حوار مع الفنان والشاعر الأرتري محمود أحمد لوبينت

حاوره الإعلامي الأستاذ: أحمد الحاج

لاأعتقد أن هناك أريترياً واحداً يمكن أن يتجاهل الدور الحيوي الذي كان يقوم به الفنانين الأريتريين

من خلال آدائهم الأغنية الوطنية الحماسية لرفع الروح المعنوية وحفز الهمم،

وإذا كان الغناء والشعر أقرب إلي الوجدان الشعبي كما يقال فإن في أرتريا كان لديه أثر أكبر من ذلك وقد لعب دور أكثر أهمية وحيوية حتي من بعض الخطب والمحاضرات السياسية ويكفي هنا أن نعود إلي الوراء قليلاً في السبعينات تحديداً حين كانت الفرق الفنية التابعة لجبهة التحرير الآريترية وقوات التحرير الشعبية تطوف أرجاء المعمورة فتقوم بإلهاب حماس الجماهير وتساعد في إلتفاف الشعب حول القضية وتحول حياة الأريتريين إلي دنيا زاخرة بالشجن والأمل معاً..

وقد سادت الأغنية الوطنية لفترات طويلة وذلك لعامل التهديد الخارجي الذي كان يتعرض له الوطن وإزاء ذلك فإن المبدعين الأريتريين كان دافع إبداعهم حوافز البقاء والدفاع عن النفس والأمر هنا ينسحب علي الانتاج الثقافي والفني بصفة عامة ففي الأغاني والمسرحيات والقصص والروايات والشعر وحتي الرسم نجد المبدعون الأريتريون يستلهمون الثورة ويواكبونها إبداعياً وذلك بعد أن تأثروا تأثيراً واضحاً بالمحنة التي مرّ بها شعبهم وكذلك فيما يتعلق بالكتب فإن الصادر منه في الخمسين عاماً الماضية نجده إما يتحدث في التأريخ أو الجغرافيا أو الوحدة الوطنية أو التكوينات الإجتماعية وذلك بغرض تثبيت فكرة واحدة وهي أن أريتريا ليست جزءاً من أثيوبيا...

وفي هذه الفترة قلما نجد كتاباً يتحدث عن مجالات الثقافة والأدب والتراث والفن غير أنه وبالعودة إلي الأغنية الوطنية نجدها قد غلبت علي الساحة الفنية ولعبت دوراً مهماً إبان الإحتلال إلا أن الغناء في أريتريا قد شمل أيضاً مجالات أخري من النشاط الإنساني ففناني تراث التقري مثلاً من عمر باشقير وإدريس ود أمير وإدريس محمد عبد الله (عجت حنا) مروراً بعبي عبدالله وعبدالله عمر باعيسي ومحمد نور كماجنا وإنتهاءً بحامد عبدالله قد صدحوا بأغنيات عديدة تعبر عن أحوال مختلفة مثل الحب والأعياد والزواج والعمل والرعي والزراعة والفروسية والشجاعة والقبيلة وأعتقد أن زملائهم الآخرين أيضاً الذين غنوا باللغات الأخري الشقيقة للتقري قد فعلوا مثلهم وإذا كانت الأغنية الشعبية هي "حصيلة المعارف التي تتناقل عبر الأجيال من جيل الي آخر بغرض وصل الماضي بالحاضر تمهيداً لبناء المستقبل" فمن الذي يقوم اليوم في أريتريا بجمع التراث الشعبي من الأغاني الشعبية والأمثلة والشعر؟ من هي الجهة التي تكشف لنا اليوم جمال وحكمة ونبوغ تراثنا الشعبي الصادر بجميع لغاتنا الوطنية؟ إن القول بأن تراثنا عريق وجميل ليس كافٍ لوحده ولكن نحن بحاجة إلي تقديمه لأنفسنا أولاً ثم للأجيال القادمة.

فكرة مقابلتي للفنان/ محمود لوبينت أنطلقت من هذه النقطة بالذات فهو أحد الفنانين الأريتريين الذين يجمعون بين عناصر الأغنية الثلاث الكلمة واللحن والآداء وقد جمع في شريطه الخامس أغاني ود أمير وقد لاحظت أنه قبل أن يبدأ بالعزف علي العود يعرِّف الميراث التراثي لأغنية التقري وقد سأله أحد الإخوة عن الدور الذي يقوم به في جمع أغاني التراث خاصةً الإيجابي منه... فقال له أن مهمة الجمع لايمكن أن يقوم بها فرد واحد ولكنها بحاجة إلي عمل جماعي من قبل المثقفين والمبدعين ومتخصصين لديهم إمكانيات وإهتمامات أدبية وإستعداد للبحث والتنقيب وقد أثار حديثه في نفوس الحضور ملاحظة في غاية الأهمية وهي إنعدام المراكز الثقافية و"تقاعس" المبدعين وأخذ السياسة جل أهتمامات الأريتريين.

لقد طرحت فكرة هذه المقابلة لبعض الإخوة فأبدوا موافقتهم وشجعوني علي ذلك ثم قاموا مشكورين بتزويدي ببعض الأسئلة والملاحظات وقد أستفدت منها جداً خاصةً أن فيهم من لديه إلماماً بالحركة الفنية في أريتريا أكثر مني، وقد تم التركيز في المقابلة علي أغاني التقري لأن الفنان/ لوبينت ملم بهذا الجانب إلي حد ما. ولأنه قال لي لايريد الحديث عن شيئ يجهله لذا لم أسأله عن الابداعات الأريترية الأخري الصادرة بشقيقات التقري من البلين والساهو والعفر والأخريات أيضاً وقد لاحظت أنه حذف كثيراً من الأسئلة بدت لي في غاية الأهمية ولكن لم أتمكن من سؤاله عن السبب.

عزيزي القارئ إليك ماقاله الفنان محمود أحمد لوبينت.

دعنا نبدأ بالسؤال التقليدي عن سيرتك الذاتية ما الذي تقوله لنا إذا أردنا أن نتطلع علي دفترك الشخصي؟

سيرتي الذاتية... عبارة عن رحلة بدأت من حرقيقو عام 1944 ولم تنته بعد... عبرت خلالها الفيافي والقفار، والأنهار والبحار.. وتعاملت مع الجبال صعوداً وهبوطاً، وتوقفت عند بعض المحطات، والقري والمدن والموانئ لأيام أو شهور أو سنوات... لم أخسر أي شئ يذكر ولكن كسبت الكثير وأكتسبت من تجاربي وخبراتي إلي حد ما. أما عن دفتري الشخصي فالإطلاع عليه "ممنوع" لأسباب لاداعي لذكرها الآن.

ماالذي تحكيه لنا عن بدايتك الغنائية؟ كيف كانت؟ ومتي أحسست أنه يكمن في داخلك فنان؟

بدايتي "الغنائية" كانت في حرقيقو، خلال سنوات الصبا عندما كنا نسهر علي ضوء "صحاي ورح" ونردد مقاطع أو أبيات من أغاني مشهورة، وأذكر عندما كنا نعجز عن تذكر بعض الأبيات إنني كنت أضيف بيتاً أو بيتين من عندي، ثم أنتقلت إلي أسمرا في نهاية الخمسينات وألتحقت بمدرسة "إسلامية" في هذه المدرسة بالذات أكتشفت حبي للشعر العربي ومنها تعلمت "المطارحات الشعرية" وتفوقت فيه عن أقراني... وكانت منافستي في هذا المجال (بنت المفتي) رد الله غربتها. في هذه الفترة بدأت أكتب الشعر بالعربية الفصحي، وكان الشاعر أحمد محمد سعد، صديق الصبا هو رفيقي في هذه المرحلة الشعرية والتعبير بالعربية الفصحي... وفي هذه الفترة بالذات وتحديداً بين عامي 62 و63 بدأت "أقول" الشعر بالتقرينية وكانت البداية "فقري عور أمني" لاأذكر القصيدة كاملة الآن ولكن الأخ والصديق عثمان عبد الرحيم، أخذ أول مقطع ومطلع منها وأضاف إليها من عنده وغناها لتصبح أول أغنية يسجلها للإذاعة...

وبعد ذهابي إلي القاهرة، أنشأنا الفرقة الفنية لطلبة أريتريا وحرصنا أن تتكون من عدد متساوٍ من الملتزمين "بالحركة" "والجبهة" وأذكر أن الفنان "سعيد ود ألم" ومحمد آدم المشهور بأبوهيف كانوا من الأعضاء المؤسسين لهذه الفرقة إلي جانب المرحوم محمود جابر هندقة الذي كان يعزف لنا بالعود... ومن سخريات القدر أن أكون أنا مغني الفرقة بالتيجرينية وسعيد ود ألم عازف الماسنقو مغنينا بالتجري.. أما أبوهيف فقد بدأ معنا ضابط إيقاع وأنتهي مثله مثل ودألم مغني وعازف عود... توقفت عن المشاركة في النشاط الفني الطلابي بعد دخولي الجامعة عام1965، لكنني لم أتوقف عن كتابة الشعر بالعربية والتيجرينية وأقر وأعترف إنني خلال هذه الفترة التي أمتدت حتي عام 1976 لم أحاول أن أكتب شعراً وطنياً أو سياسياً أو ثورياً لاتسألني لماذا؟ لأنني لاأملك إجابة كافية شافية، لكن ماأريد أن أذكره هنا هو أن الأخ والصديق أحمد سعد هو الذي حولني ـ بقدرة قادر ـ إلي شاعر "ملتزم" بقضية شعبه كيف؟ تلك قصة أخري...

هنا يجب أن أتوقف عند الشق الثاني من السؤال "متي أحسست بأنه يكمن في داخلك فنان" حتي الآن لايتملكني إحساس كهذا، كنت وما زلت وسوف أظل أحس بأن في داخلي شاعر يعبر عن نفسه مستخدماً لغات مختلفة ولا يجد نفسه إلا عندما "يقول" شعراً بالتجري... أما الغناء بالنسبة لي وسيلة لإيصال ماأريد إلي المستمع ولو كانت الكتابة أسهل وأنفع لنشرت أشعاري مطبوعة، لازلت أكتب قصائدي بالتجري مستخدماً "الحرف العربي" غريبة!! أليس كذلك؟ قل لي عدد الناطقين بالتجري الذين يقرأون العربية وكم عدد الذين يقرأون التيجري إذا كتبت بالجئزية أو بالأحرف اللاتينية؟ وما هي الوسائل المتاحة للنشر؟ من هنا كان توجهي لإستخدام الغناء كوسيلة لاكفاية وهو توجه فرضته الظروف في الساحة الغنائية فهناك مغنين لم يكونوا أمناء في تعاملهم معي ولم يذكروا إسمي إطلاقاً كمؤلف وملحن لأغاني تشكل جزءً من إنتشارهم.

عناصر نجاح الأغنية ـ الصوت ـ الكلمة ـ اللحن ـ ماهو برأيك أكثر عنصر مفقود من هذه العناصر في الأغنية الأريترية؟؟

عناصر نجاح الأغنية "في البدء كانت الكلمة" أليس كذلك؟؟ والأبيات الموزونة مموسقة، والموسيقي الداخلية للشعر هي الأساس الذي يبدأ منه "اللحن" ومن ثم التوزيع الموسيقي وبعد ذلك يجيئ الأداء أو الصوت... وأخيراً وهذا هو الأهم مدي تجاوب المستمع مع الأغنية لكننا مع الأسف الشديد "نشاهد" "طغيان" المغني وتعاليه وتجاوزاته وهنا يجب أن نتوقف ونضع حداً لذلك لكننا وفي أريتريا نعاني من التسلط والتفرد وعبادة الفرد والغرور والعنجهية والجهل المفرط علي مستوي القمّة هذا "التلوث" لحق بالمغني والشاعر والفنان وغيرهم وأنا أقول:ـ

• من يتعالي علي مستمعيه، محكوم عليه بالفشل.
• ومن لايعطي الكلمة حقها، لايستحق الاحترام.
• ومن يجهل تراثه الشعري والغنائي ولا يحفظ أغاني من سبقوه ويحتذي بهم هو "أبوجهل" زمانه.

ويحزنني كثيراً أن أري الكثير من "الفنانين" يتنافسون لإثبات أنهم أكثر جهلاً من غيرهم إذا ماتعلق الأمر بالتراث، وإذا كانت هذه القاعدة فلكل قاعدة شواذ أستثني منهم "عبي عبد الله وسعيد عبد الله وحامد عبد الله وإلي حدٍ ما الأمين عبد اللطيف" هؤلاء يحق لهم أن يتباهوا ويتفاخروا كما شاءوا لأنهم نهلوا من التراث وقدموه لنا كأفضل مايكون فلهم جزيل الشكر والتقدير.

في أريتريا ماقبل التحرير كنا نردد دائماً "الأغنية في خدمة المعركة" أو "الفن في خدمة القضية" الآن بعد التحرير ماهي القضايا التي يخدمها الفن؟؟

الأغنية أو القصيدة سلع هناك من يحسن إستخدامه وهناك من يسيئ إستخدامه... وأنا أخشي علي الفن بشتي صوره وأشكاله من "عبيد المرحلة" هؤلاء مع الأسف الشديد، رضوا لأنفسهم أن يكونوا عبيداً لكل مرحلة ولا يهم إذا "قيدوا" الشعر أو الفن، بحجة أن المرحلة تقتضي هذا أو ذاك. الفن حر إذا قيدته فقد كل عناصر وجوده.. إذا وجهته خسر إستقلاليته وأصبح بوقاً لايعبر ولكن يردد مايطلب منه.. لم يتحرر الإنسان الأريتري بعد من الظلم والإستغلال والفساد والخوف والفـــــــــــن كذلك.

بالرغم من مرور أربعة عقود علي وفاته فإن الفنان ود أمير لم يفقد وهجه وبريقه بل أن البعض أعتبره الفنان الوحيد الخالد ــ برأيك لماذا هذا التأثير القوي لود أمــير؟؟

الصدق في التعبير وإمتلاكه لناصية اللغة وإعتماده علي التراث وإرتجاله.
أما تأثيره لدي المستمع أو المتلقي أقوي بكثير من تأثر الشعراء أو المغنين الحاليين به - وهذه مأساة كبيرة - إدريس محمد عبد الله (عجت حنا) وعبي عبد الله حسب علمي هم أقرب إلي ود أمير وعبي عبد الله يعتبر رائداً لأنه سبق الجميع في تقديم ود أمــير بصوته.

إحدي العادات التي كانت موجودة في أريتريا عدم تحمس الأهالي لتزويج بناتهم من الفنانين والمطربين وهي عادة عربية قديمة - إلي أي مدي تلاشت هذه العادة الآن في أريتريا وهل كان ود أمـير أحد ضحاياها؟؟

لاأستطيع الجزم بأن الفنان ود أمير كان أحد ضحايا هذه العادة ولا أذكر أحداً من الذين ألتقيت بهم وجمعت منهم شعره وقصة حياته (أو جانباً منها علي الأصح) أكد ذلك والذي لايعرفه الكثيرون أن ود أمير بدأ في الغناء مستخدماً شعر والده وعمه وتلك قصة أخري لكنها تؤكد أن المغني في منطقة سمهر لم يعان من الإضطهاد أو التفرقة.
عمر ود باشقير وهو شاعر ومغن سبق إدريس ود أمير ووجدت بعضاً من أشعاره منشورة في كتاب طبع عام 1913 تزوج رغم أنه كان مغنياً "ماجناً" إذا ماقورن بإدريس ود أمير أو ماوصل إلينا من شعره العفيف.

ماهي المحطات أو المراحل التي مرّ بها شعر التجري (ماقبل ود أمير وما بعده)؟؟

الشعر كالنهر، وأنت لاتخطو في نفس النهر مرتين... الشعر دائم الجريان، دائم التغيير، أحياناً يفيض وأحياناً ينحسر.. وإدريس ود أمير كغيره من الشعراء الذين سبقوه هم من روافد النهر العظيم، والمطلوب الآن هو جمع وتوثيق شعر التيجري ونشره مطبوعاً أو منطوقاً وبعد ذلك يأتي دور الدارسين والنقاد.
أما أنا فلست مؤهلاً لكي أتحدث عن المراحل التي مرّ بها شعر التيجري .. قبل أو بعد ودأمير.

كيف بدأت تقرض الشعر هل من تجربة شخصية أم من تجارب الآخرين... يقال أن الحب يعطينا قصائد جميلة لذا أن أجمل ماقاله ود أمير يعود سببه إلي قصة حب جارفة عاشها الفنان... أنت تحديداً هل مررت بتجربة عاطفية كما هو الحال عند ود أمـير مثلاً؟؟

سبق ان قلت ان الاطلاع علي دفتري الشخصي ممنوع كأنك تطلب مني أن أتعري أمام الملأ... أليس كذلك؟! أؤكد لك إنني لست مثل "العرضحالجي" تطلب منه أن يكتب لك عرض حال أو خطاباً... فيفعل.. لا أكتب بطلب من أحد وإنما تلبية لرغبة ذاتية في الكتابة والتعبير.. ولا أنكر دور التجربة العاطفية في كتابة الشعر، والتجربة هنا لاتعني الحـب فقط بل الإعجاب أو الإستلطاف أو خلافه... ربما إبتسامة بريئة تكون موضوعاً لقصيدة أو أغنيـة.

أذكر لنا أجمل وأعذب بيت شعري سمعته أو قلته بالتجري في "أ" الحب "ب" الوصف أو التشبيه "ج" أغرب بيت.

أجمل بيت في الحب لإدريس ود أمير يقول فيه:-

أدام أقلوب حانيو مي دول مسل لتوالد

أجمل بيت في الوصف أو التشبيه لعبي عبد الله يصف فيه حالة الذئاب التي أصيبت بالإسهال نتيجة لأكلها من جثث الجنود الأثيوبيين الذين قتلوا في إحدي المعارك مع جيش جبهة التحرير الأريترية ويقول فيها:-

كمكمد اندي ركبيا تاكاس حزيت أكريت

أما أغرب بيت أو بيتين علي الأصح لشاعر مجهول حول تحقيق الأمنية الطيبة أو المخاوف ويقول هذا الشاعر المجهول:-

تمنيكا تركب تفتي مي طعسكا تقبلكا
طعسو لأقبلتــــــــو كم تمنيتو ركبا

البعض يقول بأن شعر التقري ظل أكثر قوةً وتأثيراً من الشعر بالعربي ــ إلي ماذا يعزي ذلك؟؟

سأتحدث عن تجربة ذاتية ... بدأت في كتابة الشعر بالعربية الفصحي في بداية الستينات والتيجرنية في مرحلة لاحقة... لكنني بدأت أكتب شعراً بالتيجري بعد عام 1981 ووجدت نفسي فيه.... ماقيمة الشعر الذي لاتفهمه أمي أو أختي أو زوجتي أو إبنتي؟؟ ماقلته أو كتبته بالتيجري أشد قوةً وأكثر تأثيراً لأنه قيل أو كتب بلغة المتلقي وأستخدمت فيه أدوات مستمدة من تراثه وذاكرته.
خذ مثلاً، رمضان جبري، وكلماته الخالدة:-

أنا قدم فرركو ديب ثورجي تحابركو
حويي إقليي إقل لعري كلاشينو كبــا
إميي تعلل وتدحر فارحت هليت من لبا

لم أسمع حتي الآن كلمات قوية وحماسية ومؤثرة مثل هذه الكلمات، قارن ذلك بكلمات "ثرنا من أجل مصلحة الملايين" لأبراهيم توتيل التي تصب في خانة "البيانات السياسية" كلمات رمضان جبري، شاعرية وأصيلة، بينما كلمات أبراهيم توتيل، إذا جاز لنا أن نقول عنها شعراً، لاتحرك في المتلقي شعرةً!!!

دعنا نرجع للفنان/ ودأمير فبالرغم من أنه كان عضواً في حركة التحرير الأريترية إلا أن القصيدة العاطفية أو الغزلية كانت هاجسه أكثر من القصيدة الوطنية إلي ماذا تعزي ذلك؟؟

غادر ادريس ود أمير أريتريا في نهاية الخمسينات.. وقد أكد لي الأخ/ عبد الرحمن نكروما، أن ادريس ودأمير، جنده في حركة التحرير الأرترية عام 1958 في جدة بالمملكة العربية السعودية... هل كتب ود أمير شعراً وطنياً خلال وجوده في الرياض أو في الكويت؟ وهل قال شعراً عاطفياً خلال السنوات التي قضاها خارج الوطن؟؟
مع الأسف الشديد، لم أجد من يؤكد أو ينفي ذلك بإستثناء الراحل رمضان جبري الذي كان مع ادريس ود أمير في الرياض .. أكد لي رمضان أن "ادريس" كانت له أغنية "تتناول الحياة الإجتماعية" في مدينة الرياض وأسمعني بيتين منها وحينما طلبت منه المزيد أعتذر قائلاً: "كل شئ مسجل ومكتوب" ورحل رمضان جبري عن عالمنا قبل أن ينشر ما يعرفه عن ودأمير... هناك من يعتقد، أو بالأصح من يدعي، ان أغنية "سيردايت" التي غناها الفنان الأمين عبد اللطيف هي لإدريس ود أمير وأن الأمين عبد اللطيف نسبها إلي نفسه والأغنية وطنية مؤثرة، وهي قوية في بنائها، ومترابطة، وموضوعية، وإذا كنا نعتقد بأن "الرجل هو الأسلوب" فإن هذه القصيدة أقرب إلي أسلوب ادريس ود أمير وأبعد كليةً عن أسلوب الأمين عبد اللطيف، لكن هذا مجرد تخمين لاتؤيده أية أدلة.
لكنني لاأستبعد أن يكون ادريس ود أمير قد كتب أو قال شعراً وطنياً خلال المدة التي قضاها خارج الوطن.

الأغنية العربية بصوت أريتري مازالت قليلة أو معدومة.. لعل الفنان/ إدريس محمد علي أكثر الفنانين الذين يتغنون بها بالرغم من أنه مقل أيضاً لماذا غابت الأغنية العربية برأيك؟؟

الأغنية العربية بصوت أريتري.. معضلة.. وهنا اود أن أتحلي "بالصراحة" التي قد تفسر "بالوقاحة" من قبل البعض:-

أولاً: أقول ان كل الفنانين الذين ولدوا ونشأوا وترعرعوا في أرتريا، علي إختلاف لغاتهم " بإستثناء الرشايدة " ليسوا مؤهلين للغناء بالعربية الفصحي أو العامية أو الدارجة.
الغناء يعتمد علي النطق الصحيح والنطق الصحيح يعتمد علي قدرتنا علي الالتزام بمخارج الحروف.

ثانياً: أعتقد ان الاخوة الذين ترعرعوا في المهجر، ودرسوا اللغة العربية، ودرسوا بها وتعودوا علي الغناء بها (في السودان أو السعودية أو مصر أو اليمن) هؤلاء إذا ما قدر لهم الغناء بالعربية، هم الأمل، وعن طريقهم ستنطلق الأغنية العربية في أريتريا إلي أفق أرحب.
وإلي أن يأتي، هؤلاء، لاأمل في الغناء بالعربية... فكلنا لانحسن النطق بها ولا نفرق بين الثاء والسين والصاد، وبين الدال والضاد، وبين ز و ذ وظ... وبين الفاء والقاف .

رأيك في المستمع الأرتري... ماهو أكثر شئ يجذبه في الأغنية؟ هل الكلمة أم اللحن أم الآداء؟؟ وبصفة إجمالية، هل تجد الإنسان الأريتري يتذوق الفن؟؟

المستمع الأرتري، ذكي وذواق للشعر... حتي الآن المستمع أو المتلقي هو "مصدرنا الوحيد" إذا ما أردنا جمع التراث الغنائي بشتي اللغات الأريترية، معظم أغانينا لم تسجل حتي الآن (هل أستمعت تسجيل صوتي للفنان الراحل: إدريس محمد عبدالله "عجت حنا" أو ادريس ود امير أو نوراي...).
أما عن مايجذب المستمع، أعتقد ان الكلمة المعبرة تأتي في المقدمة، ثم اللحن ثم الصوت.. وبعد ذلك يأتي دور المستمع نفسه وتعامله مع الأغنية وتجربته الذاتية وإرتباطه بالأغنية لسبب أو لآخر.

أيهما أكثر إنتشاراً أغنية التيجرنية أم أغنية التيجري؟؟ يقال أن المستمع للتجرينية أكثر تواصلاً وتفاعلاً مع الفنان وأنه يشجع فنانه بشراء الأشرطة مثلاً ويغرقه بالحب والهدايا - هل تحس أن الذين يغنون بالتيجري وباللغات الأريترية الأخري مظلومين من مستمعيهم خاصة أن البعض بدأ "يتذمر " من عدم وجود "جديد" والبعض الآخر بدأ يتحدث عن "تحفظات شرعية" حول الفن؟؟

أعتقد وأؤمن ان أغنية التيجري أكثر تقدماً من أغنية التيجرنية.. لكنها أقل إنتشاراً لأسباب خاصة بالفنانين وأيضاً بالجو العام.
أغنية التيجري مضطهدة مثل الناطقين بها ومهمشة كذلك، ويؤسفني أن تستغل سياسياً لتصبح هي الممثلة للقومية / اللغة، في الوقت الذي طغت فيه قومية واحدة علي سائر القوميات (إذا ماأعتمدنا تقسيم القوميات).
أما عن تفاعل المستمع مع أغنية التيجري وتواصله مع الفنان... أود أن أقول أن المسؤول عن ذلك هو الفنان نفسه وإنتاجه ... والمستمع هو المظلوم في معظم الأحيان، لأن بعض الفنانين يغرقونه بالأغاني الهابطة أو التي تتناول موضوعاً بعينه، فهل ينتظر الفنان أن يقابل بالحب والهدايا، في الوقت الذي يردد فيه أناشيد الحرب والدمار.

مارأيك في ظاهرة الفنان الشامل، حيث يلاحظ في بعض الفنانين الأريتريين قيامهم بالتغني بكلماتهم وبألحانهم أيضاً ـــ علي ماذا يرجع ذلك؟ أنت شخصياً هل تزود فنانين آخرين بقصائدك وهل غنيت بشعر الآخرين؟؟

الفنان الشامل ليس بجديد في ساحة الغناء، الإمكانيات هي المحك، هناك من يعتقد انه مكتف بذاته، ولا يحتاج لمساعدة من الآخرين .. وهناك من ينفتح ويستعين بكلمات وألحان غيره ولا عيب في ذلك... هنا أود الإشادة بمن يغني كلمات غيره، وألحان غيره فالغناء أخذ وعطاء... أما عن شخصي، فقد قدمت أغان من التراث، وأستعنت بألحان الآخرين مثل محمد حسين نهاري وكمال حسين وقد تعاونت مع بعض الأصدقاء من الفنانين، وقدمت لهم كلمات بالتيجرينية (الأمين عبداللطيف وعثمان عبدالرحيم) وكلمات بالتيجري (الأمين عبداللطيف، أحمد منصور، محمد بشلات).

لو طلب منك الفنان/ إدريس ود أمير إعطاء إحدي أغنياته ولنقل الأغنية التي يقول فيها (مسكين إدريس ود أمير ديب كدنو باديتو... ديب كدنو لبدي إل ودقبي قريتو... لأقعراي بعل أطال إسيت قرم هاديتو... هتو إيكو لبأسا وهتا إيكو إسيتو... قتكي موتا لبلوكا إكل تورث لإسيتو) لو طلب منك إعطائها لفنان آخر ليتغني بها... فمن من الفنانين الحاليين ترشح لها، وبصفة عامة، من برأيك أكثر فناناً يشبه ود أمير أو يمثل إمتداداً له؟؟ أو أجاد في التغني بأغنياته؟؟

شخصياً أود أن أسمع/ داشم مسقنا وهو يؤدي اغنية لإدريس ود أمير... يسحرني هذا الفنان بأدائه وصوته.
أما من أجاد حتي الآن في اغاني ود أمير... في المقدمة يأتي الفنان/ عبي عبد الله الذي سبق الجميع في تقديم أغاني أو كلمات ود أمير... يليه الفنان/ سعيد عبد الله وكفــــــي!!!

هناك فنانين أريتريين ـــ بما فيهم لوبينت - يتغنون بالتيجرينية - مارأيك في هذه الظاهرة؟؟

أفرجت حتي الآن عن خمسة أشرطة، لكنها بالتيجري ولم أفرج عن أغاني بالتيجرينية... فمن أين جئت بهذه المعلومة؟! ربما أختلط عليك الأمر عندما سمعتني أغني في جلسة خاصة بعض الأغاني بالتيجرينية (كانت هذه الجلسة في مدينة ملبورن بأستراليا) وهي من كلماتي... مجيز أخاك لابطل.. لأن معظم الحضور كانوا من الإخوة/ الجبرتة وإحتراماً لهم مارست حقي في التعبير.

الظاهرة موجودة، وحجة الفنانين ان (السوق عايز كدة) بالله عليك ماضر ود شيخ أو الأمين عبد اللطيف أو غيرهم لو خسروا مائة مستمع بالتيجرينية بدلاً من أن يخسروا نفسهم وجمهورهم... لن يذكر التأريخ ود شيخ بسبب اقدامه علي التغني بالتيجرينية، ولكنه سيذكره لأنه قدم الأناشيد الوطنية بالتيجري وكان في الميدان فنان المقاتلين المفضل.

الأغنية الحماسية والوطنية مقارنة بالأغنية العاطفية والغزلية - لنأخذ مثلاً الفنان ود شيخ فهو معروف عنه قيامه بالعجن بين الأغاني الوطنية الحماسية واخري غزلية وعاطفية برأيك متي يكون الفنان/ ود شيخ في قمة إبداعه، هل في الأغاني العاطفية أم الوطنية؟؟

الفنان ود شيخ "فنان الخريطة والهجومات" مبدع في الأغاني الحماسية ومكثر لدرجة الإملال ولم يثبت وجوده في الأغاني العاطفية لأنه مقل... وبين الإقلال والإملال مساحة شاسعة، أخشي علي ود شيخ منها، لكنه الأفضل عندما يعتلي الخشبة ويغني امام الجماهير.

لو طلبنا منك، إجمالاً، تقييم مشوار الفن الأريتري ماقبل وما بعد الإستقلال - ماذا تقول؟؟

لايزال الفن في أريتريا مقيداً وموجهاً ومستغلاً والمسيرة طويلة... مرتبطة بتحرر الإنسان الأريتري نفسه.

تم تصنيفك ضمن الفنانين، ماذا يعني أن تكون فناناً في أرتريا؟ ولو طلبنا منك التجرد للحظة والنظر إلي الأمور بنظرة محايدة هل يمكنك أن تحدثنا عن القيمة الفنية الأدبية أو الوجدانية لأغانيك؟ وهل تحس أنك أضفت شيئاً إلي الفن الأريتري؟؟

أترك الإجابة علي هذا السؤال لغيري.

ثمة فوارق مادية بين الفنانين الأريتريين، فإذا ماقارنا الفنان ود شيخ مع الفنان ود تكل مثلاً، نجد فرقاً شاسعاً بينهما، ففي حين أحدهما "يركب سيارات فارهة آخر موديل" نجد الآخر يعيش "مستوراً" والسؤال من أين يكتسب الفنان الأريتري دخله؟ كنظرة شمولية هل تعتقد أن الفن يمكن أن يكون مصدر رزق حقيقي لصاحبه؟؟

اللهم لاحسد... زد وبارك!! لكن المطلوب هو أن يشجع المستمع فنانيه بشراء أشرطتهم الأصلية لا أن (ينقلها) وطبعاً الغناء مصدر رزق والدليل علي ذلك برخت منقستآب وودشيخ (هل لهم مصدر دخل آخر أو وظيفة؟؟).

ماالذي يعنيه النقاد للفنان / لوبينت؟ وهل هناك نقاد أصلاً للأغنية الأريترية عامةًً ولأغنية التجري خاصةً؟؟.

لم أسمع حتي الآن عن وجود نقاد... النقد بناء وهدم في نفس الوقت.. ولا يوجد فنان معصوم من الخطأ، لكن عيبنا أننا نعتبر النقد (تعرضاً للشخص) نفسه ومحاولة لتحطيمه والحط من قدره لذلك تري الكثيرين يحجمون عن "النقد".

من الأصوات النسائية في أريتريا، من منهن تعتلي عرش السلم الغنائي في رأيك؟

إذا كان هناك عرش للأغنية الأريترية، فإن الفنانة/ هيلين ملس، هي التي يجب أن تعتليه بحق... ولا أريد أن أظلم فاطمة أبراهيم وزينب بشير وزهرة علي أصواتهم جميلة واداؤهن جيد لكن يغلب عليهن الإنفعال.

من هو برأيك أكثر موسيقار أو عازف مبدع في أريتريا؟؟

أستطيع أن أقول أن الثلاثي صلاح ومختار وحسين هم أحسن العازفين المقيمين في الوطن.. بالإضافة إلي برخت منقستآب في (المسانقو). أما في الشتات فهناك العديد من الموسيقيين والعازفين وإن لم نسمع منهم أو عنهم الكثير عبد الله أبوبكر... علي سبيل المثال قمة في العزف والتوزيع الموسيقي.

من أهم فنان تعتبره قريباً منك؟ وهل تأثرت بفنان محدد في أرتريا؟؟

الفنان عبي عبدالله والفنان الأمين عبداللطيف والفنان عثمان عبد الرحيم... أقرب إلي عقلي وقلبي، وعبي هو استاذي وعن طريقه تعرفت علي إدريس ود أمير.

من برأيك أكثر فنان في أريتريا تعرض لتجاهل أو لم يأخذ نصيبه من الإهتمام؟ ومن أكثر فنان تتنبأ له بمستقبل باهر؟؟

أعتقد أن الفنان عبي عبدالله تعرض لتجاهل ولم يأخذ نصيبه من الإهتمام. يليه مع الأسف الشديد الفنان سعيد عبدالله الذي قدم الكثير من أغاني التراث.

قل لنا رأيك صراحةً أو أسمح لنا بأن نطلب منك تقييماً سريعاً ومختصراً لمسيرة الفنانين الآتية أسماءهم أدناه:-

أ) الأمين عبداللطيف ،
ب) حسين محمد علي ،
ج) سعيد عبدالله ،
د) أحمد ود شيخ ،
ه) إبراهيم محمد علي (قورت) .

أ) الأمين عبد اللطيف – فنان أيام زمان... محلك سير.

ب) حسين محمد علي – فنان الجبهة.

ج) سعيد عبدالله – فناني المفضل أضعه في رأس القائمة.

د) أحمد ود شيخ – فنان الخريطة، يأتي في المرتبة الثانية عليه أن يعرف أن الجغرافية ليست كل شيئ.

ه) إبراهيم محمد علي (قورت) – ملحن جيد، وكلماته جيدة، عليه أن يرجع إلي الوراء قليلاً وينهل من التراث إذا أراد أن يتقدم... الي الامام.

من برأيك أفضل شاعر بالتجري حالياً؟؟

أفضل شاعر بالتيجري، في اعتقادي هو ود جعيف.

إجمالاًً، بماذا يمكنك أن تتقدم من اقتراحات تساهم في السمو من شأن الفن الأريتري عموماً والأغاني خصوصاً، وإذا رغبت أن تتقدم بكلمة أخيرة فلك ذلك؟؟

أحتفظ باقتراحاتي لنفسي، لأنه لن يعمل بها... شكراً لك والسلام ختام.

 

هذه المقابلة جرت في مارس 2003 أثناء زيارة الكاتب والفنان/ محمود لوبينت لمدينة ملبورن في زيارة عائلية وقد جرت منذ ذلك الحين مياه كثيرة تحت الجسر!

Top
X

Right Click

No Right Click