الأمين عبد اللطيف الفنان الراحل

سماديت كوم Samadit.com

بقلم البروفيسور الدكتور: جلال الدين محمد صالح - لندن

كانت اول مرة شاهدت فيها الفنان الراحل الأمين عبد اللطيف في أواخر الستينيات بمدينة كرن وانا في الرابعة عشر من عمري تقريبا،

بمناسبة زواج جارنا بحي السودان صالح محمد عمر رحمهما الله معا، حيث احيا الأمين رحمه الله ليلة الزفاف بأحلى ما تغنى به في التغزل (بفاطمة زهرة) ويومها أمتع الحضور بباكورة أغانيه الغزلية، كان منها أغنيته الشهيرة (خاتم حطي زابيكو اجل من هبا اي امركو).

وعندما ظهر الى الوجود (راديو أسمرة) كنا نجلس في (جيرا فيوري) دويرة الزهور، نحن شباب كرن، نستمع الى اغاني الأمين عبد اللطيف، وحسين محمد علي، بالتجرايت، من بعد نشرة الأخبار التي ظل يقدمها مذيع التجرايت (موسي بخيت) وكان يستهلها بعبارة (سني ماسيام حايسام متنسيشي).

ثم بعد طول امد زار الامين رحمه الله كرن في عام ١٩٧١م، ان لم تخني الذاكرة، مصاحبا مجموعة فنانين سودانيين زاروا ارتريا، وهم:

١- الفنان سيد خليفة
٢- الفنان خضر بشير
٣- البلابل.

وكان الفنان الراحل الأمين عبد اللطيف، هو من يقدم هولاء الفنانين الى الجمهور الكرني، في دار السينما، ويومها غنى الفنان سيد خليفة أغنيته الشهيرة (ازيكم كيف إنكم انا لي زمان ما شفتكم).

رددها على مسامع الكرنيين بشيء من التحوير المناسب للمقام، قال فيها: (ولاد كرن كيف إنكم انا لي زمان ما شفتكم).

وساعتها رددت معه الحناجر الكرنية هذا المقطع من الاغنية بغاية من النشوة والطرب.

وما عاد الأمين عبد اللطيف بعد زيارته هذه، يشاهده الكرنيون، من عمري، زائرا مدينتهم كرن، وكانت اخر اغنية له راجت في الأوساط الارترية بشكل عام، والكرنية بشكل خاص أغنيته المعروفة (تحلف اي مسلني ال سنت).

وقد فهم منها بعض الكرنيين قرب انهيار نظام الإمبراطور، وكانوا يَرَوْن (الطور سراوييت) يرقصون على أنغامها.

وفعلا ما ان حل عام ١٩٧٤م، حتى انهار عرش الإمبراطور هيلي سلاسي، وكنت يومها طالبا، وحصلت على منحة دراسية من الجامعة الاسلامية المدينة المنورة، واصطحبني والدي رحمه الله معه الى أديس ابابا، لاستخراج جواز السفر، الا ان قرارا صدر من الدرج بعدم خروج الطلاب، فعدت الى كرن، ثم عدت منها الى أديس ابابا في أشهر الحج؛ للسفر الى المملكة حاجا، وفِي هذه اللحظة قابلت الفنان الراحل الأمين عبد اللطيف وجها لوجه، في مكتب محمد عبد الله باحكيم، حيث يعمل محمود ياقود رحمه الله احد أشهر أبناء كرن الذي نفي الى أديس ابابا عقوبة له على نشاطه السياسي ضمن خلايا حركة تحرير ارتريا.

وتحدثت معه معبرا عن اعجابي به، وكان هو الاخر قادما من أسمرة خارجا من البلاد، ضمن فوج الحجيج، وركبنا الخطوط الاثيوبية، ودخلنا معا جدا.

وما رأيت بعد ذلك الأمين عبد اللطيف، ولكن استمعت الى أغنيته الشهيرة ايضا (مؤتمر خرطوم من ابيو) .

وهو الموتمر الذي شهد توقيع وحدة بين جبهة تحرير ارتريا، وقوات التحرير الشعبية، ورفضته الجبهة الشعبية، كما لم تتحقق الوحدة بين الجبهة، وقوات التحرير، ويومها كان حزب العمل هو من يقود الجبهة، وعز عليه ان يتوحد مع القوى الرجعية، التي صفاها في حشنيت.

الأمين عبد اللطيف وبداية الفن:

في مقابلة اجريت مع الفنان عبد اللطيف، هنا في لندن، اجراها معه احد الإخوة الارتريين، واظنه مسوكر، ان لم تخني الذاكرة، كان ذلك في التسعينيات، من القرن المنصرم، يذكر الراحل الأمين عبد اللطيف انه بدا الفن وهو أستاذ في الجالية الارترية، وكان شجي الصوت، يلحن الأناشيد لطلابه في الجالية، وكان مدير مدرسة الجالية أستاذا مصريا.

يقول الأمين: لقيت منه تشجيعا، وكان يحضر الأمسيات الفنية التي ظلت تقيمها الفرقة باسمرة.

الا انه للتطورات السياسية، غادر البلاد، وأسندت ادارة المدرسة الى أستاذ ارتري، وعندها خير هذا الناظر الجديد الاستاذ الأمين عبد اللطيف بين أمرين احلاهما مر بالنسبة للامين، هما: اما الفن، واما التدريس، فهما امران لا يجتمعان معا، في قرار هذا الناظر، وعندها اختار الاستاذ الأمين الفن، وتخلى عن التعليم، ولعله رأي ان رسالة الفن، لا تقل أهمية عن رسالة التعليم.

يقول الأمين في المقابلة نفسها: بعد اللجوء الى السودان، قابلت هذا الناظر الذي وضعني بين هذين الخيارين، وذكرته بقراره، وعندها قال لي: لو عاد بي الزمن الى الوراء لاتخذت القرار نفسه.

الفن في ثقافة مجتمعنا:

احتراف الفن في ثقافة مجتمعنا غناءا في المحافل، غير محبوب.
ولا ينظر المجتمع الى محترف الغناء بعين الإكبار والإجلال، ويسمونه (حاميناي).

وربما هذا ناتج من ان الفن الغنائي مورس بصورة عارية عن القيم الاخلاقية الرفيعة والحميدة، ومع ذلك يحبون الشعر، والشعراء، ويروونه، وينظمونه، وبالطبع ليس الشعر ديوان العرب فحسب، وانما ايضا ديوان كل الامم، ومصدر تاريخهم وفخرهم.

حكى لي العام الماضي في استوكهولم الفنان حسين محمد علي مد الله في عمره، انه سمع الازدراء به من رجلين يتحدثان التجرايت فيما بينهما، واظنه قال لي : إنهما من المنسع، ذكر احدهما اسمه، فقال له الاخر: (كين بلو منك ال حاميناي).

حاميناي تعني المسترزق بشعره، وغنائه، فهو يفتقد المصداقية، ويعزف اكثر لمن أعطى اكثر، ويهجر ويهجو لمن أمسك يديه، وقل عطاؤه .

الفن والنضال:

الفن جزء اصيل في حضارة الشعوب، وله الصدارة في تحريض الامم واستنهاضها، شعرا، ونثرا، وغناء، ورسما، ولا احد يجهل ما كان للفن الغنائي من اثر فعال في مسيرتنا التحررية، من اول يوم فجرنا فيه ثورتنا، بل من اول يوم أعلنا فيه نشأة (الرابطة الاسلامية).

كان الفنان الراحل الاستاذ الأمين عبد اللطيف رحمه الله احد هولاء الفنانين العظماء الذين وظفوا كلماتهم الغنائية أحسن توظيف في بناء مسيرة التحرر الوطني.

المتأمل في غناء الاستاذ الأمين عبد اللطيف رحمه الله يجده يمتاز بما يمكن ان اصطلح عليه (الفن الطاهر).

وهو الفن البريء من المجون، والخلاعة، والدعوة الى الفجور، الراقي في نظمه، والراقي في أهدافه.

حتى الأغاني الغزلية التي تغنى بها الأمين رحمه الله متغزلا (بفاطمة زهرة)لم تكن مبتذلة، ولا خارقة لقيم المجتمع والدين.

ولم تكن فاطمة زهرة رمزا الى العلم الارتري، كما قد يتصور بعضنا، ولكنها - كما يقول الأمين نفسه في المقابلة التي ذكرتها آنفا - كانت فتاة حقيقية، احبها الأمين، بعد ان وجدت منه قلبا فارغا الا منها فتمكنت منه.

كان تغزله بها بريئا، يصف جمالها، ويرجو الزواج منها.

وكانت الحكم الغنائية، تتناثر هنا وهناك في غنائه، منها قوله: (الدنيا ثمانتا وحقو ثمان عرجوت) بمعنى الحياة محدودة، لا تتجاوز ثمانية عقود، بعدها عروج الروح الى باريها.

وها هي روحه عرجت الى باريها، الى رب غفور، رحيم، اساله بكل اسم سمى به نفسه، ان يتقبل روح فقيدنا الأمين بالمغفرة وواسع الرحمة.

وهو نفسه الذي غنى بالتجرنية اغنية يقول فيها: (تولد كلخا بخندي طبابا، تموت كلخا بميترو علبا، علم اي تجبرى طراي نبينخا).

لا تجعل الدنيا لك وحدك، تذكر يوم ولدت، كم كانت ولادتك عسيرة، وتذكر يوم تموت، لن يصحبك منها الا قطعة قماش.

يقال: انه يرمز بها الى جشع الإمبراطور والتهامه للحق الارتري، وايا كان قصده منها رحمه الله فهذا هو تاريخ كل إنسان، وهذا هو المصير المنتظر لكل فرد من المخلوقات، ولا يبقى الا وجه ربك.

وها هو الأمين نفسه رحمه الله غادر هذه الحياة بقطعة من القماش، ما من احد منا الا وسيلف بها، معه ما قدم من خير او شر.

لم يكن احتراف الفن بالنسبة للاستاذ الراحل الفنان الأمين عبد اللطيف رحمه الله طريقا الى المجون واحتساء الخمور، فما عرف عنه رحمه الله انجرف وانحرف عن قيم مجتمعه، بل كان وقورا منضبطا، يمارس الفن طريقا الى البناء الاخلاقي لا الدمار.

وكان رحمه الله يتردد على جامع أسمرة مصليا، يودي فرائضه الخمسة، وعلى وجه الخصوص في هذه اللحظة التي تقدم فيها عمره، وأحس بدنو اجله.

هذا ما سمعته عنه، وحدثني به من كان يشاهده في أسمرة.

كذلك رفيق دربه في الفن الاستاذ جابر الذي كان يدق الكبرو في الفرقة الفنية باسمرة، سمعت انه ما زال حيا، غير انه اعتزل الفن، مد الله في عمره على طاعته.

الدين والفن:

ما جرم وحرم الدين الفن، فقد لعب اجدادنا الاحباش في مسجده صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم وزوجه عايشة ينظران اليهم، ويشجعانهم، وبهذا كان الفلكلور الحبشي هو اول فلكلور استعرضه النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده في اطهر بقعة من الارض.

وهذا يعني ان الاسلام ما جرم الفن أبدا وحرمه، متى ما كان فنا طاهرا، بناءا، حتى لوكان غزلا، فقد تغزل كعب (بسعاد) وهو يقول قصيدته امام رسول الله صلى الله عليه وسلم: بانتً سعاد وقلبي اليوم متبول.

وبهذا اتفق علماء الاسلام، على ان الغناء الداعي الى المجون والخلاعة وشرب الخمور، وتعاطي الفجور حرام بالإجماع عزف بالات الطرب ام لا.

واتفقوا على ان ما كان عكس ذلك حلال بالإجماع.

ولكنهم اختلفوا اذا صحبته الموسيقى، فقال بعضهم بحرمته، وقال بعضهم بحليته.

وممن قال بحليته من الأوائل الامام ابن حزم الظاهري، والغزالي فيما يعرف عنده بالسماع الصوفي.

ومن المعاصرين الشيخ يوسف القرضاوي، حيث اصدر كتابا بعنوان الموسيقا والغناء، وعالم عراقي متخصص في علوم الحديث، واصول الفقه الشيخ عبد الله الجديع، وقد أهداني كتابه (الموسيقى والغناء في الاسلام).

وممن باح بهذه القناعة في السعودية الشيخ الكلباني، وكان مرشحا لإمامة الحرم، وهو من الأئمة المشهورين في الرياض.

وايا كان فالخلاف مشهور ولكل مذهبه.

ولان الفن ساحة مهمة علينا ان نطهره، ونصله بالعبودية لله رب العالمين.

وليس بالضرورة ان يكون الفنان مارقا، ماجنا، بل يكون عابدا مصليا، يسخر عطاءه الفني لخدمة دينه ووطنه وامته.

وفِي زمرة هولاء الفنانين نجد الفنان حسين محمد علي، وان لم نكن لهم عونا على الطاعة، سوف تجتالهم الشيا طين الى قتل الفضيلة.

وفِي هذا كتب الدكتور حسن عبد الله الترابي رحمه الله كتابه (الدين والفن).

الفن في نضالنا المعارض:

من المهم جدا ان نطور رسالة الفن في عملنا النضالي المعارض، وان نستغلها، وتوظفها أحسن توظيف في استنهاض شعبنا، ومخاطبة وجدانهم، وان نطهر الفن - نحن الإسلاميين بالذات - لنتخذ منه وسيلة بناء.

رحم الله الفقيد الراحل الاستاذ الأمين عبد اللطيف، اللهم وسع مدخله، وانر قبره، واجمعنا به عندك في جنة الفردوس على سرر متقابلين.

عزائي لكل الشعب الارتري، ولأسرة الفقيد، ابنه خالد في استوكهولم، وابنته نورة في اسمر، وللاخ الفنان حسين محمد علي هنا في لندن احد اقرباء الراحل الاستاذ الامين عبد اللطيف.

Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…