية، الذين نقلوا منذ القرن الخامس قبل الميلاد حضارتهم الزراعية، وشيدوا ممالك مستقرة في إقليمي (أكلي قوزاي وسراي)، اندمجت فيما بعد لتشكل مملكة اكسوم، التي أسسها العرب في الحبشة، وبالرجوع إلى مخططات الفراعنة، يمكن أن نجد فيها ما يشير، إلى أن السواحل الإرترية في ذلك الوقت، كانت فيها أقوام تعمل في مجال الزراعة والتجارة، وتشير مخطوطات (تحتمس الثالث)، إلى أماكن في سواحل البحر الأحمر، تطلق عليها أسماء أوتوليت (Outoulit) وحماسو (Hamasu) وتكارو (Tekaro)، والتي يحتمل أن تكون أصول الكلمات الحالية لـ (عدوليس) و (حماسين)* (وتجري)* كما يشير بذلك " جين دورسي".

ولعل اسم "عدوليس" كان اسما لإحدى القرى، قبل ان يشيد البطالسة ميناء عدوليس التاريخي الشهير، وكان ذلك في القرن الثالث قبل الميلاد.

أما المؤرخ اليوناني أغاتا رشيدس (Agatharchi Des)، فقد وصف في القرن الثالث قبل الميلاد سكان الشواطئ الإرترية، بأنهم أقوام تسكن الكهوف في الصحراء الملاصقة للشاطئ، وطعامهم في موسم الأمطار خليط من اللبن والدم، وهم يلبسون الجلود ويمارسون الختان، والمرأة عندهم مشاع لا تلتزم بروابط الزوجية، إلا من كان منهن ملكا لزعمائهم، وهؤلاء الأقوام ينتظمون في عشائر صغيرة العدد، وسلاحهم عبارة عن دروع جلدية وعصي غليظة ورماح ونشاب.

• هناك وصف تفصيلي آخر قدمه مورخ يوناني آخر، هو أرتميدورس (Artemidorus) عن وضعية السواحل الإرترية وسكانها في القرون الخمسة، التي سبقت ميلاد (المسيح)، وإشارة إلى عدد من المراسي اختفت فيما بعد من الوجود، وأشار أيضا إلى بحيرة "مره " في منطقة دنكاليا، وأن السكان في هذه المناطق كانوا يحصلون منها على الملح، ولربما كانت ملاحات (بردولي) الشهيرة في شبه الجزيرة بوري وبحيرة (آسال)، التي ما زالت تشكل مصدراً لرزق وثروة السكان،

لقد حمل النازحون من جنوب الجزيرة العربية حضارتهم ودماءهم، إلي المنطقة عبر هجرات متواصلة، وتزاوجات تاريخية امتدت قرونا عديدة من الزمان منذ ثلاثة آلاف سنة، حتى مشارف القرن العشرين، وشهدت أيضا العصور الوسطى عمليات نزوح قبائل البجة الحامية، من جنوب مصر وشرق السودان، وهكذا نقترب كثيرا من الحقيقة، إذا قلنا أن الأقوام البشرية، التي استقرت في إرتريا، هم ورثة الدماء المختلطة للشعوب، التي يطلق عليها اصطلاحا (الشعوب الحامية - السامية)، ويظهر ذلك بوضوح في عادات وتقاليد السكان ولهجاتهم المختلفة، حيث أن (التجرينية والتجري) تنتميان إلى أصول سامية، كما تنتمي لهجات (الدناكل ـ الساهو ـ البلين ـالحدارب)، إلى اللغات الكوشية – الحامية، في حين أن لهجتا (الباريا ـ والبازا) تعد من مجموعة اللغات الإفريقية النيلية، وتعتبر لغة "البلين" من أقدم اللغات الكوشية في المنطقة، الأمر الذي دفع بعض المؤرخين، إلى أن هذه التسمية اشتقت من هذا المصطلح، الذي ورد في رسومات الفراعنة واقتبسه اليونان والرومان بلفظة بليميز (Blimmys)، التي كانت تطلق على شعوب سواحل البحر الأحمر منذ آلاف السنين.

الهجرات العربية إلى شرق إفريقيا:

كانت مجاورة البلاد العربية للجزء الشمالي من القارة الإفريقية سببا، في سهولة هجرة العرب إلى إفريقيا، كما يرى العميد أركان حرب (محمد عبد الفتاح إبراهيم)، في كتابه "إفريقيا الأرض والناس"، ويضيف " كان من السهل اجتياز الأرض في شمال برزخ السويس، والتقدم غرباً وكانت بلاد اليمن وما يليها إلى الجنوب وإلى الشرق، مصدرا لهجرات عديدة إلى الهضبة الحبشية، وأعالي النيل الأزرق وبلاد إرتريا، وأرض العطبرة والسودان الشرقي.

والواقع أن العرب نزلوا أرض إفريقيا في أزمنة مختلفة، وأقدمهم تبعا لكل الاحتمالات هم، الذين نزلوا أرض الساحل الشرقي من البحر الأحمر، وقد كان لدخول الإسلام علي أيدي القبائل العربية أثر في الأنساب، وترتيبها وأحيانا تعديلها فقد أصبح من المرغوب فيه أن تكون كل قبيلة لا من أصل عربي فقط، بل بقدر الإمكان أن تنتمي إلى نسب شريف يتصل بالنبي، ولم يكن لهذا أثره في بقعة بعينها، بل وفي أي مكان نزل فيه العرب في شمال وشرق القارة.

وبرغم من أن بعض المؤرخين يرجع هجرة العرب إلى شرق إفريقيا، إلى حوالي 500 سنة قبل الميلاد، فإن الثابت أنهم رحلوا إلى أرض البجة في القرن السادس للميلاد، أي قبل ظهور الإسلام، وكان ضمن هذه الهجرة بطون من حمير، وهم الذين ينسب إليهم "البلو"، وقد كانت الجماعات التي سكنت بينها قبائل (البلو)، في حالة من الفوضى بسبب هزيمتهم المنكرة أمام الملك النوبي (سيلكو)، والتي طردوا على أثرها من حوض وادي النيل جنوبي الشلال الأول، ليعودوا إلى حياة البداوة والرعي مبددين قوتهم الحربية في منازعات داخلية.

وقد استطاع البلو، وهم وافدون أن يساعدوا البجة على تجاوز مشكلاتهم الداخلية، وتمكنوا بما فيهم من طباع حميدة أن يصلوا إلى مكان السيادة فيهم، وبفضل المصاهرات الواسعة بينهم وصل البلو إلى الحكم، حيث ابن البنت أو ابن الأخت صاروا بعد فترة الطبقة الراقية في مجتمع البجة.

• جاءت مجموعات من بني يونس عبرت البحر الأحمر، إلى "عيذاب " ثم إلى حوض الدجن غرب إرتريا، حيث دخلت في معارك مع البجة على استخراج المعادن، وهو الصراع الذي استمر حتى عاد بني يونس الى الحجاز مرة أخرى، ويبدو أن هذا النمط من الهجرة تكرر مرات عديدة، كان آخرها نزوح قبلية الرشايدة من الحجاز إلى شرق إرتريا وشرق السودان عام 1850م، ويلفت هذا النظر إلى اهتمام العرب المهاجرين، بالدخول في نشاطات اقتصادية أهمها العمل في المناجم، مع اهتمام أقل بالعمل في المجالات الدينية والثقافية، تاركين انتشار الإسلام للاحتكاك الاجتماعي المباشر والمصاهرة.

وتأثرت الهجرات العربية إلى شرق إفريقيا، بالاضطرابات السياسية داخل الجزيرة العربية، ففي القرن التاسع الميلادي استكثر المعتصم الخليفة العباسي، من غير العرب وقدمهم على العرب، واستعان بكثير منهم في الديوان، كما ترافق هذا مع عزل عتبة ابن إسحاق والي مصر العربي، مما دفع كثيرا من العرب، إلى الهجرة للخارج كما هاجر بعض العرب من مصر جنوبا مع النيل، حتى وصلوا إلى إرتريا.

كان الصراع الأموي العباسي، زائداً الصراع العلوي العباسي دافعاً، إلى تدفق المضطهدين من آل البيت أولا، فقصدوا شرق إفريقيا في "عدوليس" و "دهلك"، ويحدد العميد أركان حرب محمد عبد الفتاح إبراهيم، في كتابه "الوجود العربي على الساحل الشرقي" بصورة عامة قائلاً:

كانت الإمارات العربية على الساحل قد باتت تزدهر وقد تزاوج العرب في هذه الفترة مع عدة دويلات عربية.

نظراً "للمكانة التي احتلها العرب في هذه البلاد، ونتيجة تصاهرهم مع القبائل بفعل الزيجات المستمرة، والتي جعلت القبائل الإفريقية جزء من النسيج العربي، بفعل ارتباطها بأصول عربية، فقبائل (البني عامر)، و(البلو) ينتسبان إلى بني عباس، وقبائل (الحباب) ينتسبون إلى بطون عربية، وقبائل (الساهو) بالانتساب إلى الإمام "علي ابن أبي طالب"، ويدعى نفر منهم بالانتساب إلى "عمر بن الخطاب "، وقبائل (الماريا) وقبيلة "سنعد قلي" في مرتفعات إرتريا، وقبائل (طروعة وجزو ومنسع) بالانتساب إلى الأمويين.

وقد لمس كثير من المؤرخين هذه الحقيقة، وهو ما يقرر "سبنسر ترمنجهام" بقوله: "إن إقامة تاجر أو عالم ديني عربي وسط قبيلة ما، وانتشار الإسلام بينها بواسطته، كان يجعل القبيلة تنتسب مع مرور الزمن إلى هذا العربي النازح، اعتقادا منها بأن ذلك يعلي من مكانتها، فهذه الظاهرة تعتبر شائعة في كثير من الأقطار الإسلامية، وخاصة في شرق إفريقيا حيث المزاوجات والمصاهرات التاريخية بين العرب النازحين، وابناء عمهم من الحاميين العنصر الغالب.

وكما ورد في كتاب (سليجمان) "أجناس إفريقية" فإن البجة تنقسم إلى أربعة مجموعات هي:-

1. العبابدة في صحراء مصر الشرقية.

2. البشارين في صحراء مصر الشرقية ولمسافة 80 ميلاً داخل أرض السودان ثم في لسان من الأرض على نهر العطبرة.

3. الهدندوه الذين يجمعون بين الأمرأر والنوراب والأشراف والأرتيقا وتمتد بلادهم حتى طوكر وخور بركه.

4. ثم بني عامر والذين يعيشون في جنوب خور بركه لداخل إرتريا، وفي الساحل وسمهر، ويمتدون إلى الحبشة حيث يطلق عليهم أسماءً أخرى هناك، ويشكلون أكبر القبائل العربية في شرق إفريقيا وغربها وشمالها، وتتفرع هذه القبائل إلى 27 فرع.

دخول المسيحية:

دخلت المسيحية إرتريا وأكسوم في عهد مبكر، وكان أول من أسلم من ملوكها (عيزانا)، فأصبحت المسيحية الدين الرسمي للدولة، وظلت إرتريا تابعة للكنيسة الحبشية حتى استقلت، ولم تنتشر المسيحية إلا بين فئات قليلة فظلت مستعصية وكانت الأديرة هي مراكز العلم كما هي مراكز التعبد.

وبعد ضعف سلطة مملكة أكسوم وزوالها، قويت سلطة الكنيسة خاصة عندما تعرضت هضبة إرتريا والتجراي لاكتساح البجة، وقد وقف ملوك الحبشة النصارى من الإمارات العربية موقفا عدائياً مزدوج الأسباب، فإلى جانب العداء العقائدي نقم الأحباش على العرب في سيطرتهم على طرق التجارة، فنشبت بينهم حروب طويلة، واستعان الأحباش بالبرتغاليين فأغار الملك "إسحاق بن داود" ملك الأمهرا، على السواحل الإرترية، ودمر قرى "حرقيقو ـ وزول ـا وباضع"، ونهبت الأموال وانتقل عدد كبير من السكان للشام، ولجزر "سعيد ونورا " وانتقل البعض الآخر إلى جزر دهلك التي كانت مقراً للحكم.

وفي عهد الملكة (هلينا)، التي كانت وصية على ابنها (ليناد دنجله)، وبناء على توصية من مبشر برتغالي، استعانت بالأسطول البرتغالي للاستيلاء على سواحل إرتريا، والصومال وقد اختلف الطرفان ولم يحققا هدفهما.

يتضح لنا جليا من خلال رصدنا ومتابعتنا للهجرات العربية من جنوب الجزيرة العربية إلى إرتريا، بأن الأصول الإرترية في غالبها عبرت عن انسجامها الكامل مع النسيج العربي، في كافة تكويناته الاجتماعية وعاداته وتقاليده وثقافته العربية الضاربة في عمق الوجدان الشعبي الإرتري.

الهضبة الإرترية وصلاتها بالجزيرة العربية ومملكة (اكسوم):

تدخل (اكسوم) في شئون جنوب الجزيرة العربية:

توقف سيل الهجرات العربية بشكل موقت، عندما تدخل البطالمة في مصر، وأصبح لهم نفوذ سياسي وعسكري علي جانبي هذا البحر الأحمر، وأسسوا في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد مرفأ عدوليس الشهير، وفي هذا الصدد تشير إحدى المخطوطات باللغة اليونانية، التي عثر عليها بالقرب من (دقي امحري)، علي بعد (40) كيلو مترا جنوبي اسمرا، إلي أحد ملوك تلك الفترة كان يحمل اسما يونانيا سميروتيز(Semlruthes) الآمر، الذي يشير ألي تأثر هذه المنطقة بالثقافة اليونانية بحكم التواجد اليوناني البطليموسي في عدوليس بالسواحل الإرترية.

• يبدوا ان الهجرات العربية تواصلت، ولم تنقطع انقطاعا تاما في تلك الفترة، وفي رأي بعض الباحثين أن العرب كانوا قد دخلوا السواحل الأفريقية المقابلة فيما بين 232ميلادية و250ميلادية، عندما ركبوا البحر وحطوا رحالهم هناك.

كما إن (السبئيين) الذين استوطنوا المرتفعات الإرترية وهضبة التجراي، ابقوا علي صلاتهم بوطنهم القديم، ووصل اهتمامهم به إلى درجة التدخل في شؤونه، فضلا عن تجريدهم لحملات مسلحة عليه واحتلالهم في فترات زمنية مختلفة.

وتشير الكتابات الاكسومية، إلى إن ملوكهم كانوا قد حكموا القسم الجنوبي العربي في القرن الأول الميلادي، وأيضا القرن الثاني، الأمر الذي يجعلنا نستنتج انهم كانوا قد استولوا علي السواحل الغربية القريبة من الساحل الإرتري، حيث انه كان في وسعهم استخدام القوارب الصغيرة والوصول أليها عبر باب المندب، وفي نص من النصوص الاكسومية ورد فيه إن ملك اكسوم أخضع السواحل م (الأرحب)، وفرضت عليهم دفع الجزية، كما يتحدث أحد النصوص المنقوشة عن حرب أعلنها (الشرح يخصب) الحميري، علي (أحزب حبشت) أي شعب الحبشة (وذي سهرتت) أي أصحاب سحرته.

فضلا عن هذا جاء في كتابات ترجع إلى آثام (علهان نهفان)، إن هذا الملك اليمني قد تفاوض مع (جدرت) ملك اكسوم لإبرام صلح معه، ويظهر من ذلك ان ملك اكسوم كان يحكم جزءاً من القسم العربي الجنوبي في ذلك الزمان، كما تدخل ملوك الاكسوم في شؤون هذا القسم فيما بين عام 300 ميلادية و320 ميلادية.

ويظهر من اللقب الطويل الذي تلقب به ملك اكسوم ـ عيزانا ـ، إن اليمن وما جاورها من أراضى كانت خاضعة لحكمه، كما اظهر أيضا تدخل (إكسوم) في القسم العربي الجنوبي في النصف الأول للقرن السادس عشر، واحتلالهم اليمن إذا بقوا فيها حوالي سبعين (70) عاما، إلى إن ثار أهلها عليهم بمساعدة الفرس، وبذلك اجبروا علي الخروج من اليمن ولم يعودوا إليها بعد ذلك أبدا...

وفي هذا السياق يذكر المؤرخ الروماني بروكوبيوس، إن القيصر "جستنبان " أرسل رسولا عنه إلى النجاشي (اصبحه)، واسمه جوليانوس ليرجوه إعلان الحرب علي الفرس، وقطع العلاقات التجارية معهم، لأنه والقيصر علي دين واحد (النصرانية)، ومن ثم يتعين عليه مساعدة أبناء دينه الروم النصارى، والاشتراك معهم في حربهم المقدسة.

ويمضى المؤرخ الروماني في قصته ويقول انه عندما وصل رسول جستنيان إلى ميناء عدوليس، اتجه إلى اكسوم حيث وجد النجاشي أل (اصبحه)، واقفا علي عربه ذات أربع عجلات، وقد ربطت بها أربعة فيلة، وكان النجاشي عاريا إلا من مئزر كتان مشغول بالذهب، وقد ربط علي بطنه وذراعيه حليا ذهبية.

ويستطرد المؤرخ الروماني بروكوبيوس في روايته ويقول، ان النجاشي لبي الدعوة و أرسل حملة عسكرية إلى اليمن، لإنقاذ نصاري نجران من عمليات التعذيب، التي يمارسها حمير اليهودي ذي نواس المدعوم من الفرس.

وقد أمكن نقل جنود هذه الحملة العسكرية في قافلتين، علي ظهر سفن رومانية قادمة من مصر، وتحركت القافلة الأولى بقيادة النجاشي، الذي استقل سفينة خاصة به عبرت به باب المندب ورست عند ساحل اليمن، وكانت سفينته هي أول سفينه رست علي الشاطئ، ثم تلتها بقيت السفن، ووقعت معارك بين جيش اكسوم والحميريين، انتهت بانتصار اكسوم وتنصيب (ابرهة الأشرم)، أحد قواد الحملة حاكما علي اليمن، ولكنه لم يتردد في الاستقلال بالحكم وتوارث أبناؤه العرش فترة امتدت سبعين عاما.

وللعلم بان مملكة اكسوم أسسها العرب المنصهرين وهم الذين أقاموا تلك المملكة العظيمة، وأبقوا علي علاقتهم وتواصلهم مع منابعهم الأصلية بعرب الجنوب لعهود طويلة.

الى اللقاء... فى الحلقة القادمة

Top