عروبة اريـتريا - الحلقة الأولى

تأليف الأستاذ: محمد عثمان علي خير

مقدمة: الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد، خالق كل شيء ومصدر كل شيء، وصلي الله علي عبده ورسوله محمد،

عروبة إريتريا حقائق ووثائقوعلي آله وصحبه وسلم، خلق الله الإنسان فأحسن خلقه وكرمه ووضعه في المكان، الذي يرقي ويسموا به، الي درجات عليا كما يقول تعالي (ولقد كرمنا بني أدم وحملناهم في البر والبحر)، وهذا التكريم الرباني قائم، علي أساس أن يعي الناس أنهم أمة واحدة وصلتهم برب واحد كما يقول الله تعالي في كتابه الكريم (ان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدوني) في هذا الموقف تكمن العبودية والعبادة لله، وتأتي بعد ذلك قضية التعارف، والتقوى بين الناس مسألة أولاها الله تعالي أهمية خاصة، بقوله تعالي (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم)، ولذلك فإن مسألة التعارف ترتبط هنا بالهوية والانتماء للإنسان، وتشكل السلم الأولي للتعرف علي هذا الإنسان والقوم والشعب، تبدأ بالمستوى الكينوني بمكان الولادة والبيئة والتقاليد والثقافة، وتلك الموجات البشرية التي تعاقبت في هذا الموقع وذاك المكان، التي تمكننا من تشكيل خلفية واعية، للتعامل مع هذا الشعب والقوم، ضمن المعرفة بسلالاتهم وعلاقاتهم التاريخية بالأقوام الأخرى، كل هذا يساهم في إيجاد السبل والوسائل، التي تنهض بهذا الشعب أو القوم، ووضعه في المسار الصحيح، لكي يبني حضارته ويسجل حضوره التاريخي في كافة المراحل والتقلبات، ولذلك فإن اختيارنا لتحديد هوية ارتريا، وتركيزنا في عروبة ارتريا حقائق ووثائق، إنما تندرج في ذلك الفهم العام للهوية القومية والثقافية، وبعيدا عن تلك النزاعات العرقية البغيضة والتفاخر بالأنساب، يكفينا شرفا أننا مسلمون وموحدون، ونتعامل مع هذا الكون وفق التوجيهات الربانية في هذا الشأن، الا أن قضية الهوية عندنا هنا مرتبطة بقضية اللغة - والدين - والثقافة، والتي هي جزء من أصولنا الدينية، حيث ان القرءان الكريم تنزل من عند الخالق العظيم بلغة العرب، ولسان عربي مبين، وحيث أن النبي (صلي الله عليه وسلم) عربي، ولغة أهل الجنة يوم القيامة عربية، من هذا الباب فالمسألة في نظري عقدية في الأصل، ولا يمكن تجاهلها وتركها لمشاريع (الجبهة الشعبية)، التي تسعي الي إذابة شعبنا في مشاريع طائفية معادية للإسلام، (وللغة القرآن الكريم)، ولمستقبل الإسلام والمسلمين في ارتريا، وبهذه المناسبة يمكننا أن نستفيد من أراء الإمام الشافعي تجاه العربية والعرب.

يقرر الشافعي أولا: أن العروبة تكتسب باللسان فحسب، وأن المرء باللغة العربية وحدها يصير عربيا، فهو يقول: (إنما صار غيرهم - أي غير العربي - من غير أهله - أي اللسان العربي - بتركه فإذا صار إليه صار من أهله) وهذا ما يتوافق مع حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي يقول فيه {من تكلم العربية فهو عربي} وبذلك وضع الرسول اللغة العربية في موقعها الرسالي، متجاوزا بذلك كل التعقيدات العرقية والثقافية، فاللغة إذن هي رابطة النسب بين العرب، والآصرة التي تجمع بينهم، وتجعل الإنسان منهم، وإن لم يكن من قريش أو من غيرها من قبائل العرب المشهورة، فمن أهمل العربية من العرب، أو انتقل الي لغة سواها ضاع نسبه بين العرب، وإن مت بصلة القربى إلي (عدنان) أو (قحطان).

ثم يقر الشافعي ثانيا: أن اللغة العربية التي جعلت محور النسب بين أكمل اللغات ألفاظا، وأوسعها مذهبا، وأعذبها منطقا، وأبينها دلالة، وهي فضلا عن كل ذلك لغة الكتاب العزيز، الذي ختم الله به الكتب، وأنزله علي خاتم الأنبياء والمرسلين، ليكون للناس كافة حتي يرث الله الأرض ومن عليها، دستور هداية للتي هي أقوم، فهو يقول: (ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا وأكثر ألفاظا)، ويقول أيضا: (وأولي الناس بالفضل منُ لسانَه لسان النبي ولا يجوز - والله أعلم - أن يكون أهلٌ السنة أتباعا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تبعً للسانه، وكل أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه).

والشافعي في هذا النص يذهب، الي أن العرب أحق الناس بالفضل، لأن لغتهم لغة النبي الذي بعث رحمة للعالمين، فلا يجوز أن يكونوا أتباعاً للسان غير لسان رسولهم، وهذا يعني أن العرب - أهل هذه اللغة أفضل الشعوب، وأن هذه الأفضلية مردها الي الإسلام، الذي بعث به محمد (صلي الله عليه وسلم)، والذين كلفوا بحملة أمانته، وتبليغ دعوته، ونشر تعاليمه، ومن ثم وجب عليهم أن يكونوا أهلا لهذه الرسالة المقدسة، وتلك المهمة السامية، وعليهم على أن يبلغوا دعوة الإسلام بسلوكهم وأفعالهم، قبل أن يقوموا بذلك بأقوالهم، عليهم أن يكون مثُلا عليا لتلك المبادئ والتشريعات، التي صلح عليها أمر الدنيا والآخرة.
ومن أجل ذلك يرى الإمام الشافعي، أن علي كل من ليس عربيا أن يتعلم اللغة العربية، ما بلغه الجهد، وعبارته في هذا: (فعلي كل مسلم أن يتعلم لسان العرب ما بلغه جهده، حتي يشهد به أن لا إله الا الله، وأن محمد عبـده ورسولــــه، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمُر به من التسبيح وغير ذلك).

وما ازداد من العلم باللسان، الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته، وأنزل به أخر كتبــه، كان خيرا له (نصوص الشافعي في هذه الكلمة منقولة، من كتاب الرسالة بتحقيق الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله).

من هذا المنطلق، كان تركيزنا علي هويتنا العربية، لارتباطها بعقيدتنا الاسلامية، ومن يتصدى للشعب الإريتري من الأعداء المحلين والقوى الاستعمارية الخارجية، في هذه الثوابت (الدين واللغة)، فإنما ذلك يعتبر بمثابة إعلان حرب علي الغالبية الإسلامية في إريتريا، ونأمل أن تدرك ذلك القوى الطائفية في إريتريا وتعيها بكل أبعادها الوطنية والحضارية، وتتفاعل مع أهمية ارتباط إريتريا بعمقها العربي الإسلامي، وأدعوا الله تعالي أن أكون قد وفقت، في عرض هوية ارتريا بالقدر، الذي يضيف معلومات جديدة الي المكتبة العربية في هذا الشأن، ويدفع الكتاب والمثقفين الإرتريين الي بلورة الهوية العربية في ارتريا، وتمكين الأجيال الصاعدة من التلاحم مع عمقها العربي الإسلامي.

الى اللقاء... فى الحلقة القادمة

Top