1964-1920 الفنان والشاعر إدريس ود أمير امرئ القيس لغة التجرايت

سماديت كوم Samadit.com

بقلم الأستاذ: عثمان همد - ود ابيب

الفنان والشاعر الغنائي الشعبي الكبير إدريس أمير المشهور لذي عامة الناس

(ب إدريس ودأمير) واحدة من أعمدة الفن والإبداع في مجال الشعر الغنائي المعتق، والهائم بالحب والجمال والترحال المليء بالشجن والتحنان والشوق والألم والآهات.

حيث تغني بتلك اللغة الجئزية السبائية الحميرية اليمنية الجنوبية القديمة والجملية (التجرايت)، وهي مليئة بالمفردات الأنيقة والمعاني السامية والتعابير والتشبيهات والتوصيفات البليغة في الدقة والبيان والسحر الجمالي الأخاذ.

كيف لا وهي شقيقة العربية الشمالية الحجازية النجدية التي تشرفت بنزول القرآن الكريم بها، مما زادها تألقاً وانتشاراً واسعاً كما أن لغة التجرايت لم تستسلم لهيمنة اللغة العربية وانفرادها بالقران والشعر العربي القديم، بل شاركتها بكلمات كثيرة ومعاني عريقة وتصاريف متنوعة مع احتفاظها بخصوصيتها الذاتية وتميزها المتفرد وحضورها القوي في الشعر والأدب والقرآن عبر العصور المتطاولة الفنان إدريس ودأمير بما تركه من أدبر صين وشعر الحب الصادق الموغل في الوفاء للمحبوبة والترنم بجمالها ووصفها والموت في سبيل حبها.

إضافة لونية جمالية وبصمة حنينية وقيم نبيلة زادت من تألق وتوهج لغة التجرايت مما يضاهي ذالك امرئ ألقيس وعنترة وزهير بن أبي سلمي وجميع شعراء العصر الجاهلي، الذين ابقوا علي قوة وحضور اللغة العربية الفنان إدريس ودامير يعتبر ايكونة الشعر الغنائي الجميل في لغة التجرايت، وقد تغني له كثير من الفنانين والهواة والمحبين وعامة الناس تجد عندهم شعر ودامير محفوظ في الصدور وتتناقلها لأجيال من جيل الي جيل عبر السماع ألشفاهي ولم يتم جمع شعر ودامير وتوثيقه وتقديم دراسات نقدية أدبية متخصصة حوله حتي اليوم مما ترك ذالك نقطة فارغة وغيب كثير من كهنه وعبق ذوقه كما ان كثير من الفنانين الذين يتغنون بشعر ودامير ربما الكثير منهم لا يعرفون من هو ودامير ولا يشيرون حتي الي اسمه من باب الأمانة وحفظ حق المؤلف والشاعر، وهذا يعتبر ظلم كبير وتجني مهين للفنان والشاعر العملاق ادريس ودامير.

الذي ترك ثروة غنائية كبيرة واللحان ممزوجة بأشجان رائعة، ستدوم معطرة ذاكرة الغناء والشعر الجميل بلغة التجرايت الي الأبد ولد الشاعر والفنان ادريس ودامير في بلدة (عيلت) بضواحي مصوع في مطلع القرن العشرين، والتحق في بواكير عمره الطري بخلوة لتحفيظ القرآن كعادة اقرأنه من ابناء مجتمع الناطقين بالتجرايت وعموم اهلنا البجا.

فالدين والقرآن مقدم عندهم علي المدارس الأكاديمية الحديثة والتلميذ عندهم اول ما يفتح عينيه علي التعليم يفتتح بالخلوة القراءنية، ثم بعد ذالك يعرج الي المدارس، وهذه قيمة حضارية متميزة عند البجا.

فالقراءن الكريم قطعاً هو كلامالله وسيد العلوم الدينية والدنوية بدون شك ثم من بعد ذالك التحق شاعرنا ودامير بإحدي المدارس الإيطلية وواصل بها الدراسة حتي أكمل الصف الثاني وفجأة قد تحول الي حياة البدوة والرعي والريف المسكون بالثروة الحيوانية وارث الإباء والأجداد، وقد كانت اسرته تمتلك مراحات كثيرة من قطعان الأغنام.

وقد لاقت مهنة الأنبياء والرسول الرعي وقعاُ خاصاً واستحساناً في نفسية شاعرنا ودامير، وربما هي التي ألهمته موهبة الشعر والغناء فيما بعد. لكن التحولات السياسية الكبيرة التي حدثت للعالم في ذالك الوقت والحرب العالمية الثانية بين الحفاء والمحور فرضت نفسها علي شاعرنا ودامير مجبراً وبدون إرادته ليلتحق بالخدمة العسكرية الإجبارية في القوات البحرية الملكية الإيطالية.

وشاءت الأقدار والتوزيع العسكري جاء به ليخدم ضمن القوة العسكرية في (مرسي تكلاي) في الساحل الشمالي بالقرب من قرورة. وبعد ان وضعت الحرب اوزارها وافرزت هزيمة ايطاليا وتقسيم املاكها ومستعمراتها في القرن الأفريقي.

عاد الشاعر ودأمير الي الحياة المدنية من جديد ليعمل في ورشة (لستر يستيمو) وفي عام1943 م تزوج بفتاة من "عد شومة" أسمها سعدية عثمان، ولكنها توفيت بعد أربعة أعوامو هي في حالة المخاض.

وفي عام 1948م التقى شاعرنا ودأمير بفتاة من الساحل الشمالي أسمها "آمنة" أحبها من أول نظرة، ولكن كانت مخطوبة لغيره وتزوجت خطيبها وصدم ودأمير وتفجر شعرا، حيث بدأ رحلة الترحال والتجوال في كل المناطق، ينظم الشعر ويقيم الحفلات الغنائية الشعبية، وجلسات السمر القمرية يغني مترحلا من قرية إلى قرية ومنبلد إلى بلد وفي 1950م حدث تحول كبير وانتقال زماني ومكاني من بيئة المولد والنشأة والحب والعشق، الي بيئة جديدة للعمل والسفر وتحسين الظروف المادية حيث جاء إلى بورتٍسودان والتقى بالشاعر الغنائي المخضرم عمر قنشرة الذي كان يقيم في مدينة بورتسودان، في حي ديم المدينة.

وهو من اعرق احياء بورتسودان القديمة والعتيقة .وبالناسبة ديم المدينة هو نفس الديم الذي ولد وترعرع فيه الفنان والشاعر الكبير ادريس الخليفة علي نور المشهور في الوسط الفني السوداني بإدريس ودامير صاحب بكائية سواكن صب دمي وانا قلبي ساكن في سواكن وما بين ادريس ودامير صاحب الأسم الأول وادريس ودامير ابن بورتسودان أدب ٌ وشعرٌ وفنٌ وابداع ووجدان مسكون بالجمال والحبر حمهما الله بقدر ما اعاطوا كرسل للفن والمحبة والسلام وقد اقام الشاعر والفنان ودامير في منزل الشاعر الغنائي عمر قنشرة بديم المدينة عدة سنوات، وأقاما معاً حفلات وجلسات سمر وشاركا المجتمع في الأفراح والأعراس والأعياد وفي جميع المناسبات السعيدة.

وفي هذه الفترة ألف ودامير قصائد غنائية كثيرة خلدت ذكري احياء مدينة بورتسودان العريقة. مثل ديم المدينة وديم النور وهدل وكوريا وديم سواكن وحي اوليوديم جلود والميناء وغيرها، وذات مرة مرض الفنان ود أمير بالملاريا في بورتسودان، وأثناء فترة مرضه أحب إحدى الفتيات و كانت تزوره بإستمرار، وتمارضه ببعض المشروبات والمأكولات التي عادة ما يتناولها مرضي الملاريا، وقد نظم في حق هذه الفتاة الوفية أبيات من الشعر الغنائي الخالد تظل باقية في ذاكرة الناس حتي اليوم.

وبعد تلك السنوات جميلة والغنية بالإبداع والشجن والفرح والسرور والمرح قضاها شاعرنا ادريس ودامير في مدينة السحر والجمال وعبق التاريح ودفاق امواج البحرالاحمر الشجية وطيبة الأهل وجمال الناس.

استأنفه ودامير قطار التسفار والترحال من بورتسودان الي المملكة العربية السعودية، وقد مكث بها عدة سنوات، ولم يطب له المقام هناك ليواصل الترحال والسياحة كالعباقرة والمبدعين ليحل ضيفاً كريماً مبدعاً في بلاد آل الأحمدي دولة الكويت في 1964م وربما كان موعده مع القدر المحتوم والأجل المعلوم والحفرة تنادي صاحبها، ليسكت الشعر الأنيق وليخبوا الصوت الجميل وليتبخر الإحساس الرهيف وليتلاشى الجسد النحيل ومات ادريس ودامير هناك وفي نفس العام الذي وصل فيه الكويت 1964م وفقدت لغة التجرايت ملكها ورونقها وبهاءها الجميل طالما زادها جمالاً وعشقاً وحناناً.

ف و دامير بالتأكيد فنان كل الأجيال لن ينسي فنه ولن يندثر غناءه ولن يتلاشي إحساسه الذي يسكن ويحرك ويطرب ويؤثر علي كل نفس انسانية جميلة تري في شعر وغناء ودامير شيئاً جميلا تميز شعر ودامير بلغة التجرايت بدقة الوصف ورصانة المعاني وقوة الأداء وجزالة وغزارة الإحساس الدافق غاية في الشاعرية والحميمية وقد ترك زواج محبوبته (امنة) من غيره اثراً عميقاً في نفسه وجرحاً نازفاً لم يندمل.

وتفجر إحساسه كالبركان شعرا جميلا وإحساسا صادقاً يحكي مأساة قصته وصدمته العاطفية. وكيف يقهر الحب ويهزم الإحساس امام جبروت العادات والتقاليد التي تقدس الأطر والقوالب الجامدة البنت لود عمها وبالتالي تزوجت أمنة محبوبة اميرالحب الي ود عمها وترك ودامير مجنون امنة يهيم علي وجهه في القرى والمناطق والمدنوالدول. الي ان ادركه اجله المحتوم في الكويت كشهيد للحب سكب دمعه ودمه وإحساسه وموهبته وعمره في سبيل تخليد مآثر تلك الفتاة الجميلة امنة محبوبة ادريس ودامير.

التي انتزعت منه وانتزع مقابلها قلبه الرهيف المعذب هذا قليل من كثير لشاعر وفنان مخضرم بقامة إدريس ودامير، وما صلنا من سيرته العطرة وعطاءه الممتدة والمسئولية اليوم علي عاتق الباحثين والمهتمين والدارسين والمتخصصين في ادب التجرايت للتنقيب والبحث عن جواهر ثمينة مازالت مدفونة في كتمان الغيب لم تعرف بعد عن حياة هذاالعملاق الذي ملأ الدنيا وشغلا الناس.

بشعره وفنه التي عبر به نيابة عن كل المحبين والعاشقين ومن انتزع قلبهم مثله وعلي الفنانين الذين يتغنون بأشعار واغاني العملاق ادريس ودامير في السودان وارتريا ودول الخليج واروبا ومريكا وستراليا امانة كبيرة في أعناقهم، ان يذكروا اسمه ويخلدوا تاريخه في أشرطتهم وتسجيلاتهم ووسائطهم الغنائية وفاءً وعرفاناً وتخليداً لذكراه العطرة. من باب إسداء المعروف والاعتراف بالفضل لصاحب الفضل الذي كان سبباً في نجاحهم وشهرتهم.

Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…